أخبارالملف الإيرانيمقالات إستراتيجية

طهران تكثف من ضغوطها لعرقلة التحركات لتشكيل نظام دفاع إقليمي

ترجمة الهدهد

معهد دراسات الأمن القومي/ تامير هايمان، سيما شاين

 المضمون:

مع تزايد الخطاب حول “تحالف دفاع جوي إقليمي”، تكثفت النشاطات الإيرانية لإحباط الخطوة، والتي تضمنت تهديدات واضحة أدت إلى نفي كبار المسؤولين الخليجيين، يبدو أن بقاء العلاقات بين “إسرائيل” ودول الخليج بشكل سري في هذه المرحلة أفضل من التصريحات العلنية المغرورة التي لا تتوافق مع الواقع على الأرض.

منذ أسابيع تمارس طهران ضغوطاً مصحوبةً بتهديدات على دول الخليج لثنْيِها عن تعزيز التعاون في مجال الدفاع الجوي مع “إسرائيل”، وتتناقض زيارة الرئيس بايدن إلى المنطقة والتناول الواسع لهذه القضية بشكل صارخ مع جهود إيران لتحسين العلاقات مع دول الخليج، التي هي أيضاً تفضل تخفيف التوتر مع طهران، على الرغم من أن سياستها التي يتم الترويج لها بشكل أساسي من خلال الوكلاء تهدد مصالحها، وبالنسبة ل”إسرائيل” من الأفضل الاستمرار في الحفاظ على العلاقات الأمنية الحساسة مع دول الخليج سراً، وبالتالي تجنب إحراجها ودفعها إلى إنكار التعاون معها، وهو التعاون الذي يواجه على أي حال العديد من الصعوبات السياسية والتكنولوجية لتحقيقه.

اكتسب الخطاب حول نظام دفاع إقليمي ضد الصواريخ والطائرات بدون طيار من إيران ووكلائها في الأسابيع الأخيرة زخماً، خاصة مع زيارة الرئيس بايدن إلى “إسرائيل” والمملكة العربية السعودية، هذا الموضوع الذي يجري مناقشته من عدة أشهر في اجتماعات سرية يتم الكشف عنه أكثر وأكثر، وضمن هذا عُقد اجتماعٌ خاص في مارس الماضي بين رؤساء الأركان من الدول العربية (بما فيها المملكة العربية السعودية) و”إسرائيل” في مصر، وأكد المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي “جون كيربي” قبل زيارة بايدن أن الإدارة تجري حواراً مع المسؤولين في المنطقة بشأن تعاون مشترك أوثق في مجال الدفاع الجوي ضد التهديدات من الجانب الإيراني، حتى إن بيني غانتس قال إنه أجرى اتصالات عديدة مع البنتاغون والإدارة الأمريكية من أجل تعزيز التعاون بين “إسرائيل” ودول المنطقة، وذكر أن هذه الخطط أصبحت تعمل بالفعل، ومثالاً على ذلك ذكر غانتس حادثة وقعت في بداية العام، وهي اعتراض القوات الأمريكية لطائرتين إيرانيتين بدون طيار تم إرسالهما باتجاه “إسرائيل” فوق الأراضي العراقية.

برزت قضية الدفاع ضد الهجمات الجوية الإيرانية بكامل قوتها بعد عشرات الهجمات بالصواريخ والطائرات بدون طيار التي نفذتها إيران وحلفاؤها في السنوات الأخيرة ضد أهداف عسكرية وبنى تحتية استراتيجية مهمة في المنطقة، وكان أبرزها ما حدث في سبتمبر 2019 ضد منشآت شركة النفط “أرامكو” في السعودية، وهذا العام شن الحوثيون من اليمن هجوما آخر بطائرة بدون طيار على منصة نفطية في المملكة العربية السعودية، إلى جانب هجوم من اليمن على مطار في أبو ظبي وعشرات الهجمات على مراكز التحالف بقيادة الولايات المتحدة في العراق.

وعلى خلفية التطورات والخطاب حول هذا الموضوع تصاعدت التهديدات الإيرانية، سواء من مصادر عسكرية أو من مصادر مقربة من المرشد الأعلى علي خامنئي، ووضع مستشاره السياسي “علي أكبر ولايتي” الذي شغل منصب وزير الخارجية لسنوات عديدة، معادلة صريحة عندما قال: “كلما اقتربت دول الخليج من إسرائيل، كلما ابتعدت عن إيران”، وحذر متحدث عسكري إيراني الولايات المتحدة و”إسرائيل” موضحاً أنهما يعلمان ثمن استخدام كلمة “القوة” ضد إيران، وفي إشارة إلى زيارة بايدن، أوضح المتحدث باسم الخارجية الإيرانية: “طالما أن الهدف الرئيس لواشنطن هو تعزيز أمن وتفوق الدولة المزيفة المسماة إسرائيل فلن يحققوا مع دول المنطقة الاستقرار والسلام”.

كما كانت قضية تهريب الأسلحة في البحر وحرية الملاحة على جدول الأعمال في العام الماضي، حيث أعلنت واشنطن مؤخراً عن إنشاء “قوة المهام المشتركة 153″، والتي ستركز عملها على مضائق باب المندب في البحر الأحمر وخليج عمان وشمال بحر العرب، كما نص البيان المشترك للولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية في نهاية زيارة بايدن على أنه سيتم تنسيق التعاون بين البحرية السعودية و”قوة المهام 153” في إطار مقر التعاون الإقليمي، ومقره “الأسطول الخامس” في البحرين.

وفي هذا السياق، حذر قائد سلاح البحرية في الحرس الثوري دول الخليج مؤخراً من إقامة علاقات مع “إسرائيل”، موضحاً أنها إذا فعلت ذلك فإنها ستضر بأمن المنطقة بأكملها، وفي الوقت نفسه أعلن الجيش الإيراني في الأيام الأخيرة عن إنشاء قوة جديدة للطائرات بدون طيار في المحيط الهندي، ولم يتم تقديم أي تفاصيل عن عدد السفن في هذه القوة الجديدة، باستثناء بيان أن على كل سفينة سيكون هناك 50 طائرة بدون طيار، بعضها لجمع المعلومات الاستخبارية والبعض الآخر للهجوم، وفي بعض الردود الإيرانية يتم التأكيد على أن تعزيز التفوق الأمني ل”إسرائيل” قد يكون موجهاً أيضاً ضد جهات عربية وإسلامية ليسوا إيرانيين، وهكذا تحاول طهران إحراج الأنظمة في المنطقة من خلال مخاطبة الجماهير في بلدانهم وبالتالي الاستفادة من حقيقة أن أجزاءً كبيرة من هذه الجماهير لا ترى بالضرورة عمليات التقارب مع “إسرائيل” كما تراها أنظمتها.

لقد شكل انضمام “إسرائيل” إلى القيادة المركزية الأمريكية – سنتكوم – في سبتمبر 2021، نقطة تحول مهمة في ربط “إسرائيل” بالمنطقة بوساطة الولايات المتحدة، ومنذ ذلك الحين أجريت عدة مناورات بحرية واسعة النطاق شاركت فيها “إسرائيل” أيضاً، والتقى غانتس مع قائد الأسطول الخامس خلال زيارته للبحرين، تمهد هذه الخطوات الهامة الطريق لاستمرار التعاون الإقليمي، مع ذلك يجب ألا يغيب عن الأذهان أن مسؤولية “سانتكوم” هي حماية جنودها بشكل أساسي وكذلك العمل ضد “الإرهاب”، إن مكونات دفاع “سانتكوم” هذه موجودة بالفعل، وقد يؤدي الحديث المفرط عن التعاون مع “إسرائيل” إلى تعريض حرية عمل القوة للخطر.

وعلاوة على ذلك، يجب التشكيك في قدرة ورغبة جميع الأطراف، على الأقل في هذه المرحلة لإنشاء نظام دفاع مشترك يربط بين أنظمة الاعتراض ونقل المعلومات الاستخباراتية من الرادارات والأقمار الصناعية في الوقت الفعلي، ويضاف إلى ذلك:

الاختلاف في الأنظمة:

 تشغل “إسرائيل” أنظمة اعتراض – قبة حديدية وعصا سحرية وأنظمة أخرى – مصنوعة محلياً بينما تشغل دول المنطقة مزيجاً من الأنظمة الدفاعية الأمريكية والروسية والصينية، وكذلك فإن دول الخليج توجد تحت تهديد إيراني فوري وملموس، فالبنى التحتية النفطية عرضة للتهديد الإيراني والممرات الملاحية تسيطر عليها إيران، ومن الواضح أنها لن تخاطر بالتعاون العلني مع “إسرائيل”، وفي الواقع بعد موجة التناول العلني المفرط لحلف الدفاع الإقليمي المشترك بين “إسرائيل” والولايات المتحدة ودول المنطقة، جاءت خيبة الأمل خلال زيارة بايدن عندما أعلن المستشار السياسي لرئيس الإمارات أنور قرقاش أن بلاده لا تدعم تحالف إقليمي ضد أي دولة في المنطقة ولا سيما إيران، التي تعمل على إنشاء وتعزيز الجسور معها وحتى تعيين سفير للإمارات في طهران، كما صرح وزير الخارجية السعودي خلال القمة مع الرئيس بايدن بأنه لم يتم التوصل إلى أي إمكانية للتعاون العسكري أو الفني مع “إسرائيل”.

تعكس هذه التطورات والتصريحات بشكل جيد مدى تعقيدات المنطقة في مواجهة إيران:

 فمن ناحية يسود لدى دول الخليج فهم واسع بوجود تهديد من إيران وحلفائها، ولقد ثبت أن استعداد إيران لإطلاق الصواريخ والطائرات بدون طيار فعال ورادع، وكانت التحذيرات التي أطلقها المسؤولون الإيرانيون لدول الخليج صريحة وسافرة، ومن ناحية أخرى حتى عند تعرضوا للهجوم امتنعوا عن الرد واكتفوا بالإدانات التي كانت في الغالب تعبر عن الغضب وخيبة الأمل من عدم رد واشنطن، ولذلك فإن قرار إيران بإعطاء الأولوية لتحسين العلاقات مع جيرانها وقع على أرض خصبة، وعقدت سلسلة اجتماعات رفيعة المستوى بين إيران والإمارات، بالإضافة إلى خمس جولات من المحادثات مع المملكة العربية السعودية، واضح لجميع الأطراف تضارب المصالح التي ليست على وشك التغيير، لكن إيران ودول الخليج على حد سواء تفضل التوصل إلى تفاهمات بدلاً من استمرار الخلافات وحتى تصعيدها.

كانت الرسالة الرئيسة التي نقلتها إيران إلى جيرانها الخليجيين حادة وواضحة وتضمنت تهديداً واضحاً بالرد إذا اتضح أن التعاون العسكري مع “إسرائيل” يتقدم، ويعتمد الضغط العسكري الإيراني المباشر وغير المباشر بشكل أساسي على مجموعة من الصواريخ الموجهة والصواريخ الباليستية التي بنتها إيران في العقود الأخيرة وعلى مجموعة واسعة من الطائرات بدون طيار، وأدى احتمال تحرك إقليمي مشترك للتعامل مع التفوق الرئيسي لإيران على جيرانها وأيضاً ضد الاصطفاف الأمريكي في المنطقة إلى رد طهران بتهديدات قوية، ولذلك يجب الأخذ في الاعتبار احتمال أن علم طهران أو تقديرها بأن هناك خطوات يتم اتخاذها ضدها في الخفاء سيقودها إلى القيام بخطوات حركية توضح جدية نواياها.

وفي ملخص جولة زيارات الرئيس بايدن للمنطقة نتساءل: هل قوة “الردع الإسرائيلي” ضد إيران قويت أم ضعفت؟ هل ساعدت كثرة الحديث عن نظام إقليمي – كان هناك شك من البداية في ما اذا كان هناك فرصة في أن يتحقق ويبدو الآن أنه يتراجع – في الترويج للفكرة أم أضر بها؟ وأنه قد يكون من الأفضل العودة إلى أساليب العمل التي ركزت في الماضي على تعزيز المصالح الأمنية المشتركة ل “إسرائيل” ودول المنطقة سراً.

وعلى الهامش، الخطاب في “إسرائيل” والذي يتم فيه عرض القضية الفلسطينية على أنها لم تعد ذات أهمية لدول المنطقة، وبالتالي هي لا تعيق التطبيع بين “إسرائيل” والدول العربية يعزز من “رواية الخيانة” التي يروجها الفلسطينيون في انتقاداتهم لدول “الاتفاقيات الإبراهيمية”، وتتغلغل هذه الرواية في الرأي العام في دول المنطقة ولا تساهم بالتأكيد في خلق جو يجعل من الممكن إظهار العلاقات مع “إسرائيل” علناً.

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي