أخبار رئيسيةشؤون فلسطينيةمقالات إستراتيجية

الانقسام في فتح يهدد الاستقرار الأمني وهو تحدٍ ليس “لإسرائيل” فقط

ترجمة الهدهد
معهد أبحاث الأمن القومي
علي الأعور – يوحانان تسروف

المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه 

تعاني منظمة فتح التي يرأسها أبو مازن من مشاكل خطيرة وغير مسبوقة، تهدد الاستقرار الأمني في الضفة الغربية وتقرب من السيناريو الذي ستستولى فيه حماس على السلطة الفلسطينية، وعلى “إسرائيل” أن تعمل على موازنة الوضع غير المستقر في المناطق  الفلسطينية وتقوية موقف رئيس السلطة.

تثير الأحداث الأمنية المتكررة في الضفة الغربية تساؤلات حول سلوك حركة فتح الخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية، وتدل مشاركة عناصر التنظيم في احتكاكات مع قوات “الجيش الإسرائيلي” وتعاونهم مع المنظمات الأخرى خاصة في شمال الضفة على عدم وجود سيطرة مركزية على التنظيم والانقسام إلى مجموعات والتصرف وفق التعليمات المحلية.

وبهذه الطريقة، تعمل فتح على تقويض الاستقرار في الضفة الغربية وإضعاف حكم أبو مازن، وتشكل تحديًا معقدًا “لإسرائيل”.

ويعتقد الكثير من الفلسطينيين أن أبو مازن هو العقبة الرئيسية أمام إعادة إصلاح فتح بسبب مسؤوليته عن الانقسام الداخلي في المنظمة.

“إسرائيل” المنتبهة لهشاشة الهدوء النسبي وأيضًا لمحاولات حماس تحريض شارع الضفة الغربية على العمل ضدها وضد السلطة الفلسطينية مُلزمة بالتحرك الآن لتقليل الصدمات المتوقعة قدر الإمكان في اليوم التالي  لأبو مازن.

قد  يثبت في المستقبل أن قرار أبو مازن إلغاء انتخابات المجلس التشريعي والرئاسة التي كان من المقرر إجراؤها في مايو 2021 ، كان نقطة تحول في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية وحماس في الأراضي الفلسطينية المحتلة. لقد عمق هذا القرار أزمة الثقة بين الجمهور والسلطة الفلسطينية وزاد من تراجع شرعيتها، وجعل منها سلطة غير ذات صلة وعديمة الجدوى، وزاد من  الأصوات الداعية إلى إجراء الإصلاحات في صفوف حركة فتح أكبر الحركات التي تتكون منها منظمة التحرير الفلسطينية. كل ذلك في ظل تنامي قوة حماس في الجامعات والنقابات والسلطات المحلية.

وأثارت قرارات المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية والتعيينات اللاحقة التي أجراها أبو مازن في المنظمة استياءً شديداً لدى الجمهور عامة ولدى فتح بشكل خاص.
أبرز هذه القرارات تعيين حسين الشيخ وزير الشؤون المدنية الذي تم تفسير تعيينه أمينًا عامًا للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية في الشارع وفي صفوف فتح وفي اللجنة المركزية وفي مختلف مراكز المنظمة كإشارة من قبل أبو مازن إليه كرئيس قادم.

كما أن الأحداث الأخيرة في الضفة تعكس بوضوح أزمة القيادة في فتح، فلا سيطرة ولا قيادة في مختلف المناطق التي يتواجد فيها التنظيم، ولا طاعة لتوجيهات القيادة المركزية. ونشطاؤها يسعون لإظهار القوة والحضور و يجمعون حولهم مسلحين، ويتعاونون مع المنظمات المنافسة ويتخذون القرارات بشكل مستقل، وكذلك التعاون بين مقاتلي فتح في منطقة جنين ونابلس مع حركة الجهاد الإسلامي وحركة حماس في الاشتباكات مع قوات “الجيش الإسرائيلي” التي دخلت هذه المناطق بشكل متكرر حتى عملية “بزوغ الفجر” (5-7 آب) يوضح ذلك جيداً.

ويشير إطلاق النار على الدكتور ناصر الدين الشاعر المحاضر في جامعة النجاح في نابلس والموالي لحماس من قبل مسلحين – يعتقد الكثير في الشارع الفلسطيني أنهم مرتبطون بفتح – إلى انتشار الأسلحة في الضفة الغربية وضعف قدرة السلطة الفلسطينية على فرض هيبتها على عناصرها والحفاظ على الاستقرار الأمني.

