أخبارالشرق الأوسطالملف الإيرانيترجمات

حزب الله يتحدى “إسرائيل” المردوعة

ترجمة الهدهد

معهد أبحاث الأمن القومي/ أودي ديكل

(المضمون)

تدور بين “إسرائيل” وحزب الله معركة للسيطرة الجوية على الأجواء اللبنانية وشمال “إسرائيل”، والتي وسعها حزب الله أيضاً إلى مجال المياه الاقتصادية ل”إسرائيل” من خلال إطلاق ثلاث طائرات بدون طيار على “منصة الغاز الإسرائيلية” في حقل غاز “كاريش”، وينصح ل”إسرائيل” أن تدرس الاستفادة من الصراع الدائر في البعد الجوي، واستغلاله للرد على استفزازات حزب الله ومهاجمة أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية التي تم تزويد حزب الله بها في لبنان، وذلك للتلميح للتنظيم وراعيته إيران وإيصال رسالة لهم بأن “إسرائيل” لا تخشى المواجهة ولن تستمر في ضبط النفس حيال توسيع حدود المعركة وشدتها التي تشن ضدها.

أطلق حزب الله ظهر يوم السبت، 2 تموز/ يوليو، ثلاث طائرات مسيرة فوق البحر الأبيض المتوسط ​​باتجاه منصة التنقيب في حقل الغاز الطبيعي “كاريش” الموجود في “المياه الاقتصادية الإسرائيلية” المعترف بها دولياً.

وحلقت الطائرات المسيرة على علو منخفض، وسرعة بطيئة لجعل الأمر صعباً على أنظمة الكشف الرادارية “الإسرائيلية” لتحديد موقعها والتعرف عليها، لكن “الجيش الإسرائيلي” اكتشفها واعترضها باستخدام طائرة مقاتلة وصواريخ “براك” تم إطلاقها من سفينة صواريخ تابعة لسلاح البحرية، وبحسب “مصادر أمنية إسرائيلية” لم تكن الطائرات المسيرة تحمل متفجرات ولم يتم رصد انفجارات فرعية أو جانبية أثناء اعتراضها.

بفضل اكتشاف حقول الغاز في مياهها الاقتصادية قبل نحو عقدين من الزمن بدأت “إسرائيل” في السنوات الأخيرة في إنتاج كمية كافية من الغاز للطلب المحلي، وكذلك للتصدير إلى مصر والأردن وقريباً إلى أوروبا أيضاً.

تم تثبيت منصة التنقيب في حقل “كاريش” على بعد عدة كيلومترات جنوب المنطقة المتنازع عليها بين “إسرائيل” ولبنان حول خط الترسيم بين المياه الاقتصادية للبلدين، وهي قضية تجري بشأنها محادثات بوساطة أميركية، من أجل التوصل إلى اتفاق على خط الحدود البحرية واستخدام كلا الجانبين في حقول الطاقة التي تحت الماء.

وعلى ما يبدو كان هدف حزب الله هو تهديد “إسرائيل” من خلال إظهار قدرته على اختراق منطقة منصة الغاز وحتى التهديد بمهاجمتها مستقبلاً، مع عرض الصور الجوية كمواد دعائية للتنظيم، وبتفصيل أدق كأهداف لحزب الله:

  • تقديم نفسه على أنه من يدافع عن مصالح الدولة اللبنانية ويهتم بمستقبل طاقتها.
  • إثبات عدم خوفه من “إسرائيل”، وأنه مستعد لمواجهتها وإحراجها بإظهار قدرته على مهاجمة “منصات الغاز الإسرائيلية” في البحر المتوسط.
  • تصعيد التوتر في بخصوص الخلاف حول ترسيم الحدود البحرية بين “إسرائيل” ولبنان وتقاسم موارد الطاقة في البحر، وفي الوقت نفسه ردع الشركات الأجنبية عن الاستثمار في المشاريع التي تخدم “إسرائيل”.
  • تحسين المواقف أمام الولايات المتحدة كجزء من جهود الوساطة التي تبذلها الإدارة، أو بدلاً من ذلك إحباط إمكان التوصل إلى اتفاق – الذي بمجرد توقيعه سيفقد حزب الله الفوائد العائدة عليه من نقل النفط الإيراني عبر سوريا إلى لبنان، وفي قراره كيفية تقسيمه.

يبدو أن حزب الله انطلقت من فرضية احتمال ضئيل ل “رد إسرائيلي” في الوقت الحالي، بسبب ضعف “النظام السياسي الإسرائيلي” وتفضيله ضبط النفس واحتواء الأحداث التي قد تقود للتصعيد، خاصة قبل زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن المرتقبة إلى “إسرائيل” والمملكة العربية السعودية.

يمكن التخمين بأن إيران كانت من وراء كواليس إطلاق الطائرات المسيرة، كشريكة في التخطيط للعملية، فقد وسعت إيران في السنوات الأخيرة بشكل كبير من صناعة إنتاج الطائرات المسيرة بمختلف أنواعها، بما في ذلك مهاجمة الطائرات المسيرة الهجومية التي تحمل متفجرات ومدى يصل إلى مئات الكيلومترات.

كما تعمل إيران على نقل مختلف أنواع الطائرات بدون طيار إلى وكلائها الكثر في الشرق الأوسط: في العراق وسوريا ولبنان واليمن وحتى في قطاع غزة، وهكذا وبالتدريج أصبحت الطائرات المسيرة الهجومية تهديداً كبيراً في جميع أنحاء الشرق الأوسط، مستفيدة من الصعوبة أحياناً في اكتشاف آثار المرسل، والقيود أو الصعوبة في اكتشاف مسارات الطيران على ارتفاعات منخفضة جداً، والتعامل معها ك “أسلحة إرهابية” تستخدم دون عتبة الحرب.

في الصورة: رسم نشره قسم وسائل التواصل الاجتماعي لدى حزب الله، يظهر طائرات مسيرة فوق حقل الغاز “كاريش” أسفلها اقتباس أقوال يُزعم أنها كُتبت في “وسائل الإعلام الإسرائيلية” تقول: “سلاح الجو وجد صعوبة في اعتراض طائرتين من الثلاث طائرات المسيرة، وإن الطيارين قد واجهوا صعوبة في تعقب الطائرة الثانية وأرسلوا إليها صاروخاً فشل في اعتراضها، وإنهم واجهوا صعوبة في تعقب الطائرة الثالثة بدون طيار لأنها كانت تحلق على ارتفاع منخفض”.

وفي وقت مبكر من صباح ذلك السبت، وردت أخبار عن “غارة جوية إسرائيلية” في سوريا استهدفت أنظمة دفاع جوي إيرانية تم إنزالها على ما يبدو في ميناء طرطوس، ومن غير الواضح ما إذا كان الهدف هو نشرها في لبنان أم في سوريا نفسها. استثمرت إيران في العامين الماضيين موارد وجهوداً كبيرة في تسليح حلفائها بالذات سوريا وحزب الله بأنظمة دفاع جوي متطورة مصنعة في إيران.

في تموز/ يوليو 2020، وأثناء زيارة رئيس أركان الجيش الإيراني محمد حسين بكري إلى سوريا تم توقيع اتفاقية لتوسيع التعاون العسكري والأمني ​​والتكنولوجي بين البلدين، وكان أحد المكونات الرئيسية للاتفاقية هو تعزيز نظام الدفاع الجوي السوري من خلال الإمداد بأنظمة دفاع جوي متطورة، مثل نظام صواريخ أرض جو “بافار 373” – وهي نظام صواريخ أرض جو، وهو نسخة إيرانية لمنظومة “300-S” الروسية لمدى 250 كم -، وكذلك منظومات صواريخ أرض – جو متوسطة المدى “خورداد 3” “Khordad-3” لمدى 75 كم.

وفي الوقت نفسه، نُقلت منظومات دفاع جوي إيرانية متنقلة على متن شاحنة إلى حزب الله في لبنان، ما منحها القدرة على التنقل والتخفي، والتي تشمل رادارات كشف وتعقب صغيرة الحجم، وذلك محاولة لتقليص مجال عمل “سلاح الجو الإسرائيلي” في أجواء سوريا ولبنان، وبالفعل في العام الماضي تم الإبلاغ عن إطلاق صواريخ أرض – جو على “الطائرات الإسرائيلية”، أو على القنابل التي تم إسقاطها من الجو ومرت من فوق البقاع اللبناني.

وعلى مر السنين طور “سلاح الجو الإسرائيلي” تقنيات للتعامل مع محاولات الاعتراض من قبل منظومات الدفاع الجوي السوري المزود معظمه بأنظمة دفاع روسية وإيرانية أيضاً والتهرب منها.

تم إطلاق مئات الصواريخ على الطائرات والقنابل والذخائر التي أسقطت من الجو خلال السنوات الأربع الماضية، وفي بعض الأحيان ترد “إسرائيل” على محاولات الاعتراض بمهاجمة أنظمة الدفاع الجوي السورية، ومقابل ذلك فهي مترددة في مهاجمة أنظمة الدفاع الجوي التي يشغلها حزب الله ويخفيها في لبنان.

يرى زعيم حزب الله حسن نصر الله في استخدام الطائرات المسيرة وأنظمة الدفاع الجوي نوعاً من التوازن الاستراتيجي لتفوق “إسرائيل” الجوي الإقليمي، وعلاوة على ذلك، زاد حزب الله مؤخراً من استخدامه للطائرات المسيرة والحوامات للتصوير الفوتوغرافي لصالح دعايته ضد “إسرائيل” بشكل شبه يومي، وكذلك لمراقبة بناء الحاجز الأمني ​​على طول “الحدود الإسرائيلية” اللبنانية.

ومنذ حوالي ثلاثة أشهر، توغلت طائرة صغيرة بدون طيار في عمق “المجال الجوي الإسرائيلي”، حتى إن زعيم حزب الله حسن نصر الله تفاخر في العام الماضي قائلاً: “منذ أن بدأنا تشغيل نظام الدفاع الجوي لدينا تمكنا من تقليص حرية إسرائيل في العمل الجوي في سماء لبنان”.

وفي 5 أبريل 2022 تم تأكيد الأمر من قبل قائد سلاح الجو المنتهية ولايته، اللواء “عميكام نوركين”، الذي اعترف في مقابلة أمام الكاميرات العام الماضي عندما قال: “بالفعل لقد تضررت حرية إسرائيل في العمل في لبنان”.

ملخص وتوصيات

– التدخل الإيراني في الساحة الشمالية ل”إسرائيل” علانية وواضح: “إسرائيل” وإيران في ديناميكية يمكن وصفها عبر رسم بياني متصاعد من الهجمات المتبادلة في المسارات الحركية وفي محاولات الاغتيال والهجمات الإلكترونية ذات الاحتمالية المتزايدة لإلحاق الضرر بالجانبين.

-بإيحاء من إيران يتحدى حزب الله “إسرائيل” ويختبر خطوطها الحمراء التي ترسمها لتحديد نطاق عمله ضدها، ولكن دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة النطاق.

-نجاح حزب الله الكبير هو في إخراج لبنان من ساحة عمليات المعركة التي بين بين الحروب التي تشنها “إسرائيل” ضد التمركز العسكري لإيران ووكلائها في سوريا، وفي تقليص حرية عمل “سلاح الجو الإسرائيلي” في لبنان.

-خطوة أخرى في طريقة تحدي حزب الله لإسرائيل وهي في إدخال الطائرات المسيرة إلى أراضيها لتنظيم يمتلك مئات الطائرات بدون طيار لجمع المعلومات الاستخبارية والهجوم أيضاً، وأيضاً في إثبات تهديد مباشر على المواقع الاستراتيجية في “إسرائيل” وفي مياهها الاقتصادية.

-وعلى الرغم من نجاح “الجيش الإسرائيلي” في اكتشاف واعتراض الطائرات بدون طيار التي أرسلها حزب الله، إلا أن غياب “الرد الإسرائيلي” على تسللها سيؤدي حتماً إلى الحدث التالي، الذي قد يحدث في ظل ظروف أقل ملاءمة ل”إسرائيل”.

-أما بالنسبة لإيران وحزب الله، فمن المغري مهاجمة “منصة غاز إسرائيلية” خارج مياهها الإقليمية، بحجة أن هذه منطقة بحرية محل نزاع بين البلدين.

-ومن الصعب استبعاد التقدير، بأن حزب الله وإيران سيحاولان قريباً اختبار عزم وتصميم الحكومة الانتقالية في “إسرائيل”، واختبار حدود ضبط النفس لديها وحتى محاولة خلق فرصة لتغيير قواعد اللعبة في الساحة.

-لذلك، من المستحسن أن تدرس “إسرائيل” استغلال الصراع الدائر في المجال الجوي لمهاجمة أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية التي زود بها حزب الله في لبنان، في إشارة للتنظيم أن “إسرائيل” لا تخاف من المواجهة ولن تسمح له بتوسيع حدود وشدة المعركة التي يخوضها ضدها.

صحيح أن هذا يحمل في طياته خطر التصعيد، بسبب رغبة حزب الله للرد ورغبة نصرالله نفسه في أن تكون له الكلمة الأخيرة في كل جولة، لكن التوقيت الحالي، الأزمة الاقتصادية والسياسية في لبنان، والنقاش بين القوى وإيران حول تجديد الاتفاق النووي ليس مناسباً له ولإيران لتصعيد واسع النطاق وصولاً الى حرب، لذلك من المتوقع أن يحاول هو الآخر اختزال المواجهة في تبادل ضربات محدودة في الوقت والقوة، دون الانزلاق إلى معركة واسعة وطويلة.

أضف تعليقك

زر الذهاب إلى الأعلى