أخبارأخبار رئيسيةمقالات إستراتيجية

اختبار الردع الإستراتيجي

ترجمة الهدهد

كتبه معهد السياسات والإستراتيجيات (IPS)

بقيادة اللواء (احتياط) عاموس جلعاد

المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه

تُقدم عملية “بزوغ الفجر” سلسلة طويلة من الإنجازات العملية، وعلى رأسها اغتيال سلسلة القيادة في تنظيم الجهاد الإسلامي الفلسطيني، وإثبات التفوق العسكري “الإسرائيلي”. ويُترجم التفوق العسكري إلى تأسيس ردع إستراتيجي يتجاوز المعادلة التكتيكية ضد تنظيم الجهاد الإسلامي الفلسطيني، لكنه لا يغير بالضرورة الصورة الإستراتيجية الشاملة للشرق الأوسط.

وفي هذا السياق فإن إظهار التفوق العسكري “الإسرائيلي” يعزز الردع “الإسرائيلي” الشامل ضد حماس وحزب الله وإيران على المستوى الإستراتيجي. وعلى الرغم من أن حركة الجهاد الإسلامي لديها قدرات محدودة مقارنة بحماس وحزب الله فإن الطريقة التي استخدمت بها “إسرائيل” القوة الدقيقة والقاتلة لاغتيال قيادة التنظيم، مع تأسيس دفاع فعال على الجبهة الداخلية المدنية وإلى جانب إظهار التماسك الاجتماعي القومي وطول النفس، ينقل رسالة واضحة للمنظمات الإرهابية الإقليمية فيما يتعلق بالأثمان التي يمكن أن تدفعها ضمن معركة واسعة، ويوضح كذلك فرق القوة بين الأطراف.

ومع ذلك، فإن الإستراتيجية “الإسرائيلية” تهدف إلى جعل المعركة محدودة بين “إسرائيل” والجهاد الإسلامي مع الحفاظ على حماس خارج العملية العسكرية. ولكن هذه الإستراتيجية قد تعمل على تصدع تفاهمات الترتيب من عملية “حارس الأسوار”، والتي يفترض بموجبها أن تؤسس وترسخ حماس مسؤوليتها على كل قطاع غزة وأن تحافظ على الهدوء مقابل عمليات إعادة الإعمار والمساعدات الاقتصادية والمدنية. قد يخلق هذا الوضع مرونة بالنسبة لحماس التي ستحاول الإمساك بالعصا من كلا الجانبين: وهو أن تقود إعادة الإعمار المدني وتتلقي المساعدات الاقتصادية من جهة ومن جهة أخرى السماح للمنظمات الأخرى بالعمل ضد الجيش “الإسرائيلي” من قطاع غزة وعدم دفع ثمن مقابل ذلك . كما يمكن لحماس في نفس الوقت أن تواصل عملية بناء القوة للمعركة القادمة ضد “إسرائيل”، مع استخلاص الدروس العملياتية من الجولة الحالية ضد الجهاد الإسلامي.

بالإضافة إلى ذلك، تُعبر العملية عن عنصر من عناصر الصراع الإستراتيجي الشامل بين إيران و”إسرائيل”.
قبل يومين من بدء عملية “بزوغ الفجر” التي أسفرت عن اغتيال معظم القيادة العسكرية لحركة الجهاد الإسلامي في قطاع غزة، وصل زعيم التنظيم زياد النخالة إلى إيران (3 آب) واجتمع مع القيادة الإيرانية العليا (الرئيس، ووزير الخارجية، ورئيس مجلس النواب، وقائد الحرس الثوري)، وسلط الاجتماع الذي يبرز التعاون الإستراتيجي والعملي بين إيران والتنظيم الفلسطيني الضوء على إستراتيجية إيران الشاملة في المنطقة.

تدعم إيران بشكل فعال تسليح وتدريب “المليشيات” و”المنظمات الإرهابية” والمنظمات شبه الجيوش من أجل تكثيف الضغط الشامل على “إسرائيل” من خلال نقل قدرات النيران المتقدمة ونشر القوات العسكرية التي تشكل تهديدًا ملموسًا في الدائرتين الأولى والثانية. هدف إيران هو إشغال “إسرائيل” وإضعاف قوتها من خلال منظومات ردع في الدائرة الأولى، وفي الوقت نفسه إنشاء قدرات عسكرية متقدمة على طول حدودها، وتشكيل معادلات ردع من شأنها إضعاف قدرة “إسرائيل” بمرور الوقت على العمل في المنطقة. إلى جانب ذلك تسعى إيران إلى تحقيق قدرات نووية متطورة من أجل تأسيس معادلة ردع إقليمية، مع الحفاظ على إطار المفاوضات مع القوى حول تجديد الاتفاق النووي.

