أخبارأخبار رئيسيةالشرق الأوسطمقالات إستراتيجية

الأزمة في ليبيا كصورة تعكس ميزان القوة المتغيرة في الشرق الأوسط

ترجمة الهدهد/

دكتور موشيه ألبو، باحث أول في معهد السياسات والإستراتيجيات في هرتسيليا

المقال يعبر عن رأي الكاتب

تميز النظام الإقليمي في العام الماضي بجهود المعسكرات المختلفة للتغلب على الخصومات والصراعات العسكرية من خلال التحركات الدبلوماسية وتجنب الانزلاق إلى الاحتكاك المباشر. وقلل الحوار الإستراتيجي الإيراني مع السعودية بوساطة العراق، والانعطاف الحاد في السياسة التركية الإقليمية من مناطق الاحتكاك والتوتر في المنطقة وساهم في إقرار وقف إطلاق نار تاريخي في ليبيا (تشرين الأول / أكتوبر 2020)، واليمن (أبريل 2022).

تركز هذه الورقة على ليبيا كدراسة حالة لتحليل التغيير في الديناميكيات الإقليمية. ولا شك في حقيقة أن قيام القوى الإقليمية المتنافسة بتعزيز قنوات الاتصال الدبلوماسي مع تعزيز التعاون الاقتصادي والأمني يقلل من خطر حدوث تصعيد عسكري شامل. ومع ذلك، فإن الصراعات بين القوى الداخلية التي ترتكز على تاريخ من التنافس القبلي والتنافس بين مجموعات قوى جغرافية (الشرق ضد الغرب)، والصراع الأيديولوجي الديني (الإسلام السياسي / الإسلام المؤسساتي ) قد يجر البلاد إلى مزيد من التصعيد حتى لو تعارض هذا مع مصالح القوى الاقليمية والدولية.

فيما يتعلق ب”إسرائيل”، فإن التغييرات والديناميكيات الإقليمية تفتح فرصة لتعزيز العلاقات الإستراتيجية مع تركيا، وصياغة أو تشكيل سياسة شرق أوسطية شاملة تستند إلى نقاط القوة الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية والأمنية التي تعزز من أهمية وضرورة إسرائيل” في المنطقة وأهمية “الاتفاقيات الابراهمية”. ويرتبط “نصف الكأس الفارغ” بالتغيير في سياسة دول الخليج تجاه إيران: الحوار الإستراتيجي الذي تجريه السعودية مع إيران بوساطة العراق، وتعزيز العلاقات الدبلوماسية والتجارية والاقتصادية بين الإمارات العربية المتحدة وإيران. الأمر الذي قد يشكل تحدياً لإستراتيجية “إسرائيل” الإقليمية في المستقبل.

صورة الوضع في ليبيا
أدى الركود السياسي في ليبيا وتفاقم الاستقطاب بين الخصوم السياسيين والمصالح القبلية والصراع على السلطة بين الميليشيات المسلحة إلى صراع عنيف (22 يوليو) أودى بحياة نحو 13 ضحية وعشرات الجرحى، وأثار المخاوف من الانزلاق إلى فصل آخر من الحرب الأهلية الدموية في البلاد. في تشرين الأول / أكتوبر 2020 تم التوقيع على وقف شامل لإطلاق النار بين حكومة الاتحاد الوطني وقوات الجيش الوطني تحت ضغط إقليمي ودولي تقرر فيه سحب جميع القوات الأجنبية من ليبيا، وتشكيل حكومة وحدة مؤقتة تقود إلى انتخابات رئاسية. هذه الخطوة التي حظيت بدعم الأمم المتحدة والمجتمع الدولي والولايات المتحدة كان من المفترض أن تساعد في استقرار البلاد، والسماح بإقامة نظام سياسي مقبول على جميع عناصر القوة في البلاد. وتم تعيين عبد الحميد الدبيبة رئيسًا مؤقتًا للوزراء في طرابلس وكان من المفترض أن يقود البلاد إلى الانتخابات في ديسمبر 2021.

تم تأجيل الانتخابات بسبب سلسلة من الخلافات الجوهرية بين المتنافسين، ولكن يرجع ذلك أساسًا إلى عدم استعداد أي حزب لقبول خسارة محتملة في الانتخابات وتفضيل الحفاظ على الوضع الراهن على خطر الانحدار إلى العنف. وردا على تأجيل الانتخابات دعا مجلس النواب في طبرق إلى حل “المجلس الرئاسي” في طرابلس وعين وزير الداخلية الأسبق فتحي باشاغا في منصب رئيس الوزراء الجديد. ومع ذلك رفض رئيس الوزراء بالإنابة في طرابلس الدبيبة، قبول قرار البرلمان بتعيين حكومة انتقالية مؤقتة والاستقالة. لا يزال يُنظر إلى دبيبة على أنه رئيس الوزراء الشرعي لليبيا من قبل الأمم المتحدة والمجتمع الدولي ولكن ليس من قبل حكومة باشاغا.

