أخبارالشرق الأوسط

الحدود الشمالية: بين أجواء التوتر وقابلية الانفجار الفوري للأوضاع

ترجمة الهدهد

“إسرائيل اليوم”/ يواب ليمور

اختلف الخبراء في رأيهم حول درجة قابلية الانفجار الحالية واشتعال الأوضاع على الحدود الشمالية، فهناك من يعتقد أنها مرتفعة وأنها الأخطر منذ سنوات نتيجة مجموعة من الأسباب اللبنانية الداخلية والخارجية التي تدفع بحزب الله على أن يكون أكثر جرأة من ذي قبل، ويقدر آخرون أن هذه مجرد أجواء توتر، ولن يقوم حزب الله بخطوات قد تعرضه ولبنان للخطر.

يبدو أن حزب الله وجد فرصة مناسبة له ليتصدر عناوين الصحف حول الخلاف بين “إسرائيل” ولبنان على مسار الحدود البحرية بين البلدين، على عكس الحدود البرية فإن الأهمية اقتصادية في البحر في المقام الأول، فكل من البلدين يضع أعينه على تطوير حقول الغاز البحرية، والأرباح الهائلة التي سيجنيها من ذلك.

هذا النزاع هامشي نسبياً من حيث مفاهيم النزاعات الدولية، فهو لا يتعلق بحقل غاز “كاريش” الذي يقع بالكامل في مياه المنطقة البحرية “الإسرائيلية”، بل بجزء صغير يمتد جنوب الخط الذي من المتوقع أن يفصل المياه اللبنانية عن المياه “الإسرائيلية”، وتجري الوساطة من قبل الولايات المتحدة حول هذا الجزء في محاولة للوصول إلى حل متفق عليه، ومع ذلك كما هو الحال في الشرق الأوسط – و بحسب طبيعة الوسطاء – تتم الأعمال بتكاسل، مما يترك مجالاً كبيراً للجهات المختلفة وحزب الله على رأسها، لإحداث فوضى.

إلى ما بعد “كاريش”

السبب المباشر للضجة الحالية هو العمل في حقل الغاز “كاريش”، والذي من المفترض أن يبدأ في سبتمبر، “إسرائيل” معنية بإنهاء الخلافات بحلول ذلك الوقت بحيث يمكن البدء في تطوير الحقل دون انقطاع أو تهديدات، أدرك حزب الله الفرصة وبدأ في إطلاق التهديدات: “إذا لم ينقب لبنان فلن يقوم أحد بالتنقيب”، كما حذر – أو على حد تعبير حسن نصر الله، الذي استخدم إعادة صياغة لكلماته خلال حرب لبنان الثانية بأن المنظمة تعرف كيف تصل إلى ما بعد حيفا، عندما قال هذا الأسبوع: “يمكننا الوصول إلى ما بعد كاريش”.

أطلق حزب الله قبل التهديدات طائرات مسيرة تجاه منصة الغاز “كاريش” في مناسبتين مختلفتين، واعترض “الجيش الإسرائيلي” الطائرات المسيرة، وحُرم حزب الله من إنجاز في مجال الوعي، لكن الخوف من احتمال تسليح الطائرات المسيرة في المرة القادمة أثار اليقظة لدى “الجانب الإسرائيلي”.

وكانت النتيجة المباشرة هي التهديدات التي أرسلها رئيس الوزراء يائير لبيد ووزير الدفاع بيني غانتس إلى لبنان هذا الأسبوع، وحذر لبيد من أن كل من يحاول المس بسيادتنا أو بمواطني “إسرائيل” سيكتشف بسرعة كبيرة أنه ارتكب خطأً فادحاً، كما تم توزيع صور من هذه الجولة بهدف شحذ “الرسالة الإسرائيلية”.

والنتيجة الثانية الفورية كانت محاولة لتسريع استكمال الوساطة الأمريكية التي تجري حسب توقيت واشنطن وليس حسب توقيت “تل أبيب”، صحيح أن اللبنانيين يستجيبون ببطءٍ شديد لاقتراحات الوسيط “عاموس هوشستين” – نتيجة الفوضى السياسية التي لا تنتهي في البلاد وعدم قدرة الأطراف المختلفة على اتخاذ القرارات – لكن الوسيط نفسه لا يبدو أنه مهتم أو على عجلة من أمره في الأسبوع الماضي تحدث معه “مسؤولون إسرائيليون” وطلبوا منه الإسراع والتوصل إلى اتفاقات بحلول سبتمبر في محاولة لتجنب تصعيد الخطاب العنيف والتهديد الذي قد ينزلق حتى إلى تصعيد مادي على الأرض.

تعتقد “المنظومة الأمنية” أن “عربدة” نصر الله الكلامية غير العادية لا تنبع من محاولة فتح جبهة عسكرية نشطة ضد “إسرائيل” في لبنان، بل من دوافع سياسية لبنانية داخلية.

كانت نتائج الانتخابات الأخيرة مخيبة للآمال من وجهة نظر حزب الله، الذي يُلقى باللوم عليه أيضاً على تدهور الوضع الاجتماعي والاقتصادي في لبنان، والذي تفاقم في الأشهر الأخيرة بسبب الحرب في أوكرانيا حيث تعطلت إمدادات القمح في لبنان، وارتفعت أسعاره، ونتيجة لذلك حدث قفزة حادة في أسعار الغذاء والطاقة مما أثر على الوضع العام في البلاد وعلى مزاج سكانها.

