أخبار رئيسيةمقالات إستراتيجية

الشرعية… قراءة في المفهوم والدلالات

شبكة الهدهد
✍️⁩ عبد الله أمين .. الخبير الأمني والاستراتيجي

تمر الدول والأحزاب والحركات السياسية على مدى أعمارها بأزمات وعقبات كثيرة؛ منها ما هو داخلي كالمظاهرات المطلبية أو الإضرابات النقابية أو الوقفات الاحتجاجية، ومنها ما هو من فعل الطبيعة؛ كالسيول والزلازل والحرائق الموسمية التي تلتهم الغابات والمساحات الحرجية، ومنها ما هو خارجي كنزاع حدودي مع جارة من جاراتها، أو خلاف على تقاسم موارد مائية أو رعوية أو ثروة سمكية مع دول تتشارك معها مياهها البحرية، أو تشاركها مسير نهر أو شاطئ بحر.

وكل هذه الأزمات تشكل لها الدول أطر عمل وهياكل متابعة للتعامل معها وفق ما تقتضيه الحاجة، فتتعدد لجان إدارة الأزمات وتختلف مكوناتها بناء على نوع وجدية وخطورة وعمق الأزمة، وفي هذا – إدارة الأزمات – تفصيل لا يتسع المكان للحديث حوله، وقد نفرد له حديثاً مفصلا في وقت لاحق.

إلا أن أخطر ما يواجه الدول والكيانات والأحزاب والحركات السياسية – الثورية منها وغير الثورية – ما يعرف بأزمة الشرعية، والتي – الشرعية – تستمد منها هذه الكيانات وتلك الدول مبرر وجودها الأصلي، حيث أنها إن فقدت أو طُعن فيها أو تم التشكيك في أصلها ووجودها؛ غدت الدولة الممثلة بالمجموعة الحاكمة، أو الحركة أو الحزب السياسي الممثلين بأطرها القيادة؛ غدت هذه الكيانات في مهب ريح عاصفة، وموجة جارفة، قد تقتلعها من جذورها، و(تنعفها) نعف العهن المنفوش.

فما هي الشرعية؟ ومن أين تُستمد؟
وكيف يحافظ عليها؟ وهل هناك فرق بين شرعية الدولة وشرعية الثورة؟

لا شك أن هذا موضوع شائك ويطول الحديث فيه، وهو من مواضيع العلوم الإنسانية التي تختلف فيها الآراء وتعدد فيها المذاهب، اعتماداً على زاوية النظر ومكان المشاهدة التي تُبحث من خلالها مثل هذه المباحث والمواضيع، وكون هذا الأمر بهذا التعقيد؛ فلن نخوض في كامل تفاصيله وكل أبعاده، وسنقصر الحديث في هذا المقال عن الشرعية بشكل عام، مركزين البحث وبشكل مختصر على شرعية الدول وشرعية الثورات؛ ومن أين تُستمد وكيف تتم المحافظة عليها.

وحتى ننطلق من نقطة مبدأ واضحة؛ سنعرف مفهوم “الشرعية”، ليكون هذا التعريف هو نقطة المثابة التي نثوب لها إن اختلفنا في التوجهات وتعددت بنا الرؤى والتحليلات، كما أننا سنتطرق إلى مصادر “الشرعية” التي منها تنبثق وعليها تبنى، ثم نختم بالحديث عن الشرعية الثورية وأهم مصادرها وكيف يمكن المحافظة عليها، وبذلك نكون قد طرحنا عنواناً قابلاً للنقاش، ليُزاد عليه أو يُنقص منه، ليُثرى الموضوع ويزداد صلابة، إسهاماً منا في زيادة الفهم وأصالة المعرفة ورسوخ التجربة.

تعرف المصطلح

تُعرّف الشرعية في أبسط تعاريفها على أنها القبول الطوعي لما تضعه الدولة أو المجموعة الحاكمة أو السلطة صاحبة القرار في الإطار السياسي أو الحزبي، ما تضعه من قوانين وسياسات وضوابط وإجراءات، أو ما تتخذه من توجهات وقرارات. وبذلك يخرج من هذا التعريف؛ القبول القصري أو الجبري لما يصدر عن تلك الأطر والهيكليات من تكاليف ومهامات.

وعليه يمكن الخلوص إلى النتيجة الآتية وهي: أن الحكومة في الدولة، أو القيادة في التنظيم أو الحركة؛ تعد شرعية ما تم قبولها وقبول ما يصدر عنها بشكل طوعي اختياري وليس بشكل قصري جبري.

وهنا لا بد من التنبيه إلى أن قبول كامل (إجماع) أبناء الدولة أو منتسبي الحركة أو الحزب للقيادة وقراراتها أمر متعذر ولا يمكن تحصيله حتى في أرقى المجتمعات البشرية أو الحركات السياسية، لذلك يكفي أن يقبل أغلب أبناء الدولة أو منتسبي الحركة أو التنظيم السياسي، يكفي قبولهم للإطار المسؤول وقراراته، ليطلق على المجموعة الحاكمة أو صاحبة القرار أنها تتمتع ب-ـ “شرعية” تخولها القيادة واتخاذ القرار؛ ما بقيت وفية للأصول والمبادئ والقيم والمعايير التي حازت على أساسها تلك الشرعية.

مصادر الشرعية

تحت هذا العنوان سنتحدث عن أهم مصادر الشرعية، والتي لا يكاد يختلف عليها اثنان ولا ينتطح فيها عنزان، وهذه المصادر أيضاً تشكل في مجملها مصدراً للشرعية الثورية التي سنفرد لها عنوان خاصاً في نهاية المقال، نتبعه بأهم سبل المحافظة على هذه الشرعية واستدامتها، ومن هنا نقول إن أهم مصادر “الشرعية” ما يأتي:

  1. المصدر الديني:
    يعد المصدر الديني من أهم وأكثر مصادر الشرعية ثبوتاً وقبولاً لدى معتقدي هذا الأمر، فأنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، إنما استمدوا شرعية حكمهم وسيطرتهم على أقوامهم، ومجريات الحياة اليومية لمجتمعاتهم من خلال السلطة الدينية التي منحتها لهم الرسالة السماوية، وهنا يحضرنا أيضاً قياس ـ مع الفارق ـ في أن بعض أنظمة الحكم الحالية في بعض الدولة والتجمعات؛ إنما تستمد أنظمتها الحاكمة شرعيتها من شرعية دينية فوضتهم الحكم والإدارة، فملكة بريطانيا – مثلاً – تستمد شرعيتها من بعد ديني، فوضته للإدارة أو المجموعة الحاكمة التي تحكم باسمها وتستمد شرعيتها منه، واليابان يعتقد أهلها أن إمبراطورهم من سلالة الآلهة؛ وعليه فإن حكومتهم تستمد شرعيتها من شرعية إمبراطورهم ومن مصادقته وتأييده ما تقوم به حكومته من إجراءات وما تتخذه من قرارات.
  2. المصدر النَسبي العائلي:
    فأغلب الممالك والملوك، والإمارات والأمراء، إنما يستمدون شرعيتهم من انتسابهم إلى أسرة حاكمة؛ حكمت وما زالت تحكم، فكونت ممالك وإمارات، وشكلت دولا وحكومات، فآل سعود في الجزيرة العربية، وأبناء زايد في الإمارات المتحدة، وعبد الله الثاني في الأردن الهاشمية؛ كلهم إنما يستمدون شرعية حكمهم من انتسابهم إلى عائلة أو سلالة هم من نسلها، بل إن الحكم القبلي والعشائري في بلادنا العربية إنما يستمد شيخ العشيرة أو زعيم القبيلة فيه شرعيته من نسبه الذي يتصل بمن أسس، أو حارب ليؤسس تلك القبلية أو العشيرة، وكبير العائلة ومختارها في كثير من قرانا إنما يستمد شرعيته وسلطته كونه من هذه العائلة أو من تلك السلالة.