إن استئناف المفاوضات في فيينا (بعد 16 شهرًا من بدئها) هو تعبير عن الإستراتيجية الإيرانية التي تسعى من جهة الحفاظ على العلاقات مع الساحة الدولية، ومن جهة أخرى تعزيز المشروع النووي دون قيود. هل ستؤدي المفاوضات إلى تجديد الاتفاقية؟ الكرة في يد إيران، وحتى الآن لم يتم ممارسة أي ضغط دولي أو تهديد عسكري حقيقي لجعل إيران تغير من تكتيكاتها التفاوضية أو إستراتيجيتها الشاملة.

فيما يتعلق بعملية “بزوغ الفجر” – فإن الفشل العملياتي لمنظمة الجهاد الإسلامي والذي يوضح التفوق العسكري “الإسرائيلي” والفجوة في ميزان القوات لا يغير من الدافع الإستراتيجي للتقدم الإيراني في المنطقة وفي النووي، ولا يقلص من التهديد المتزايد والحاجة للتعامل معه أو مواجهته.

على المستويين الإقليمي والدولي، باستثناء الإدانات العامة والتأكيد على ضرورة تجنب تعريض المدنيين للأذى، لم توجه أي رسائل قوية أو تهديدية تجاه “إسرائيل”. علاوة على ذلك، أكدت مصر التي تقود جهود الوساطة بين الطرفين، قدرتها “الإيجابية” على إجراء حوار مع الجانبين من أجل إعادة الاستقرار إلى قطاع غزة، وفي هذا السياق ترسخ مصر من دورها (على غرار عملية “حارس الأسوار”) كوسيط رئيسي يمكن أن يدفع بالطرفين إلى وقف إطلاق النار، وبشكل يؤكد أهميتها في الساحة الإقليمية والدولية (خاصة في واشنطن).
كما تم الدفع بالمعركة في غزة إلى هامش الأجندة العالمية في ظل التوترات المتزايدة في العلاقات الأمريكية الصينية والمناورات العسكرية الصينية الضخمة حول تايوان عقب زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي إلى البلاد وتطورات المعركة في أوكرانيا والآثار العالمية المتفاقمة في السياق الاقتصادي والغذائي. بالإضافة إلى ذلك لم تنعكس الحساسية الدولية حيال فقدان المدنيين حياتهم خاصة في ظل المشاهد القاسية من أوكرانيا في وسائل الإعلام العالمية على هذه العملية، وذلك على ضوء الهجمات الدقيقة (الأضرار الجانبية المنخفضة)، وفعالية وجدوى الإعلام والدعاية “الإسرائيلية”.

ومع ذلك، يمكن أن تكون العملية في غزة مقدمة لتصعيد أوسع له عواقب وخيمة على الأمن الإقليمي و”إسرائيل”. في هذا الإطار، هناك ساحة مركزية قد تشتعل خلال أيلول (سبتمبر) المقبل تتعلق بالمفاوضات على ترسيم الحدود البحرية بين “إسرائيل” ولبنان، حيث اختتم الوسيط الأمريكي عاموس هوشستين الجولة الأخيرة من المحادثات في لبنان التي قدم فيها مخطط الحل الوسط “الإسرائيلي” الذي يقترح توزيع الأرباح المحتملة من احتياطيات الغاز الطبيعي التي سيتم اكتشافها في منطقة الخلاف بين “إسرائيل” ولبنان.

تسعى “إسرائيل” والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى صياغة اتفاق بأسرع ما يمكن لمنع التدهور العسكري الشامل. ويبدو أن المصلحة اللبنانية هي التوصل إلى اتفاق سريع في ظل الأزمة الاقتصادية الحادة في البلاد وإمكانات الطاقة – الاقتصادية الكبيرة الموجودة في المياه الاقتصادية اللبنانية. حتى أن وزير الخارجية اللبناني عبر عن تفاؤله بإمكانية التوصل إلى اتفاق مع “إسرائيل” بوساطة أمريكية بعد انتهاء زيارة هوشستين، ويبدو أن مصالح جميع الأطراف تقود بالفعل إلى حل وسط.

ومع ذلك فإن الكرة الآن إلى حد كبير توجد في أيدي حزب الله الذي يستغل المفاوضات ليرسخ من مكانته “كمدافع عن لبنان”، ويسعى في أي سيناريو إلى ترسيخ صورته في الساحة اللبنانية كمنظمة تحمي حقوق الدولة في مواجهة العدوان “الإسرائيلي”، وإذا تم التوصل إلى اتفاق فسيكون نصرالله قادراً على الادعاء بأن قوة ردع المنظمة وموقفها الحازم ضد “إسرائيل” هو ما صان حق الدولة في مواردها الطبيعية.

إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق؛ فإن حزب الله يمتلك أدوات عسكرية من وجهة نظره يمكن أن تردع “إسرائيل” عن البدء في إنتاج الغاز من منصة الغاز كاريش. إضافة إلى ذلك، أكد نصر الله مرارًا في خطاباته الشهر الماضي أنه إذا أنتجت “إسرائيل” الغاز دون اتفاق؛ فهذا سيكون سبباً للحرب، ولن تتردد المنظمة في العمل والدفاع عن حقوق الدولة. في هذه المرحلة، يبدو أن مصالح الدولة والتدخل الأمريكي والأوروبي والاستعداد “الإسرائيلي” للحل الوسط سيؤدي إلى اتفاق على ترسيم الحدود البحرية وتوزيع أرباح الغاز، ولكن لأول مرة منذ عام 2006. لا تستطيع “إسرائيل” القضاء على الخطر الذي تزداد احتمالية أن يتدهور إلى تصعيد عسكري شامل مع حزب الله.

ملخص ومعانٍ

لقد أسست عملية “بزوغ الفجر” قوة الردع “الإسرائيلية” بطريقة تؤثر أيضًا على الساحات الأخرى، ولكنها لا تغير الإطار الإستراتيجي العام، أو سلوك اللاعبين على المدى المتوسط الطويل في قطاع غزة (حماس) أو في المنطقة (حزب الله وإيران)، لكن العملية تعزز مكانة :إسرائيل” وأهميتها للمصالح الأمنية والعسكرية لشركائها في المنطقة في ظل تصاعد التهديد الإيراني.

قبل الأعياد القادمة وخطر اندلاع تصعيد عنيف آخر، يجب على الحكومة والمنظومة الأمنية العمل على الحفاظ على الوضع الراهن في المسجد القدسي ووقف الاستفزازات التي من شأنها أن تسمح لحماس بتحشيد الساحة الفلسطينية وجمعها تحت الراية الدينية. بالإضافة إلى ذلك، يجب على “إسرائيل” أن تستهدف البنية التحتية لحماس في الضفة الغربية، وفي نفس الوقت تستمر في تحفيز تدفق المساعدات الاقتصادية لترسيخ الاستقرار في النظام الداخلي هناك .

سلطت مصر الضوء على مركزيتها في الوساطة لوقف إطلاق النار وأهميتها للنظامين الإقليمي والدولي . مصر “استحوذت” على موقف الوساطة، وتمكنت من إجراء حوار فعال مع الجانبين. والموقف المصري مهم بشكل أساسي في ضوء رغبة مصر في ترسيخ وتعزيز مكانتها لدى واشنطن ، وخاصة في ظل الانتقاد المتزايد في الغرب لسياستها في مجال حقوق الإنسان، وعلاقاتها الاستراتيجية الوثيقة مع روسيا. على إسرائيل أن تعرب عن دعمها والعمل على تعزيز مكانة مصر في واشنطن وأوروبا في ضوء أهميتها المتزايدة لمصالح “إسرائيل” السياسية والأمنية.

لم تتغير أو تتأثر الإستراتيجية الإيرانية الشاملة في المنطقة ولا النووية بشكل كبير بنتائج العملية. وتنجح إيران في التفريق بين تحركاتها في المنطقة وبين تحركاتها النووية، ولم تشعر بتهديد يفرض عليها إعادة النظر في إستراتيجيتها الشاملة. في هذا السياق، يجب على “إسرائيل” الاستمرار في الحفاظ على التنسيق الإستراتيجي الوثيق مع الولايات المتحدة على المستوى السياسي والأمني – العسكري. في أي سيناريو (توقيع اتفاقية نووية جديدة / فشل المفاوضات والتقدم الإيراني في المشروع النووي) تحتاج :إسرائيل” إلى تنسيق تحركاتها السياسية أو العملياتية مع واشنطن وتعزيز عمليات بناء القوة بسرعة لإنشاء قدرات عسكرية للتعامل مع التهديد النووي.

على “إسرائيل” أن تسعى جاهدة للتوصل إلى اتفاق بوساطة أمريكية لترسيم الحدود البحرية مع لبنان وتوزيع أرباح الغاز بما يتوافق مع مصالح الجانبين. لا مصلحة “لإسرائيل” في شن معركة عسكرية ضد حزب الله تكلفتها باهظة (خاصة بالنسبة للبنان). ومع ذلك، لا يمكن لـ”إسرائيل” أن تخضع لإملاءات حزب الله التي تتجاوز سياق الاتفاقية المذكورة، وهو ما سيتم تفسيره وتقديمه على أنه استسلام، وسيؤدي إلى الإضرار بالردع “الإسرائيلي” ومصالح “إسرائيل” الأمنية والاقتصادية.

أضف تعليقك

زر الذهاب إلى الأعلى