أخبارشؤون عسكريةشؤون فلسطينيةمقالات إستراتيجية

 عملية “بزوغ الفجر” إنجاز عسكري إلى جانب فجوة إستراتيجية خطيرة

ترجمة الهدهد

معهد السياسات والإستراتيجيات/ دكتور ميخائيل ميلشتاين

10 أغسطس 2022

المقال يعبر عن رأي كاتبه

كانت عملية “بزوغ الفجر” (5-7 أغسطس) أعنف مواجهة عسكرية في قطاع غزة منذ عملية “حارس الأسوار”، وأنهت العملية فترة هدوء استمرت نحو عام لم يُشهد مثلها في هذه المنطقة منذ نحو عقدين. لقد حصدت “إسرائيل” إنجازات باهرة في المعركة: حيث شنت هجوماً مباغتاً على حركة الجهاد الإسلامي التي كان نشطاؤها يخططون لشن هجوم مضاد للدروع “كورنيت” في المنطقة الحدودية مع قطاع غزة، مما ألحق أضراراً بالغة بالقيادة العليا للذراع العسكرية للتنظيم، (على وجه الخصوص، مقتل اثنين من قادة الألوية في قطاع غزة)؛ واعترضت “إسرائيل” من خلال نظام “القبة الحديدية” معظم الصواريخ التي أُطلقت، مما تسبب في أضرار محدودة للغاية دون وقوع إصابات وخسائر في الأرواح.

ومع ذلك، فإن العملية تمثل علامة على وجود فجوة إستراتيجية حادة تتعلق بالسياسة التي شجعتها “إسرائيل” ولا تزال تروج لها في قطاع غزة في العام الأخير، فمنذ عملية “حارس الأسوار” (أيار/ مايو 2021) تعمل “إسرائيل” على تحريك خطوات اقتصادية غير مسبوقة مع المنطقة على أساس ثلاثة افتراضات أساسية:

الأول: تحسين الوضع المدني مما سيقلل من احتمالية اندلاع تصعيد، وكذلك في ظل خلق أصول قيّمة تخشى حماس خسارتها، وبسبب الضغط الشعبي الذي سيتطور او سينشأ ضد أي جهة من شأنها تقويض الوضع الأمني.

الثاني: لأن حماس هي صاحبة السيادة الوحيدة في جميع المجالات في قطاع غزة.

الثالث: أن أي انحراف أو تصعيد أمني سيقابل برد عسكري قوي يكون موجهاً أولاً وقبل كل شيء ضد حماس.

عملياً، كان سلوك “إسرائيل” في العملية الأخيرة مخالفاً للإستراتيجية التي حددتها هي نفسها وأظهرت فجوات حادة فيها، “إسرائيل” أدارت هجوماً استهدف الجهاد الإسلامي بينما وقفت حماس في موقع “المراقب” ولم تقم بدورها كما هو في تفاهمات الترتيب بعد عملية “حارس الأسوار”: فهي لم تتحرك ضد الجهاد الإسلامي عشية العملية، وبالتالي سمحت في الواقع باندلاع المعركة ولم تمارس ضغوطاً كبيرة على الجهاد الإسلامي من أجل وقف القتال، ولم تكن سياسة حماس نتاج إكراه، بل نتيجة اختيار. يبدو أن السنوار كان مدفوعاً بالامتناع عن تشويه صورة حماس على أنها “أم المقاومة” في النظام الفلسطيني، فضلاً عن التقدير بأن “إسرائيل” لا ترغب في مهاجمة الحركة وأن القيود المدنية التي فرضتها على القطاع سيتم رفعها في وقت قصير (كما حدث بالفعل).

من جهتها، وصفت “إسرائيل” بقاء حماس خارج المواجهة على أنه أحد إنجازات العملية، بل وأشادت بالنهج الذي سلكته الحركة، وسارعت إلى إعادة السياسة المدنية إلى مسارها (خاصة خروج العمال إلى “إسرائيل”)، وفي الخطاب الإعلامي والسياسي في “إسرائيل” تم وصف “شراكة مصالح” بين “إسرائيل” وحماس، وطُرحت أفكار لتوسيع التحركات الاقتصادية تجاه قطاع غزة، يمكن أن يُنظر إلى مثل هذه السياسة في الجانب الفلسطيني على أنها دليل على “الخوف الإسرائيلي” من الوقوع في مواجهة مباشرة مع حماس، أو بعبارة أخرى أن “إسرائيل” مردوعة من الحركة.

