أخبار رئيسيةمقالات إستراتيجية

كيف المسير إلى ذاك المصير؟

شبكة الهدهد
✍️⁩ عبد الله أمين .. الخبير الأمني والاستراتيجي

ذكر ابن خلدون في مقدمته أن الدول والشعوب والأمم تسير في مسير نموها وتقدمها مسيراً يشبه كثيراً ذلك المسير الذي يسيره بنو البشر أثناء تقدمهم في العمر وكبرهم في السن؛ فهم -الآدميون- يمرون في مرحلة الطفولة فالمراهقة فالرشد ومن ثم الشيخوخة، التي يدعو أكثر الناس أن لا يردوا إلى أرذلها، ففيها من المشاكل والعقبات والصعاب ما فيها.

والأمم كما يقول ابن خلدون “عمرها الطبيعي في حدود ١٢٠ سنة، ويتضمن ثلاثة أجيال، كل جيل في حدود ٤٠ سنة:

  • يتصف الجيـل الأول منهـا بالبداوة والخشونة وقوة الدولة.
  • والثاني بالحضارة والترف وانفراد بالملـك.
  • والثالـث بانفراد تام بالمجد والقضاء على العصبية.

وفي انقضـاء الجيلـين (الأول والثـاني) تشرف الدولة على نهاية عمرها الطبيعي فيكون حينئذ العمران فـي غايـة الوفـورِ والنَّماء، وهذه سنة كما يعتقد بن خلدون تسري على الأمم والشعوب، لا مفر منها ولا مندوحة عنها.

لكن أصل الموضوع الذي سنتحدث عنها في هذا المقالة هو ما كثر الحديث عنه في الكيان المؤقت الغاصب لفلسطين؛ حيث كثر التطرق إلى موضوع الانهيار والتفتت، وبداية التآكل والخوف من المصير الأسود الذي ينتظر هذا الكيان المؤقت، وأن “لعنة الثمانين” تطاردهم، حيث لم تعمر أي دولة لهم أكثر من ثمانين سنة، فهذا رئيس وزرائهم نفتالي بينت المنتهية ولايته منذ فترة بسيطة يقول حول كيانه المؤقت: “مرة أخرى نواجه جميعاً لحظة مصيرة، فقد تفككت (يقصد دولة إسرائيل) مرتين بسبب الصراعات الداخلية”.

أما وزير حربهم الحالي بيني غانتس فيقول: “أن قلقاً يكتنف مستقبل (إسرائيل) بسبب فقدانها السيادة في النقب والجليل، وإمكانية خسارتها في النهاية بسبب تعاظم الثقل الديموغرافي للفلسطينيين ومظاهر تشبثهم بالهوية الوطنية، وقد تتقلص الجغرافياً لتصبح ممتدة فقط بين الخضيرة وجنوب حيفا وغديرا جنوب تل أبيب”.

أما عن رئيس المعارضة الحالي ورئيس الوزراء السابق، فصاحب أطول مدة زمنية في رئاسية وزراء الكيان المؤقت نتنياهو فقد سبقهم كلهم عندما صرح في عام 2017 قائلاً: “سأجتهد كي تبلغ (إسرائيل) عيد ميلادها المئة، لأن مسألة وجودنا ليست مفهومة ضمناً، وليست بديهية، فالتاريخ يعلمنا أنه لم تعمر دولة للشعب اليهودي أكثر من ثمانين سنة”.

أما ايهود باراك (نابليون الكيان) رئيس الوزراء ووزير الدفاع السابق فقد أدلى هو الآخر بدلوه في هذه المسألة عندما أبدى مخاوفه من لعنة الثمانين، محذراً من قرب زوال (إسرائيل) قبل حلول الذكرى الثمانين لتأسيسها، لأن التاريخ اليهودي يفيد بأنه لم تعمر لليهود دولة أكثر من ثمانين سنة؛ إلا في فترتي الملك داوود والحشمونائيم، وكلتاهما شهدتا بداية تفككهما في العقد الثامن، وهي لعنة تطاردنا”.

ونختم بما قاله العالم ببواطن الأمور وخبايا هذا الكيان المؤقت، الرئيس السابق لجهاز الموساد “تامير باردو” حيث قال: إن “التهديد الأكبر يتمثل بنا نحن الإسرائيليين بظهور آلية التدمير الذاتي التي جرى اتقانها في السنوات الأخيرة تماماً مثل أيام تدمير الهيكل الثاني، ما يستدعي منا وقف هذا المسار الكارثي قبل نقطة عدم العودة لأن (إسرائيل) تنهار ذاتياً”.

هذا غيض من فيض ما يمكن أن يطالعه المتابع “للشأن الإسرائيلي” حول هذا الكيان المصطنع، وتخوف قاطنيه من زواله؛ فهو كيانٌ مكون من خليط غير متجانس من القوميات والعرقيات والاثنيات، جلبوا من مختلف أصقاع الأرض ظانين أن لبناً وعسلاً ينتظرهم!

