أخبارالملف الإيرانيشؤون دولية

التقارب بين روسيا وإيران – هل هو تحالف إستراتيجي جديد؟

ترجمة الهدهد

معهد هرتسيليا للأبحاث متعدد التخصصات/ د. شاي هار تسفي

كانت زيارة الرئيس بوتين لإيران (أول زيارة له خارج حدود دول الاتحاد السوفيتي السابق منذ غزو أوكرانيا) والقمة الثلاثية (19 يوليو) مع القيادة الإيرانية والرئيس أردوغان تعبيراً ملموساً عن الجهود الروسية في الأشهر الأخيرة لتعميق العلاقات مع إيران، ومع ذلك نظراً لحقيقة أن العلاقات بين الدول قد شهدت مداً وجزراً في السنوات الأخيرة فهناك علامات استفهام حول ما إذا كان هذا لقاء مصالح محدداً ومؤقتاً أم أنه تشكيل تحالف إستراتيجي جديد سيشكل ثقلاً موازناً للجهود الأمريكية لإقامة تحالف إقليمي مع دول الخليج و”إسرائيل”؟

خطوات للتقارب

تتجلى جهود التقارب بين روسيا وإيران على عدة مستويات في آن واحد:

في المجال الإستراتيجي كان عقد القمة في طهران – بعد أيام قليلة فقط من زيارة الرئيس بايدن إلى الشرق الأوسط والقمة في المملكة العربية السعودية – فرصة للرئيس بوتين لإظهار أنه على الرغم من جهود الغرب في جعل روسيا وجعله على المستوى الشخصي من المنبوذين، ها هو ينجح في تعزيز التعاون مع دول رئيسية بما في ذلك مع تركيا، وهي عضو في “الناتو”.

كانت القمة أيضاً جانباً آخر في الصراع بين القوى حول تشكيل نظام عالمي جديد من التحالفات مع إظهار جبهة موحدة مع إيران ضد الغرب، وينعكس ذلك في كلام المرشد خامنئي أن روسيا لم يكن أمامها خيار عند غزو أوكرانيا وإلا لكانت قد تعرضت لهجوم من “حلف شمال الأطلسي”، وتأتي هذه الأمور مع الدعم الذي قدمه النظام الإيراني لروسيا منذ اندلاع الحرب وتحميلها الغرب المسؤولية عن الأوضاع، ومن المحتمل أيضاً أن يكون بوتين والرئيس الإيراني قد عملا معاً لإقناع الرئيس أردوغان بتجنب عملية عسكرية جديدة في شمال سوريا ضد الأكراد ومن المحتمل أن تكون صفقة القمح الموقعة في تركيا (22 تموز) استمراراً مباشراً للتفاهمات التي تم الاتفاق عليها في طهران.

على المستوى العسكري – حتى قبل القمة – ادعى مسؤولون بالحكومة الأمريكية بقيادة مستشار الأمن القومي الأمريكي “سوليفان” أن إيران تعتزم تزويد روسيا بعدة مئات من الطائرات بدون طيار بما في ذلك تلك ذات القدرة الهجومية، وأن وفوداً روسية زارت إيران خلال شهر يونيو ويوليو لفحص الطائرات بدون طيار، وذكر “سوليفان” أن إيران تعتزم بدء تدريب الفرق الروسية على تشغيل الطائرات المسيرة خلال شهر تموز / يوليو.

ورغم أن المرشد الأعلى الإيراني نفى هذه التقارير إلا أن قائد القوات البرية للجيش الإيراني صرح بأن الجيش الإيراني أنتج طائرات بدون طيار متطورة، وأن إيران مستعدة لتصدير معدات عسكرية إلى “دول صديقة”، ومع ذلك لا يوجد دليل حتى الآن على أن مثل هذه الصفقة قد تم توقيعها بالفعل و / أو بدأ تنفيذها.

في المجال الاقتصادي – تجري روسيا وإيران والهند محادثات متقدمة لتفعيل مشروع النقل البحري والبري (INTC – ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب)، والذي تم تصميمه لتقصير مسار نقل البضائع من روسيا إلى الهند عبر إيران بشكل كبير، (وفقاً للتقديرات، يعد هذا تقصيراً بنسبة 40 بالمائة تقريباً من الطريق وحوالي 30 بالمائة من تكاليف النقل).

في هذا الإطار، خلال شهر يونيو، تم بالفعل تنفيذ أول تجربة لنقل البضائع من “سانت بطرسبرغ” إلى الهند عبر الموانئ والطرق الإيرانية، وبحسب الخطط يجب أن يكون الطريق التجاري جاهزاً للعمل بكامل طاقته في بداية عام 2023، هذا بالإضافة إلى توقيع شركة الطاقة الروسية “غاز بروم” وشركة النفط الوطنية الإيرانية مذكرة تفاهم في مجال الطاقة بمبلغ 40 مليار دولار لتطوير حقول النفط والغاز، وإنشاء خطوط أنابيب لتصدير الغاز، على الرغم من أن هذه ليست سوى مذكرة تفاهم، إلا أنها تتناسب مع الاتجاه العام للجهود المبذولة لتوسيع التعاون بين الدولتين.

بل إن البلدين قررا التحول إلى استخدام الروبل والريال في المعاملات بينهما والتخلي عن استخدام الدولار كوسيلة أخرى لتقويض تأثير العقوبات الغربية، من الناحية العملية زاد حجم التجارة بين البلدين بنسبة 10 في المائة خلال الربع الأول من عام 2022 (على الرغم من أن حجم التعاون لا يزال منخفضاً – 4 مليارات دولار في عام 2021).

الفجوات والمنافسة

أمام تحركات تعميق التعاون كما ذكرنا، يقف العداء التاريخي وانعدام الثقة المتبادل الذي ساد بين موسكو وطهران منذ عقود، مما يفسد إمكانية إقامة تحالف إستراتيجي طويل الأمد بينهما، ويضاف إلى ذلك التنافس على مراكز النفوذ في آسيا الوسطى والشرق الأوسط والمنافسة على الأسواق في سوق الطاقة العالمية والتي اشتدت في الأشهر الأخيرة في ضوء الزيادة الكبيرة في صادرات النفط الروسي إلى الصين والهند بأسعار أقل بكثير من أسعار السوق، من ناحية أخرى تخشى روسيا من احتمال أن يؤدي الاتفاق النووي الجديد إلى زيادة كبيرة في صادرات النفط الإيرانية، وهو ما سيؤدي إلى انخفاض الأسعار وتقليص حجم صادرات النفط الروسي، وهو تطور قد يساعد من وجهة نظر روسيا الدول الأوروبية في التخلص من الاعتماد على استيراد الطاقة منها، وليس عبثاً قبل عدة أشهر طالبت روسيا بتلقي ضمانات بأن العقوبات المفروضة عليها لن تضر بتعاونها الاقتصادي والعسكري مع إيران، كشرط للدفع نحو اتفاق نووي جديد.

علاوة على ذلك، يوجد في موسكو تجاذب بين الرغبة في توسيع نظام العلاقات مع إيران، والرغبة والحاجة لضمان الحفاظ على العلاقة مع المملكة العربية السعودية، لا سيما في الوقت الحاضر في ضوء أهمية الأخيرة في كل ما يتعلق بحجم الإنتاج وأسعار النفط (وبالفعل الرئيس بوتين سارع لإجراء محادثة مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، بعد أيام قليلة من زيارته لطهران).

يعكس سلوك البلدين في سوريا من الناحية العملية مدى تعقيد العلاقات بينهما، فمن ناحية هي تطمح إلى إعادة تأهيل نظام الأسد وتقليص نطاق النشاط الأمريكي والتركي في البلاد.

ومن ناحية أخرى يتنافس كل منهما مع الآخر على عمق التأثير على النظام السوري والوجود العسكري في البلاد، المثال على ازدواجية النهج الروسي يمكن رؤيته في موافقتها الضمنية على نشاط “سلاح الجو الإسرائيلي” ضد أهداف إيرانية في سوريا، حيث أن هذا النشاط من وجهة نظرها يضر بالتمركز العسكري الإيراني في البلاد وبالتالي يخدم عملياً المصالح الروسية.

توصيات ل “إسرائيل

خلاصة القول، في الأشهر الأخيرة كانت جهود التقارب بين روسيا وإيران واضحة ومدفوعة بفهم الطرفين أنه في ضوء الواقع العالمي والإقليمي الفوضوي فإن تعميق العلاقات في الوقت الحاضر أمر ضروري بالنسبة لتعزيز المصالح الخاصة للدولتين، هذا الواقع يخلق تحديات ل “إسرائيل” على الصعيد الإستراتيجي وعلى الصعيد الأمني ​​كذلك.

حيث أن توطيد العلاقات بين موسكو وطهران قد يؤدي إلى توسيع مجموع العلاقات بين الدولتين، بما في ذلك في المجال الأمني ​​العسكري (صفقات عسكرية جديدة، والتعاون في مجال المخابرات والسايبر)، وإلى تعميق الدعم الروسي لإيران في المفاوضات النووية.

في الوقت نفسه، التطورات في المحور الروسي الإيراني قد تنعكس على العلاقات الثنائية بين “إسرائيل” وروسيا، والتي على أي حال هي الآن في أدنى مستوياتها، هذا كذلك بسبب الاستياء الروسي من تصريحات رئيس الوزراء حول جرائم الحرب الروسية في أوكرانيا، والتهديدات من قبل روسيا بوقف أنشطة “الوكالة اليهودية” في البلاد، والتحذيرات العلنية لرئيس الوزراء بأن إغلاق الوكالة سيكون حدثاً خطيراً من شأنه أن يؤثر على العلاقات الثنائية.

صحيح أنه منذ بداية الحرب في أوكرانيا وروسيا تنتقد باستمرار الهجمات المنسوبة إلى “إسرائيل” في سوريا، لكنها تجنبت عموماً اتخاذ خطوات ملموسة للتدخل في “الأنشطة الإسرائيلية”.

الاحتكاك المباشر والعلني بين “إسرائيل” وروسيا، أو محاولة جبي ثمن منها إذا قررت إغلاق الوكالة قد يؤدي إلى تغيير في خصائص السلوك الروسي في سوريا وإلحاق الضرر بالتنسيق الأمني بين الدولتين، أو اتخاذ إجراءات انتقامية روسية (بما في ذلك وقف أو الحد من الهجرة اليهودية)، لقد أوضحت الحرب في أوكرانيا بوضوح أن روسيا لا تهاب التهديدات ولا تهاب من استخدام جميع وسائل القوة المتاحة لها لتحقيق أهدافها الإستراتيجية.

لذلك، ونظراً لأهمية الحفاظ على العلاقة مع موسكو بشكل عام والتنسيق الأمني ​​معها بشكل خاص، يوصى بأن تواصل “إسرائيل” السياسة الحذرة والمدروسة التي اتبعتها منذ بداية الحرب في أوكرانيا.

في هذا الإطار، على “إسرائيل” أن تحرص على إجراء حوار سري مع موسكو، وأن تتجنب قدر الإمكان نشر وكشف الخلافات والاختلافات في الرأي، بطريقة يمكن كما ذكرنا أن تؤثر بشكل سيئ على العلاقات وتجر الروس إلى تشديد موقفهم وجعل إيجاد حل هادئ لهذه الأزمة والأزمات المستقبلية من الصعب.

أضف تعليقك

زر الذهاب إلى الأعلى