وهكذا، بينما تتطور أفكار في “إسرائيل” حول الاستفادة من المعركة الأخيرة في ترتيب واسع في قطاع غزة على أساس التنمية الاقتصادية المتسارعة، وربما حتى انفراجة في موضوع الأسرى والمفقودين، لدى الجانب الفلسطيني تترسخ رواية “القصة المفتوحة”، أي المعركة التي لم تنتهِ وإلى جانبها ضرورة الانتقام من “إسرائيل” لما تسببت فيه من أضرار، وهو صوت ينقله بشكل أساسي الجهاد الإسلامي، علاوة على ذلك، تنتهي المعركة برسالة مقلقة من ناحية “إسرائيل” مفادها أن حماس لا تعتبر نفسها مسؤولة عن كل ما يحدث في قطاع غزة، أو كمن سيضطر إلى التحرك في المستقبل ضد جهات في المنطقة تسعى لمهاجمة “إسرائيل”، وتشعر هذه الجهات من ناحيتها بأن «الضوء الأحمر» الذي وضعته حماس أمامهم العام الماضي يتحول تدريجياً إلى «أصفر» أو «أخضر».

لذلك قد تجد “إسرائيل” نفسها في مواجهات أخرى في المدى القريب، وهذا يشبه نوعا من العودة إلى “حقبة الجولات” التي حدثت في قطاع غزة في العقد الماضي والتي تجسدت في مناوشات متكررة بين “إسرائيل” والفصائل الفلسطينية في المنطقة، وكذلك إلى الفترة التي كانت فيها المزاعم حول الفصائل الأخرى تشكل تفسيراً أو شرحاً في “الخطاب الإسرائيلي” والفلسطيني لوصف الانتهاكات على الصعيد الأمني، كل هذا كما ذكرنا دون أن تتضرر حماس بشكل كبير، خاصة فيما يتعلق بالترويج أو التقدم في التحركات أو الخطوات المدنية التي تساعدها على تعزيز مكانتها واستقرار حكمها.

يشير “الخطاب الإسرائيلي” بعد العملية إلى قدر محدود من التعلم من الأحداث الماضية، ففي مايو 2021 ولأول مرة في تاريخها بادرت حماس إلى معركة استباقية ضد “إسرائيل” “حارس الأسوار” في انتهاك من قِبَلها للتفاهمات التي كانت قائمة في قطاع غزة حتى ذلك الحين، والتي رافقها تحسن تدريجي في الواقع المدني في المنطقة، وبدون أن يسبق المعركة أي احتكاك أمني في قطاع غزة، لقد كان الدافع وراء تحرك حماس أيديولوجياً وإستراتيجياً وليس السعي لتحسين الواقع الاقتصادي.

وفي أعقاب هذه المواجهة أعلنت “إسرائيل” أن “ما كان لن يكون”، خاصة في كل ما يتعلق بربط التحركات الاقتصادية بإحراز تقدم في قضية الأسرى والمفقودين، لكنها عملياً عجلت من سياستها المدنية بافتراض أن هذا من شأنه أن يقلل من فرصة حدوث مزيد من التصعيد في المستقبل، أو بعبارة أخرى: لقد فعلت أكثر مما فعلت في الماضي، عملية “بزوغ الفجر” أوضحت مرة أخرى الفجوة العميقة المتجسدة في إستراتيجية “إسرائيل”، ومع ذلك يبدو مرة أخرى أن هذا لا يلقي بظلاله على نيتها في الاستمرار في ذلك.