في صراع العروش في ليبيا تتغير الولاءات حسب المصالح. فتحي باشاغا الذي كان وزيرا للداخلية في حكومة طرابلس ولعب دورا كبيرا في كبح الهجوم الذي قاده اللواء حفتر في 2019 لاحتلال المدينة يدعمه حاليا نفس اللواء حفتر وقواته في مطالبته باستبدال الدبيبة .

يتزايد الخوف من انزلاق البلاد مرة أخرى إلى الحرب الأهلية التي اندلعت في 2014-2020 في ضوء الوضع الاقتصادي الصعب الذي يثير احتجاجًا عامًا عنيفًا ضد القيادة السياسية (ضد كل من الدبيبة وباشاغا).

على الرغم من حقيقة أن ليبيا من الدول الغنية بالنفط والموارد الطبيعية في المنطقة، إلا أن الركود والفساد من عهد القذافي والدمار الواسع النطاق الذي سببته الحرب الأهلية أدى إلى أزمة اقتصادية عميقة وهي تشتد في ظل الأزمة العالمية والأزمة السياسية التي تحول دون أي تقدم. وفي هذا السياق نزلت حشود في مطلع شهر تموز / يوليو الجاري إلى شوارع طبرق وأضرمت النار في مجلس النواب، وفي الوقت نفسه خرج الآلاف في طرابلس احتجاجا ضد المليشيات المسلحة وضد ارتفاع أسعار السلع الأساسية وانقطاع التيار الكهربائي الطويل في الصيف الحار والبطالة والفقر وعدم وجود أفق سياسي يمكن أن يُقدم مخرجًا من الوضع الصعب.

اللعبة الإقليمية في ليبيا

كان أحد الأسباب الرئيسية لاندلاع المعارك بين الأطراف المتحاربة في ليبيا هو التدخل الخارجي من قبل قوى إقليمية ودولية. وانقسمت المعسكرات المتنافسة بين تركيا وقطر اللتين دعمتا حكومة طرابلس والإمارات العربية المتحدة ومصر وفرنسا وروسيا التي دعمت حكومة طبرق والجنرال حفتر. يدور الصراع بين المعسكرات حول الموارد الطبيعية والطاقة والمعابر المائية الاستراتيجية وأمن الحدود والقدرة على التأثير على الحكومة الليبية المستقبلية. وفشلت الأمم المتحدة في فرض حظر الأسلحة وتدفق المستشارون العسكريون والمرتزقة وأنظمة الأسلحة المتقدمة إلى كلا الجانبين الذين يتقاتلون في ليبيا وأججوا النيران.

وشكل الدفء في العلاقات بين تركيا والإمارات العربية المتحدة الذي تجلى في زيارة رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة محمد بن زايد إلى أنقرة في نوفمبر 2021 (حيث تم التوقيع على استثمار إماراتي بقيمة 10 مليارات دولار)، وقيام أردوغان بالرد بزيارة لدولة الإمارات العربية المتحدة في فبراير الماضي فرصة لتوسيع التعاون في مجالات التجارة والاقتصاد والأمن بين الدولتين، وفي سياق ليبيا – لإمكانية الترويج لمعادلة من شأنها أن تساعد في استقرار البلاد ومنع اندلاع نزاعات عسكرية أخرى.

بالإضافة إلى ذلك قلل إعادة العلاقات الدبلوماسية بين تركيا ومصر بعد 9 سنوات من الانقطاع والذي تجلى في تعيين سفير في القاهرة (أبريل 2022) ، وفي تصريحات أردوغان المتكررة بشأن رغبته في تعزيز العلاقات بين البلدين إلى جانب تعزيز التعاون في الطاقة وخاصة في مجال الغاز، وفي مجال التجارة بين الدول خلال عام 2021 (زيادة بنسبة 32.6٪) واستمرار الزيادة في عام 2022، بشكل كبير من الدافع لدى الأطراف في الترويج لخيار عسكري في ليبيا لتحقيق أهدافهم في الساحة.