الشاعر هو شخصية بارزة شغل منصب وزير ونائب رئيس الوزراء في حكومة إسماعيل هنية الأولى التي تشكلت بعد انتخابات 2006 ولو كان قد قُتل لكان الخلاف الداخلي قد ظهر بين حركتي حماس وفتح، ولسرعان ما انزلق نحو “إسرائيل”. رغم ذلك و بعد نحو شهر من إطلاق النار ، لم تُنشر حتى الآن نتائج التحقيق الذي طالب أبو مازن بإجرائه من أجل تقديم الجناة إلى العدالة.

كما يدل  تنافس أعضاء فتح ضمن قوائم منفصلة في انتخابات الهيئات المحلية على الخصومة وانعدام الوحدة، الأمر الذي أعطى الفرصة للمنافسين المستقلين أو المحسوبين على حماس للفوز فيها، ولقد فاز  هؤلاء في مدن مهمة، منها طولكرم والبيرة والخليل.
بالإضافة إلى ذلك فقدت فتح سلطتها في العديد من المجالس البلدية في جميع أنحاء الضفة الغربية.

إن فوز قائمة طلاب حماس في انتخابات مجلس الطلاب في جامعة بير زيت وفوز قائمة الأطباء الموالية لحماس في انتخابات جمعيتهم  يعكسان التأييد الشعبي المتزايد لحركة حماس والتخلي عن فتح.

وتعكس الإضرابات الغاضبة للمحامين والقطاعات الأخرى استياءً شديداً؛ والسبب هو تصرفات السلطة الفلسطينية التي تتخذ قراراتها بتفرد ودون تشاور، و تعكس كذلك تفشي المحسوبية والفساد بين كبار مسؤوليها.

ومن الأمثلة المدوية على ذلك التعيينات المتبادلة لأبناء وبنات الوزراء في مناصب عليا في مؤسسات السلطة الفلسطينية. وقد تسبب كشف  الأمر على الشبكات العامة في قدر كبير من الإحباط والغضب لدى الجمهور  والمطالبة بالشفافية والمساواة.

و تتزايد الأصوات من داخل فتح التي تحذر من الفساد، ومؤخرا اتهم توفيق الطيراوي الرئيس السابق للمخابرات العامة وعضو اللجنة المركزية للتنظيم مستشار أبو مازن ورئيس مجلس القضاة عيسى أبو شرار بارتكاب جرائم  فساد وأن أبو مازن يخضع  لنصائح مستشاريه – وهو ما يفسر حسب قوله اتخاذ قرارات تشجع على الفساد.

ويركز الغضب في الخطاب العام على عدم المساواة في التعيينات الحكومية، وإدارة  المشاريع ذات رأس المال الكبير وتحييزها لمصلحة المقربين من فتح؛ وبذلك يحرم الشعب الفلسطيني من ثمار الاستثمار في مشاريع من هذا النوع.

على خلفية فقدان السيطرة يطرح السؤال: ماذا سيحدث لفتح بعد خروج أبو مازن من الساحة السياسية، وهل فقدت فتح قاعدتها الحركية ومكانتها كزعيم للحركة الوطنية؟  وفي حال عدم وجود بديل ما الذي يجب على فتح فعله حتى تظل العمود الفقري لأي قيادة وطنية مستقبلية، وهل ستبقى الساحة تحت سيطرة حماس التي تحظى بدعم شعبي؟

ومن الجدير الإشارة في هذا السياق إلى الفروق الملحوظة بين قطاع غزة والضفة الغربية. فالسياسة التي تقودها “إسرائيل” مؤخراً تثبت نجاحها، وأدى السماح لـ15 ألف عامل من قطاع غزة بالعمل في “إسرائيل” إلى تعزيز الاقتصاد في المنطقة.

هذه الخطوة التي تضخ الأموال في قطاع غزة تخلق فرص عمل وتبعث الأمل في نفوس الشباب، وتخلق استقرارًا أمنيًا وربما تضاف إلى الاعتبارات التي منعت حماس من الانضمام إلى جولة القتال بين “إسرائيل” والجهاد الإسلامي خلال عملية  بزوغ  الفجر.
في الضفة الغربية، وعلى الرغم من محاولات وزير الجيش بيني غانتس ومنسق العمليات الحكومية في المناطق الفلسطينية مساعدة السلطة الفلسطينية ودعمها من خلال التسهيلات والمبادرات الاقتصادية لا توجد بوادر تحسن في الوضع، والسبب هو رغبة السلطة الفلسطينية في التنمية الاقتصادية المرتبطة بعملية سياسية موازية، فضلاً عن الانقسامات العديدة في فتح، وعدم وجود قيادة مركزية قادرة على القضاء على الفساد، و تجاهل السكان الذين يضمون آلاف الشباب من خريجي الجامعات والعاطلين عن العمل.

مطلوب من فتح وعلى وجه السرعة أن تجدد نفسها وتغير وجهها وتستعيد شرعيتها، أحد الخيارات هو إجراء انتخابات داخلية نزيهة دون إشراك الجيل القديم ودون استثناء أي جماعة أو قوة في صفوف التنظيم، ويجب أن تُجرى الانتخابات في السر دون تدخل القوى الأمنية، وبناءً على نتائجها سيتم إنشاء مجلس مركزي جديد وتحديد أمناء عامين لمختلف الدوائر الانتخابية والمعسكرات والمحليات، وكذلك انتخاب نائب للرئيس أبو مازن.

ويمكن لهذه الانتخابات أيضًا أن تُمكن من عقد مؤتمر فتح الثامن الذي تم تأجيله عدة مرات خلال العام الماضي بسبب عدم الاتفاق على جدول الأعمال وهوية المشاركين. لكن من المشكوك فيه أن يكون لدى فتح القدرة على القيام بخطوة من هذا النوع تعيد اصلاح فتح، في حين أن السبب الرئيسي لتفككها بحسب الكثيرين هو أبو مازن، وطالما كان على رأسها فلن يأتي التغيير.

في اليوم التالي لأبو مازن وبدون خطوات إعادة إصلاح، قد تندلع احتجاجات حاشدة ضد السلطة الفلسطينية والتي كما في كثير من الحالات في الماضي ستتحول إلى احتكاكات ومواجهات واسعة النطاق مع “القوات الإسرائيلية” في جميع أنحاء الضفة الغربية – مما قد يجبر “إسرائيل” على التدخل وربما استعادة السيطرة على المنطقة بأكملها. وسوف تستغل حماس هذا التطور من أجل تحقيق الدعم الذي تلقاه في الضفة الغربية، وتشجيع الاحتجاج وإظهار قوتها وربما حتى إجبار المجتمع الدولي على التحدث معها.

إن “إسرائيل” صاحبة التأثير الأكبر على ما يحدث في الساحة الفلسطينية، تدرك التداعيات بعيدة المدى لهذا السيناريو على أمنها. ويجب أن تكون مستعدة في أقرب وقت ممكن لتقليل تأثير هذه النتائج السلبية قدر الإمكان، لكنها ستواجه صعوبة في التعامل مع المطلب الفلسطيني الشعبي الواسع بإجراء انتخابات عامة أو إنشاء آلية فلسطينية مشتركة بين المنظمات بقيادة حماس وفتح لاختيار بديل. أبو مازن الذي فاز في الانتخابات عام 2005 كان حينها مرشحاً مفضلاً لدى “إسرائيل” وقادة منظمة التحرير الفلسطينية، كما قبلته الأغلبية الفلسطينية كرئيس شرعي ومن يأتي بعده يجب أن يجتاز نفس الاختبار. ولن يحظى بالشرعية بدون انتخابات أو موافقة مختلف الفصائل على تعيينه، لذلك فإن فتح ملزمة بالمثول أمام الجمهور قبل اليوم التالي لأبو مازن بعد إعادة إصلاحها بالقدر الذي يسمح لها بالتمتع بمزيد من الشرعية أكثر مما هي عليه اليوم.
حسين الشيخ الذي تم تنصيبه من قبل أبو مازن في موقع انطلاق أو وصول أفضل من غيره لخلافته، لا يتمتع بتأييد أعضاء فتح، سواء بسبب كفاءته غير الواضحة مقارنة بمنافسيه أو بسبب صورة الفاسد التي ترافقه، ومن المشكوك فيه إن كان سيفوز في الانتخابات أو أن يُعترف به من قبل كل الفصائل باعتباره من سيقود القضية الفلسطينية.

لذلك يجب على “إسرائيل” أن تتحدث بشكل عاجل مع أبو مازن وحاشيته، وأن توضح مدى الخطورة عليها وعلى دول المنطقة من الواقع الذي ستصبح فيه حماس – التي لا تعترف بالاتفاقيات الموقعة بينها وبين السلطة الفلسطينية – في المقدمة وعلى رأس الهرم في الضفة الغربية. وعليها أن تحاول وتجند كافة الجهات ذات الصلة في الساحتين الإقليمية والدولية، من أجل إيجاد طريقة للحفاظ على الاستقرار في الساحة والحفاظ على مكانة التيار الوطني الفلسطيني، وكذلك ضمان انتقال قيادي سلس، مع القليل من الصدمات قدر الإمكان في اليوم التالي لأبي مازن.

أضف تعليقك

زر الذهاب إلى الأعلى