كل هذا يتم مع الاستعداد لتجاهل انتهاكات حماس وانحرافاتها عن تفاهمات الترتيب: صحيح أن الحركة لا تدفع للاحتكاك العسكري المباشر مع “إسرائيل”، لكنها تواصل إثارة النضال والتحريض عليه في الضفة الغربية والقدس ولدى الفلسطينيين في الداخل، (كما تم التعبير عن ذلك بشكل حاد خلال شهر رمضان الماضي)؛ ولا تبدي مرونة في موضوع الأسرى والمفقودين وترفض فرض سيادتها على بقية القوى الأخرى في القطاع وتستمر في مراكمة قوتها استعداداً للمعركة القادمة، لذلك يجب على “إسرائيل” أن تعترف بأن الترتيبات الحالية في قطاع غزة محدودة من أساسها: فهي تدار مع قوات حماس في قطاع غزة فقط، ولا تشمل بقية اللاعبين الآخرين الذين يُتوقع أن يجروا “إسرائيل” إلى مزيد من المواجهات في المستقبل، وقد يخلق هذا أيضاً معضلة ل “إسرائيل” فيما يتعلق بالرد مستقبلاً على الحوادث الأمنية في غزة، حتى الآن كان الرد موجهاً ضد أهداف حماس، ولكن بعد عملية “بزوغ الفجر”، قد يكون هناك تردد وخلافات حول إذا ما كان يجب التصرف بهذه الطريقة أو الشكل.

في ظل العواصف السياسية المتكررة والحكومات قصيرة العمر، من الصعب على “إسرائيل” صياغة إستراتيجية منظمة تجاه قطاع غزة، يضاف إلى ذلك مشكلة الذاكرة الجماعية القصيرة في “إسرائيل”، كما تجسدت في العملية الأخيرة التي تم تعريفها على أنها مبادرة هجومية غير معتادة، ولكن قبل ثلاث سنوات تم إدارة عملية مماثلة “الحزام الأسود”، وكل عمليات العقد الأخير في غزة هي أيضاً كانت ب “مبادرة إسرائيلية”، كما أن نموذج المواجهة المركزة بين “إسرائيل” وأحد الفصائل  في غزة التي اتخذت حماس فيها موقفاً “محايداً” ليس بجديد، لقد حدثت ذلك عدة مرات خلال العقد الماضي، وكانت دائماً فاتحة أو بداية لمزيد من جولات العنف التي انجرت حماس إليها في نهاية المطاف، وبالتالي أدت إلى اندلاع معارك واسعة “عمود السحاب” في عام 2012 و”الجرف الصامد” في عام 2014 بدأت بنفس النموذج أو الطريقة.

نهاية المعركة تلزم “إسرائيل” بالتفكير النقدي في سياستها تجاه قطاع غزة، أولاً: يجب ألا يسود جو من الابتهاج في “إسرائيل”: فقد جرت العملية ضد فصيل محدود من ناحية قوته العسكرية، في حين أن المواجهة المستقبلية ضد حماس ناهيك عن حزب الله، ستكون مصحوبة بضرر أشد بكثير ل “إسرائيل” وستشكل تحديات لمجال عملها، علاوة على ذلك فهي معركة ليست في وضع أو مكانة “الحدث الذي له ما بعده” مثل المعارك السابقة، على سبيل المثال حرب لبنان الثانية أو عملية “الجرف الصامد”، والتي صاحبها تغيير عميق في الواقع والوعي لدى الخصم.

ثانياً: مطلوب تفكير متحرر من الجمود المتعلق بالسياسة المدنية، فهذه يتم الترويج لها من أجل الحفاظ على الهدوء وقد ثبت أن هناك فيها ثغرات كبيرة جوهرية، على “إسرائيل” أن تدرس إمكانية تعليق تلك السياسة واشتراط تجديدها على أن تثبت حماس فرض سيادتها على الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة. قد يؤدي ذلك إلى توترات أمنية، لكن هذا – كما ثبت في المعركة الأخيرة – يتطور عندما تقدم “إسرائيل” تسهيلات وامتيازات مدنية بيد سخية، يتوجب على “إسرائيل” أن تعمل كواضع لقواعد اللعبة في قطاع غزة، وأن يكون من أهم هذه القواعد مطالب لا لبس فيها من حماس بأداء دورها كعنوان للسيادة على قطاع غزة بأكمله.

أضف تعليقك

زر الذهاب إلى الأعلى