ولصهر هذا الخليط ودمجه ليتجانس مع بعضه بعضا؛ أنشئ له جيش -طبعاً للاعتداء والتوسع أيضاً- ليكون هو البوتقة التي تصهر وتجانس هذا الخليط، لتحيله سبيكة عصية على الكسر أو القص أو التدمير، فأصبح هذا الجيش تلك (البقرة) المقدسة التي لا يجب المساس بها، ويجب ألا يرفض لها طلب، وأن يسهر على راحتها وتنظف حظيرتها؛ وإذا بها تصبح عرضةً للقدح والذم والشتم، فلا قادسة لها، وتناقش طلباتها، بل أكثر من ذلك.

فلا ينهض لخدمتها، وتصبح في آخر سلم أوليات سكان هذه الكيان المؤقت، فوفقاً لما نشره موقع الهدهد في 11 07 2022 نقلا عن موقع (ذي ماركر) للكاتب “توم ليفنسون” حول تلبية جنود الاحتياط طلبات استدعائهم للخدمة، حيث أورد معلومات مهمة حول المؤسسة العسكرية الصهيونية، نأخذ منها فقط الرقم التالي كمؤشر رئيسي على ما وصلت له هذه (البقرة) المقدسة، لارتباطه مباشرة بمسألة جاهزية جيش العدو، والذي يعتمد في رفعها عند أي أزمة أو حرب على استدعاء الاحتياط، حيث يقول الكاتب أن “17 % من السكان في سن الخدمة يعرّفون على أنهم جنود احتياط، 4% منهم فقط احتياط نشط” أي يلبون طلبات الاستدعاء عند الطلب.

فقط 4% من سكان الكيان يلتزمون بالتجنيد الاجباري

أما في الأعداد فيقول أيضاً إن 490 ألف جندي احتياط منهم فقط 120 ألف نشطون، إنهم قضوا 20 يوما عمل احتياط في الثلاث سنوات الماضية!! وأن أغلب من يلبون طلبات الالتحاق بالاحتياط إنما يفعلون ذلك ليس حباً في ذات الخدمة أو انصياعاً لطلب الاحتياط؛ وإنما يقومون بذلك بحثاً عن مصدر للرزق وزيادة في الدخل المالي، الأمر الذي يجعل من يلبون نداء خدمة الاحتياط هم فقط الشريحة المعوزة الفقيرة التي تبحث عن مورد إضافي للرزق!!

وهنا تحضرنا مقولة مهمة حول بناء الجيوش والمؤسسات الأمنية تقول: “إنك يمكن أن تنفق الأموال على بناء الجيوش؛ ولكن لا يمكن أن تجعلها تقاتل بإنفاق الأموال”، فإذا كان هذا هو الموقف، وذاك هو التوصيف، وتلك هي شهادة كبار القوم و(أهل البيت).

وإذ إن الكيانات والدول عندما يصبها خلل أو تحلل فإنها تبقى صامدة واقفة إلى أن يأتيها محرضٌ خارجي يساعد في تسريع انهيارها، على اعتبار أن الدول إنما تسقط وتندثر وتحلل بتظافر وتكاتف عوامل الهدم الخارجية مع عوامل الهدم الداخلية، فإن اجتمعا عليها؛ قضي عليها!!

من هنا تأتي هذه المقالة لتضع بعض المعالم والمحرضات والضروريات الخارجية المطلوبة للسير في المسير الموصل هذا الكيان المؤقت إلى ذاك المصير المحتم.

فنقول إن من أهم المتطلبات التي يجب العمل عليها من أجل السير في هذا المسير هي:

  1. جمع المعلومات:
    هذه الخطوة يجب أن نكررها في كل مقال نكتبه، أو ملاحظة نسجلها، نعم إنها المعلومات عن نقاط ضعف هذا الكيان وقوته؛ فكما أن فيه قوة؛ فإنه يختزن ضعفاً، وخلف التماسك الذي يتظاهر به، تفككاً يحرص على ستره، فخليط غير متجانس كالذي يتشكل منه هذا الكيان؛ لا يمكن أن تصهره بوتقة، ولا يمكن أن يقوي بنيته عامل لصق مهما قوي تركيبه، المهم أن نبحث ولا نيأس عن تلك (المَقاتِل)، ولندقق النظر في كل شاردة وواردة، ولنحتك به ضمن خطة وتصور مسبق بهدف المعرفة، وبحثاً عما خفي عنا منه من مجاهيل، فالإنسان يخشى ما لا يعرفه؛ أما ما خبره وتعرفه عليه؛ فيصبح التعاطي معه سهل ميسوراً مقدوراً عليه.
  2. التمسك بحقنا والتشبث به:
    فما ضاع حق وراؤه مطالب، ويبقى عدونا في حالة ضعف ما دمنا نطالب بحقنا ولا نتخلى عنه، ويبقى هذا الكيان المؤقت في حالة من عدم الاستقرار إلى أن يُتنازل له من صاحب الحق -فقط من صاحب الحق- عما سرقه وغصبه، لذلك فكلما زدنا تمسكاً بحقنا؛ زاد يأساً من قهرنا، فإن مات الكبار؛ فما نسي ولن ينسى الصغار، وجيل يورث إلى جيل مفاتح أبواب منازله و(كوشانات) أراضيه وبياراته؛ ما ضاع حقه ولن يضع، وهذا في ذاته من أهم عوامل يأس العدو وتحلل كيانه، ولعنة تطارده أكثر خطراً من لعنة الـ (ثمانين).
  3. العمل على توسعة شقوق الخلاف بين مختلف مكونات هذا المزيج الهجين:
    فإذا كانت تلك البوتقة التي ظن أنها ستصهر هذا الخليط غير المتجانس لم تستطيع أن تخرج ذاك المركب الصلب القوي، ولم يعد ينظر لها على أنها (بقرته المقدسة)، إذا كانت تلك لم تستطيع ذلك؛ فهذا يعني أن شقوقاً وصدوعاً -القوميات، الطوائف الدينية، الطبقات الاجتماعية، المذاهب الدينية، العدالة الاجتماعية،…- في هذا الكيان المؤقت موجودة ويمكن أن يزاد الضغط عليها فتزداد اتساعاً وافتراقاً، ويسهل التعرض له من خلالها والفت في عضده وخلخلة (أساساته) عبرها، فلنبحث عنها ولنركز التدقيق فيها، بحثاً عما يزد من شقتها ويباعد من مسافاتها، لتصبح ثغرات يمكن النفاذ منها إلى (قلب) و (أعصاب) و (عضلات) هذا الكيان، فنحيله أثراً بعد عيان.
  4. إدامة زخم الضغط على نقاط الضعف تلك وتحوليها إلى مكامن خطر:
    فالعدو لا يقف مكتوف اليدين أمام ما يواجه من مخاطر وتحديات، وهو يعلم نقاط ضعفه ونقاط قوته؛ فيعمل على تقوية الأولى والاستفادة من الثانية، وهنا يأتي دورنا نحن من خلال إدامة البحث والضغط على نقاط الضعف تلك لتحوليها إلى مكامن خطر لا يمكن تقويتها أو سترها، فتبقى مشرّعة أمام ضرباتنا، نصيب فيها منه مقتلاً كلما تعرضنا أو احتككنا به، ولا يستهين أحدٌ بأي جهد يمكن أن يؤثر على نقاط الضعف تلك فــ (كثرة الدق على اللحام بفك)، وقطرات الماء المتتالية تخرق الصخر الأصم، فما بالنا بهذا الجسم الهش متعدد المركبات غير متجانس الخلطات.
  5. المقاومة بكل أشكلها وعلى رأسها المقاومة الخشنة:
    فهذا (البنيان) غير المرصوص بحاجة إلى ما يساعد على هدمه وتقوض أسسه، ولا أفضل ولا أجدى ولا أنفع ــ الجهد الرئيسي ــ من معول يُعمل الضرب في أساساته، ومقاومة خشنة (منشار سن خشن) تحتك به؛ فتدميه هنا، وتصيبه في مقتل هناك، فحطابو الحطب يجوبون الغابات بحثاً عن حطب يحتطبونه وخشب يقطعونه، وفي الغابة تلك أشجار يطاول قدها عنان السماء، تراها باسقة عالية تخيف الناظرين بطولها وسماكة جذعها، ولكن علمهم -الحطابون- ومعرفتهم وخبرتهم (المعلومات) بأصل الأنواع تقول لهم: أن ما يرونه أمامهم من جذوع وفروع قابلة للقص والنشر والتقطيع، وفقاً للمسار الفني الذي خبروه، وتكتيك العمل الذي جربوه، فتقطع هذه الشجرة وتقطّع وتحرق حطباً في المواقد، فتغدو رماداً بعد أن خيل للناظرين أنها عِماداً.
  6. حشد الطاقات وتخصيص القدرات وتوزيع المهام والأدوار:
    فحشد الطاقات وتخصيصها للضرب في مكان الضعف، وعلى الشقوق الصدوع المرتسمة في جسم هذا الكيان المؤقت هي مظنة تحقيق الهدف وإنجاز المهمة، وتوزيع الأدوار والمهمات على مختلف القوى والحركات هي الأخرى مظنة تخفيف الأعباء واستثمار الطاقات، فلا تهدر في غير محلها ولا تنفق في غير مكانها، فكل مسير لما خلق له، فللمقدمة أهلها، ولساقة ناسها؛ المهم ألا تُصب الطاقات في مختلف الجهات، فيضيع زخم العمل والإجراءات.

هذه بعض متطلبات المسير وزوادته التي تدفع هذا العدو المؤقت إلى ذاك المصير المحتم.

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون

الضفة الغربية بين إستراتيجيتين.. أين العدو؟ أو، من العدو؟

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي