أخبارأصداء الشارع "الإسرائيلي"مقالات إستراتيجية

التجربة في الميزان: عام على العلاقات اليهودية العربية في “إسرائيل”ونظرة إلى المستقبل

ترجمة الهدهد

مركز هرتسيليا متعدد التخصصات/ د. ميخائيل ميلشتاين

المقال يعبر عن رأي كاتبه

احتلت مسألة “التجربة” في الأسابيع الأخيرة صلب الخطاب السياسي والعام والإعلامي في “إسرائيل”، والقصد من ذلك هو تحليل توقعات ودرجة نجاح أو فشل الحكومة الحالية التي تستند إلى الشراكة غير المسبوقة بين خصوم من أطراف الطيف السياسي حول مصالح مشتركة معظمهما مدنية وعامة، كل هذا مع الدفع بالفجوات العميقة التي تقف بينهم أو سدها، لا سيما تلك التي تتعلق بالهوية الوطنية وأمور الدين.

المحور الرئيس “للتجربة” يتعلق بالعلاقات اليهودية العربية، ويتجسد في الاندماج غير المسبوق لحزب عربي “راعام” بزعامة منصور عباس في ائتلاف حاكم في “إسرائيل”، حيث تم ذلك مع تقويض النموذج القديم وهو الجلوس على الحياد والذي تتشبث به الأحزاب العربية، وإعطاء الأولوية لحل مشاكل المواطن العربي، مع التركيز على القضايا السياسية لا سيما في السياق الفلسطيني والتي غالباً ما أثارت توترات مع “الدولة” والجمهور اليهودي.

في الأسابيع الأخيرة -وخاصة مع ظهور صعوبات في عمل الائتلاف في أعقاب الأزمة التشريعية في الضفة الغربية- دار نقاش حاد بين الجمهور العربي وكذلك اليهودي حول ميزان التجربة، ونتحدث هنا عن ملخص استنتاجاته لا تزال في طور التشكل مثل أن حقيقة تشكيل الحكومة الحالية، لا تحظى بإجماع واسع وحقيقي، وتعكس التحليلات السياسية أو الإعلامية المصاحبة له إلى حد كبير مصالح أولئك الذين يجرونه.

ولكي نكون عادلين يُسجل للحكومة إنجازات مثل الحد من الجريمة والعنف، والحد من تراجع الحوكمة في المجتمع العربي، وزيادة ثقل المواطن العربي في عملية صنع القرار، وزيادة الميزانيات في عدد من القضايا المدنية، ولكن من جانب آخر نشأت احتكاكات شديدة بين الجمهور العربي والمؤسسات اليهودية والمؤسسات الحكومية في العام الماضي، مثل أعمال الشغب في النقب، والموجة الأخيرة من العمليات التي نفذها فلسطينيون من الداخل، والتوتر في المسجد الاقصى الذي أدى إلى تجميد عضوية حزب “راعام” في الائتلاف، وأخيراً الخلاف حول التشريع بخصوص لوائح “قانون مستوطنات الضفة الغربية” التي شكلت نهاية مسار الحكومة.

إذاً يمكن القول إن تشكيل الحكومة نفسه ونجاحها في العمل لمدة عام، بالتعاون السياسي والعام بين اليهود والعرب يمكن أن يتوج كنجاح، ومع ذلك تبين بأن التظاهر بتجاوز خطوط الخلافات السياسية والدينية والأيديولوجية هو فشل، وأن الصدمات الرئيسية التي أدت في النهاية إلى نهاية الحكومة نشأت من تلك القضايا الخلافية، ومنذ اللحظة التي طرقت فيها تلك الخلافات باب الحكومة سلطت الضوء على الانقسامات وأثبتت أن هناك قضايا جوهرية أساسية في “إسرائيل” لا يمكن التوصل إلى إجماع بشأنها.

لقد رافق العام الماضي اتجاهات متضاربة من التقدم والانتكاسات، فمن ناحية: شراكة غير مسبوقة للعرب في صنع القرار في “إسرائيل”، وتوسيع مستمر لخط الاتصال بين المجتمعين ينعكس على المجالات العامة والاقتصادية والإعلامية والثقافية، ومن ناحية أخرى: هناك اغتراب متبادل ومتزايد بين الجمهور اليهودي، وخوف عميق من اندلاع موجة عنف أخرى من قبل عناصر في الجمهور العربي كما حدث في مايو 2021 خلال معركة سيف القدس، وبين الجمهور العربي هناك مشاعر رفض، وخاصة خوف من أن تجربة “راعام” كانت لمرة واحدة، وأنه من المشكوك فيه ما إذا كان من الممكن دمج حزب عربي في حكومة في “إسرائيل”.

ينعكس الواقع المشحون والاتجاهات المتناقضة في سلسلة من استطلاعات الرأي التي تُجرى كل عام والتي ظهرت منها عدة نتائج رئيسة: فجوة كبيرة بين تطلعات الجمهور العربي للعيش في مساحات مشتركة مع اليهود، وبين معارضة أغلبية اليهود لهذه الفكرة، واتهام غالبية الجمهور العربي للدولة بالمسؤولية عن الجريمة والعنف، على عكس غالبية الجمهور اليهودي الذي ألقى باللوم على المجتمع العربي في هذه القضية، وخوف مشترك بين الجمهورين من اندلاع موجة عنف أخرى، مثل تلك التي حدثت في مايو 2021 خلال معركة سيف القدس، وحتى أقوى منها.

شهدت العلاقة اليهودية العربية تغيراً عميقاً في العام الماضي، ومن المشكوك فيه ما إذا كان من الممكن إعادتها إلى المربع الذي كانت فيه حتى العام الماضي، على الرغم من الانتقادات الشديدة من المسؤولين في المجتمع العربي لـ حزب “راعام”، خاصة بسبب ادعائهم تحريفه للمبادئ الأيديولوجية لأغراض سياسية، لكن لا يزال يُنظر إلى مسار منصور عباس على أنه المسار الواقعي الوحيد، وكوسيلة لحل المشاكل وتحقيق التوفق الواسع النطاق لتعميق الاندماج، البدائل الأخرى هي الاستمرار في الوقوف على الحياد، أو موقف المتفرج الذي اخترعته القائمة المشتركة مع تجنب الاندماج من حيث المبدأ في السلطة، والتمسك بتحقيق هدف “الدولة” لجميع مواطنيها الذي ترفضه غالبية اليهود، وإلى جانبه رؤية “المجتمع المستقل” -المجتمع العصامي- التي يقودها زعيم الجناح الشمالي للحركة الإسلامية، وفي صلبه الدعوة إلى التمايز وتقليص الاتصال بمؤسسات الدولة والمجتمع اليهودي.

إذا تم تعريف صورة “التجربة” على أنها فشل في الخطاب العام العربي، فقد يؤدي ذلك إلى سلسلة من الصدمات المتزايدة التي ستؤثر على الواقع الاستراتيجي في “إسرائيل”، مثل الانخفاض الكبير في نسبة المشاركة العربية في الانتخابات -في الانتخابات الأخيرة سجلت نسبة مشاركة 44٪-، ومن هنا ينخفض أيضاً تمثيلهم وقدرتهم على التأثير على اتخاذ القرارات، وفيما بعد تتراجع العلاقة والصلة بين المجتمعين وتتطور علاقة مشحونة قد تندلع على شكل أعمال عنف.

 يُوجب العام الماضي على الجمهور العربي واليهودي على حد سواء استخلاص الدروس والعبر حتى يصبح من الممكن تطوير واقع مستقر في البلاد وتجنب السيناريوهات الصعبة التي وصفناها، أولاً من الضروري أن يدرك المجتمعان أنهما في مرحلة تاريخية حرجة في علاقتهما، وأن اختياراتهما وطريقة تصرفهما ستحددان ما إذا كان سينشأ تصعيد واسع، أو على العكس تراجع وإعادة تصميم جديد وإيجابي للعلاقات بينهم، من الضروري أن تكون هذه القضية في قلب الخطاب الانتخابي المقبل، ومن المهم أن يوضح المرشحون السياسيون مواقفهم من هذه القضية.

مطلوب من الجمهور العربي أن يدرك أن استمرار التلويح بالشعارات الأيديولوجية ذات الطبيعة المتشددة لا يساعد في حل مشاكله فحسب، بل يعمق أيضاً الاغتراب والعزلة عن معظم المجتمع اليهودي، -نظرة ثاقبة طورها عباس إلى سياسة براغماتية، بسببها يتلقى انتقادات قاسية سواء من اليهود أو العرب-، الجمهور اليهودي وخاصة الليكود والصهيونية الدينية الذين قد يرأسون الحكومة المقبلة، ملتزمون بالفهم العميق للعواقب الوخيمة المتوقعة من إغلاق بوابات الائتلاف أمام الأحزاب العربية، وبالإضافة إلى ذلك سيكون من الضروري إدراك أنه لا فائدة من الاستمرار في السعي وراء “وحيدي قرن سياسيين” على شكل العرب المؤيدين للصهيونية، ولكن التعاون مع أولئك الذين هم على استعداد لتقديم تنازلات عملية وأيديولوجية غير مسبوقة، وتأطير رؤية وأهداف طويلة المدى من أجل حل ضوائق يعاني منها المجتمعان هنا والآن.

سيتطلب من القادة السياسيين من كلا المجتمعين إظهار عظمة الروح، والفهم العميق لتيارات العمق، والساعة المصيرية التي تجسد في الوقت نفسه الفرص ولكن أيضاً المخاطر، “التجربة” اليهودية العربية المذكورة آنفاً فشلت في جزء ونجحت في جزء آخر، ومن المحتمل أن يكون التعريف الشامل “للتجربة” نفسها على أنها فشل تأثير يتجاوز البعد السياسي الضيق، وهذا قد يتسرب إلى الفضاء العام ويؤثر على الاستقرار الداخلي للبلاد، ويوضح النقاش بأكمله أنه على الرغم من القوة العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية ل”إسرائيل”، إلا أنها تعاني من مشاكل أساسية في ساحتها الداخلية، والتي من دون معالجة شاملة ولكن دقيقة لها، من المحتمل أن تندلع وتقوض الحصانة الوطنية للبلاد، وربما في المستقبل القريب.

أضف تعليقك

زر الذهاب إلى الأعلى