في الأشهر الأخيرة بدأت تركيا في العمل مباشرة مع حكومة طبرق، بل وبدأت في الترويج لافتتاح قنصلية في بنغازي. وتعمل مصر من جانبها على تعزيز الاستقرار في ليبيا من خلال الحوار المباشر مع الحكومة في طرابلس والحكومة في طبرق بهدف إخراج القوات الأجنبية من البلاد (خاصة المستشارين العسكريين الأتراك) وإعادة العمال المصريين للعمل هناك، والفوز بمناقصات إعادة الإعمار والتنمية في البلاد. وسيتطلب تجدد اندلاع الحرب الأهلية في ليبيا تدخلًا مصريًا في ظل الخوف من تمركز العناصر “الإرهابية” والإخوان المسلمين على حدودها (1115 كم)، وإلحاق الضرر بمشاريع التنمية وإعادة الإعمار وعودة العمال المصريين إلى ليبيا، وقد يكون له أيضًا تأثير على علاقاتها الاستراتيجية (بشكل رئيسي من حيث التجارة والطاقة) مع تركيا.

الزاوية “الإسرائيلية”

في تشرين الثاني / نوفمبر 2019 وقعت تركيا اتفاقيتين ذاتي أهمية استراتيجية طويلة الأمد مع حكومة طرابلس: وهما ترسيم الحدود الاقتصادية البحرية بين البلدين، واتفاقية تعاون عسكري. وسمحت الاتفاقيات لتركيا بترسيخ وجودها عسكريًا في ليبيا وتطوير احتياطيات الغاز والنفط في المياه الاقتصادية، وتوسيع نفوذها إلى إفريقيا وأوروبا من خلال ترسيخ موطئ قدم لها في المنطقة.
وجاءت الخطوة التركية لترسيخ موقعها في شرق البحر الأبيض المتوسط ولمنع التحركات أحادية الجانب من قبل القوى الإقليمية – مثل مشروع شرق البحر المتوسط بين “إسرائيل” واليونان وقبرص؛ مما زاد من التوتر الشامل مع أنقرة. وأدى الانسحاب الأمريكي من دعم مشروع شرق البحر المتوسط (كانون الثاني (يناير) 2022) إلى إلغاء المشروع، بل زاد مستقبلاً من احتمال دراسة تصدير الغاز الطبيعي من حقل لفيتيان إلى أنقرة وتعزيز التعاون بين الدولتين في الطاقة. هذه الإمكانية هي عنصر مركزي في “معايرة” السياسة الخارجية التركية تجاه “إسرائيل”.

في السنوات الأخيرة، كان شرق البحر الأبيض المتوسط مساحة احتكاك حول موارد الطاقة بين القوى الإقليمية والدولية وهو الشيء الذي أثر و”أشعل” الحرب الأهلية في ليبيا، وزاد من رغبة كل جانب في تحديد طبيعة وركائز الحكومة الليبية المستقبلية. ويعتبر “تغيير الاتجاه” في السياسة الإقليمية التركية فرصة للحد من التوترات في شرق البحر المتوسط ولتعزيز التعاون الاقتصادي في مجال الطاقة والأمن بين جميع الأطراف، بما في ذلك “إسرائيل”. إن الحفاظ على الاستقرار الليبي شرط لتحقيق هذه الإمكانات.

الأهمية

تعمل القوى الإقليمية على الحفاظ على الاستقرار الهش في ليبيا، لكن القوى الداخلية المزعزعة للاستقرار، والانقسامات السياسية العميقة بين طرابلس وطبرق والعداوات القبلية والأيديولوجية والأزمة الاقتصادية الحادة قد تدفع البلاد إلى موجة أخرى من العنف.

تسعى تركيا ومصر والإمارات العربية المتحدة إلى الحفاظ على الاستقرار الشامل في ليبيا في ضوء الأزمة العالمية وضرورة تعزيز التعاون الاقتصادي والأمني. من ناحية أخرى يركز النظام الدولي على الحرب في أوكرانيا ومواجهة تكاليفها ولا يهتم بالدفع بعمليات الاستقرار السياسي والاقتصادي في ليبيا. في هذه المرحلة لم تتبلور التوترات الداخلية لتصل إلى تصعيد بسبب التأثير المُلجم للقوى الإقليمية.

يتيح الاستقرار في ليبيا استمرار ترسيخ العلاقات بين تركيا ودول الخليج ومصر ويفتح مساحة للتعاون الاستراتيجي بين الدول. والأهم من ذلك أن الاستقرار يحيد “انفجارا استراتيجيا” قد يؤدي إلى مزيد من الاحتكاك بين الدول في النضال على صورة أو شكل ليبيا والاستفادة من مواردها. ويعتمد اهتمام “إسرائيل” في تنظيم العلاقات السياسية والأمنية مع تركيا إلى حد كبير على تحييد الاحتكاكات في حوض شرق البحر الأبيض المتوسط، وعلى دمج تركيا كقوة براغماتية وغير معادية في النظام الإقليمي.

أضف تعليقك

زر الذهاب إلى الأعلى