  1. الكاريزما الشخصية:
    والحضور الطاغي الذي يتمتع به البعض قد يكون هو مصدر شرعيته، فهذا المهاتما غاندي، لم يكن يملك إلا نولاً للنسيج، وسروالاً (وزرة) وشاة، وقاد الهند في أحلك ظروفها، ومحمد على جناح في الباكستان من هذا النوع من القيادات التي فرضت نفسها بما تملكه من صفات وسجايا قاد من خلالها الباكستان إلى الاستقلال، ونيلسون مانديلا في جنوب إفريقيا، وعبد الناصر في مصر، وكثير من قادة المقاومة الفلسطينية الذين ختم الله لهم بالشهادة؛ إنما حازوا شرعيتهم مما حباهم الله من كاريزما وقبول وحضور شعبي، فالشهيد الشيخ أحمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي والقائد صلاح شحادة والجمالين في الضفة الغربية – جمال منصور وجمال سليم – هم من هذا النوع من القيادات التي (فرضت) وجودها على الساحة بما لديها من حضور وقبول شعبي بين أبناء شعبهم ومواطني بلدهم.
  2. الانتخابات:
    وهذه أيضاً وسيلة من وسائل نيل الشرعية والتمتع بها، فقيام أغلب أبناء الشعب أو النظام السياسي عبر جولات انتخابية باختبار من يقود مسيرتهم، أو اختيار من ينتخبون من بينهم – مجالس الشورى والمجالس النيابية – من يقود هذه الوحدة السياسية أو هذا التنظيم الحركي أو السياسي، عبر مجموعة من الجولات التصويتية يتم من خلالها فرز وتقديم من يقود، ووفقاً لقانون انتخابي يتفق ممثلو الشعب أو الحزب على أنه المناسب والأصلح لنظم هذه العملية الانتخابية، ومن تفرزه هذه الانتخابات وهذه العملية السياسية من فائزين ومنتخبين، يحوز “شرعية” الحكم والإدارة، وفق ما يفوضه له النظام الأساسي أو الدستور من سلطات وصلاحيات.
  3. النظام الأساسي والعقد الاجتماعي المتفق عليه:
    فالنظام الأساسي والعقد الاجتماعي المتفق عليه في الدول والمجتمعات؛ هو الآخر من مصادر الشرعية التي تحوزها أي مجموعة قيادية في أي وحدة أو نظام سياسي أو تنظيم حركي أو حزبي، فإذا وافق شخص أو جهة للمعايير التي أقرها النظام الأساسي أو العقد الاجتماعي لمن يحكم ويدير؛ فإنه يحوز شرعية الحكم والإدارة، وإن خالف تلك المعايير شخص أو جهة؛ سقطت عنه صفة “الشرعية” وانتفت عنه صلاحيات المسؤولية.

مصادر الشرعية الثورية

كان ما سبق يعني الدول والوحدات السياسية المستقلة المستقرة، أما فيما يخص الحركات الثورية التي تقارع محتلاً وتنشد تحريراً، فإن مصادر الشرعية التي تستمد منها المجموعة القيادية شرعيتها بالإضافة إلى المصادر الثالث والرابع والخامس؛ ما يلي من مصادر الشرعية:

  1. التضحيات والإنجازات:
    إن من أهم مصادر الشرعية التي يستمد منها الإطار القيادي في أي حركة ثورية أو تنظيم مقاوم شرعية وجوده؛ هو ما قدمه ويقدمه هذا الإطار القيادي ممثلاً بشخوصه ومنتسبيه من تضحيات، وما حققوه من إنجازات لحاضنتهم الشعبية التي فوضتهم العمل باسمها وتمثيلها في مختلف المحافل والتجمعات.
  2. التمسك بالأهداف والغايات:
    كما أن التمسك بالأهداف والغايات التي تَوافق عليها مجموع العاملين في الحركة الثورية أو التنظيم السياسي، والتي ـ الأهداف ـ تمثل في ذاتها أهدافاً لشعبهم وأبناء جلدتهم، إن التمسك بهذه الأهداف وتلك الغايات يعتبر من أهم مصادر الشرعية التي تمكن قيادة حركة مقاومة أو الثورة من ممارسة صلاحيتها وسلطتها في رسم التوجهات وأخذ القرارات.
  3. التمسك باللوائح الداخلية والمقررات:
    فالإطار السياسي أو الحركي إنما يتصرف ويتحرك بناء على مجموعة من اللوائح والمقررات الناظمة لعمله والمتفق عليها بين مجموع المنتسبين والعاملين في هذا الإطار الحركي، والتي تنظم فعله وتضبط نشاطه، وهي مقررات توضع تسهيلاً لإنجاز الأعمال وتحقيقاً للأهداف والغايات، والمجموعة القيادة إنما تبقى متظللة بظل الشرعية التي مُنحت لها ما بقيت عاملة بهذه اللوائح وتلك المقررات، فإن خالفتها؛ فقدت الشرعية ومن ثم أدوات السلطة القيادية.
  4. التماهي مع الحاضنة الشعبية والقرب من:
    فالمسؤول في الدولة، أو القائد في حركة المقاومة أو الثورة شعبية، إنما هو وكيل يعمل عند أصيل (الشعب)، فقد فُوض من قبل أبناء شعبه صلاحية العمل من أجل تأمين مصالحهم والدفاع عنهم والوصول بهم إلى غاياتهم، والعبور بهم إلى بر السلامة والأمان، بأقل الخسائر وبأسرع الأوقات، وعليه فإن هذه المجموعة القيادية تبقى متمتعة بالشرعية القيادية ما بقيت قريبة من شعبها ومن أبناء جلدتها، وما رآهم أهلهم وناسهم معهم وبينهم، وستبدأ شرعية هذه القيادة بالتحلل والاضمحلال في الوقت التي تبدأ المسافة تزداد بين هذه القيادة (اقرأ الوكيل) وبين من يمثلون (اقرأ الشعب الأصيل).
  5. صلابة المواقف والقدرة على تحمل الضغوط والمخاطر:
    كما أن القائد أو القيادة إنما يستمدون شرعيتهم من صلابة مواقفهم وقدرتهم على تحمل الضغوط، فالعمل القيادي مظنة الضغوط السياسية والنفسية، فما بقي القائد صلباً في مواقفه قادر على تحمل ضغط المكان والموقع، فإنه يبقى (شرعي) الوجود مقبول الحضور، فإن هو خارت عزائمه وضعفت نفسه ولم يعد قادراً على تحمل أعباء المكان؛ زالت عنه شرعية التمثيل، ولا يصلح له إلى الاعتزال والمقيل.

كيفية المحافظة على الشرعية ـ الثورية وغير الثورية –

لن نخوض في تفصيل سبل وآليات وطرق المحافظة على شرعية القائد أو المجموعة القيادية؛ في الدولة أو الحركة الثورية، وسنكتفي بذكر بعض الإجراءات الرئيسية التي تساعد على اكتساب الشرعية والمحافظة عليها، والتي منها وعلى رأسها الآتي من الإجراءات والملاحظات:

  1. العمل بمقتضى السياسات والمقررات أو العقد الاجتماعي المتفق عليه.
  2. تشابه الشخصية الحقيقية مع الشخصية الحقوقية للشخص أو الإطار القيادي.
  3. الدفاع عن مصالح المجموع والسهر على تأمين رفاهه وأمنه وأهدافه.
  4. المشاركة الشعبية أو الحزبية في القرار، بناء على آليات عمل يتفق عليها.
  5. تقديم ما هو شأن وهدف عام، على ما هو رغبة شخصية ومصلحة فردية.
  6. الحضور الدائم بين أبناء الشعب ومنتسبي التنظيم وحركة والقرب منهم.

نختم بالقول إن “الشرعية” ليست زواجاً كاثوليكيًا لا طلاق فيه ولا انفكاك عنه، وإنما هي صفة تلازم من عمل بمقتضى سبب وجودها، وتزول بتنكب الشخص أو الإطار القيادي أسباب حيازتها، فالله لم يطلع إلّا على أهل بدر ولهم فقط قال: “اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم”، ولغيرهم يُقال: “من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه “.

“والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون”

أضف تعليقك

زر الذهاب إلى الأعلى