يبدو أن نصر الله يسعى إلى تحويل الانتباه إلى “إسرائيل” وحقل الغاز “كاريش”، ومن المحتمل أن تكون دوافعه أكثر التواءً فهو يقدر أن المفاوضات بين الدول ستنجح وسيتم التوصل إلى اتفاق ويريد أن يُنظر إليه على أنه الشخص الذي تسبب ضغطه العسكري الذي مارسه في جعل “إسرائيل” تتراجع، إنه يحاول تقديم نفسه مرة أخرى على أنه المدافع عن لبنان ويريد أن تظهر “إسرائيل” كدولة ضعيفة تستسلم لتهديداته.

إلا أن نصر الله لم يأخذ في الحسبان الانتقادات التي ستثار بشأن تحركاته بالذات من الداخل، فقد هاجمته جهات سياسية مختلفة بما في ذلك قادة الدولة بعد إطلاق الطائرات المسيرة وقالوا أنه يعرض لبنان ومصالحه للخطر، ربما تكون حقول الغاز هي شريان الحياة الوحيد الذي يلوح في الأفق للبنان المحطم، وقادته – الذين ابتعدوا للحظة عن الفساد والاستفادة لأغراض شخصية – يعرفون أنهم لن يكون لديهم انتعاش إذا لم يدفعوا تجاه التنقيب عن الغاز على الجانب اللبناني أيضاً.

وتأمل “إسرائيل” أن يؤدي هذا الضغط اللبناني الداخلي وظيفته ويهدئ حزب الله، كما يُنظر إلى حقيقة أنه من المفترض أن تقوم الشركة نفسها (Energyan) بتطوير الحقول في كلا البلدين كعامل استقرار، لكن الواقع قد يتبين أنه أقل تفاؤلاً، نتيجة مقامرة خطيرة من حزب الله أو نتيجة لسوء تقدير يؤدي إلى التدهور بل وحتى التصعيد.

إن سيناريو طائرة مسيرة تليها طائرة مسيرة أخرى تتحدى “الجيش الإسرائيلي” و”الرد الإسرائيلي” الذي قد يؤدي إلى رد فعل مضاد من قبل حزب الله بعيد كل البعد عن أن يكون مبالغ فيه، ولهذا السبب سارع “الجيش الإسرائيلي” في استعداده لاحتمال أن يجد نفسه في معركة محدودة في الشمال (أو حسب المصطلحات التي تستخدمها القيادة الشمالية عادة أيام قتال)، لا يوجد أحد يعتقد أن حرباً واسعة وشاملة مطروحة على الجدول، ولكن هنا أيضاً يجب أن نكون حذرين في التقييمات، صحيح أن الحدود بعد 16 عاماً من حرب لبنان الثانية أكثر استقراراً من أي وقت مضى، ولكن كما تم إثبات ذلك حينها وكما يقول الإعلان القديم: “الأخطاء لا تحدث، بل يتم ارتكابها”.

صحيح أن حزب الله اليوم مردوع أكثر بكثير مما كان عليه في عام 2006، ولكنه أقوى بمرات عديدة أيضاً، ونتيجة لذلك فإن “إسرائيل” هي الأخرى مرتدعة، وتفكر ألف مرة قبل أن ترد على أي استفزازات من الشمال، هذا الأمر قد يوضع على المحك إذا حدث هناك بالفعل تصعيد محدود على الحدود، وسيُطلب من “إسرائيل” بعد ذلك أن تقرر كيفية الرد، والتمييز بين الأهداف المحلية التي ستضمن عودة الهدوء والأهداف النوعية، مثل أهداف حزب الله مما قد يخاطر بتوسيع التصعيد.

التقييم المعقول هو أنه سيتم التوصل إلى اتفاق، كما أنه من مصلحة “إسرائيل” – أن يسمح الهدوء بتطوير حقل الغاز في “الجانب الإسرائيلي”، وكذلك الحقل الذي في الجانب اللبناني – الأمر الذي سيحسن من الوضع الاقتصادي في لبنان ويكون أيضاً رادعاً استراتيجياً، الشخص الذي قد يقوض هذا السيناريو المحتمل هو حماس، في الأشهر الأخيرة عزز حزب الله تعاونه مع حماس وساعدها في إنشاء بنية تحتية عسكرية في مخيمات اللاجئين في لبنان، وشارك نشطاء حماس بالفعل في إطلاق صواريخ على “الأراضي الإسرائيلية” خلال شهر رمضان هذا العام وفي أحداث “حارس الأسوار” العام الماضي، وقد يتصرفون مرة أخرى.

يبدو أن نصر الله يعتقد أنه يستطيع الاستعانة بحماس لتحدي “إسرائيل”، دون تعريض منظمته أو لبنان للخطر، النخبة السياسية – الأمنية في “إسرائيل” توضح أنه مخطئ، وبصفته صاحب سيطرة على الأرض، فإنه سيدفع ثمن أي عمل يتم تنفيذه ضد “إسرائيل”، حتى لو لم يكن مسؤولاً بشكل مباشر عن ذلك.

إذا كان من الممكن الوثوق بحزب الله في الحفاظ على الهدوء، فيمكن الوثوق بحماس في محاولة إحداث فوضى، هذه وصفة للمشاكل المحتملة، والتي تلزم “إسرائيل” بالتفكير والتخطيط المسبق حتى قبل أن يأتي الشر من الشمال.

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي