أخبار رئيسيةترجماتشؤون دولية

تصدير “غاز فلسطين المسروق” إلى أوروبا: خطوة أولية بالغة الأهمية

ترجمة الهدهد
جيروساليم بوست/ غبريال متشل “المعهد الإسرائيلي للسياسات الخارجية الإقليمية”

منذ اكتشاف الغاز الطبيعي البحري في العقد الماضي، سعى “المسؤولون الإسرائيليون” إلى عقد اتفاقية تصدير من شأنها نقل الغاز الطبيعي إلى أوروبا، وفي الأسبوع الماضي، اتخذت “إسرائيل” الخطوة الأكثر أهمية حتى الآن نحو تحقيق هذا الهدف من خلال توقيع مذكرة تفاهم مع مصر والاتحاد الأوروبي.

تنص مذكرة التفاهم على أن “إسرائيل” ومصر ستزيدان مبيعات الغاز الطبيعي لدول الاتحاد الأوروبي، التي تحاول في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا تقليل اعتمادها على الوقود الروسي، ووفقاً للاتفاقية ستقوم “إسرائيل” بتسليم الغاز الطبيعي عبر خط أنابيب إلى مصر، حيث سيتم تحويله بعد ذلك إلى غاز طبيعي مسال (LNG) وبيعه في السوق الأوروبية.

هناك سبب وجيه للجدل حول الاتفاقية، حيث يقوم الاتحاد الأوروبي بالسعي لاستبدال 150 مليار متر مكعب والتي قدمتها روسيا في السنوات الماضية والتي تشكل 40 ٪ من إجمالي احتياجاتها السنوية، بالتزام “إسرائيل” ومصر بتصدير الغاز الطبيعي إلى أوروبا، وقد أعادت “إسرائيل” ومصر تأكيد التزاماتهما تجاه جهود الغرب في هذا الصراع.

وبعد سنوات من المناقشات التي فشلت في تحقيق أي ثمار، يعد توقيع مذكرة التفاهم هذه إنجازاً مهماً بشكل خاص لـ “إسرائيل” – وإن كانت هذه نتيجة ثانوية للتطورات الجيوسياسية الخارجة عن سيطرة أي شخص.

تتعلق دبلوماسية الطاقة الناجحة ببناء الثقة والزخم نحو المستقبل بقدر ما تتعلق بأي مشروع فريد في الوقت الحاضر، فقد تحقق هذه الاتفاقية الجديدة كلا الأمرين، وتعالج المخاوف الفورية بينما تقدم بروكسل وكيان العدو فرصة لتنويع علاقات الطاقة بينهما في السنوات القادمة.

كانت لغة مذكرة التفاهم غامضة، حيث استخدمت مصطلحات مثل “محاولة” و”استكشاف الاحتمالات” لتعكس مصلحة مشتركة في التعاون، دون إلزام الأطراف قانونياً بأي التزامات تعاقدية، وقد تم ذلك عمداً، حيث يشهد سوق الطاقة العالمي تغيراً هائلاً والجميع يتحوطون في رهاناتهم في حالة ظهور صفقة ميسورة التكلفة.

لا تلتزم مذكرة التفاهم بالاستثمار في بنية تحتية جديدة من شأنها زيادة قدرة “إسرائيل” على تصدير الغاز الطبيعي أو قدرة مصر على تسييله، في الوقت الحالي يمكن لـ “إسرائيل” تسليم ما بين 7-10 مليارات متر مكعب إلى مصر عبر عقود التصدير الحالية، حيث يمكن بعد ذلك تحويلها إلى غاز طبيعي مسال وبيعها في السوق العالمية، فيما ستتيح مشاريع خطوط الأنابيب المستقبلية زيادة هذه الكمية، لكن محطات الغاز الطبيعي المسال في مصر يمكنها فقط تحويل حوالي 17 مليار متر مكعب سنوياً.

بعبارة أخرى، تنسج مذكرة التفاهم بشكل فضفاض مصالح الطاقة في الاتحاد الأوروبي مع شراكة الطاقة الحالية بين “إسرائيل” ومصر، فضلاً عن الاتجاه الأوسع للتعاون في مجال الطاقة في شرق البحر المتوسط، هذا لا يغير قواعد اللعبة التي من شأنها أن تغير أمن الطاقة الأوروبي، بل هو قطعة من اللغز المعقد الذي تحاول بروكسل معالجته بمزيج من السياسات قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل بشأن استيراد الوقود الأحفوري وتطوير مصادر مشاريع الطاقة المتجددة، وهذا يعني أيضاً أن الصادرات المستقبلية إلى أوروبا لن تضعف بشكل كبير أمن الطاقة لـ “إسرائيل”، كما ادعى البعض، فالكميات ليست كبيرة بما يكفي والإطار الزمني الذي يناقشه الطرفان ليس طويلاً بما يكفي.

لتعظيم إمكانات هذه الاتفاقية بالكامل، يجب على “إسرائيل” اتباع طرق إضافية بخلاف صادرات الغاز الطبيعي لدعم جهود أوروبا، وشأن الاستثمار في البنية التحتية المتجددة والتكنولوجيا أن يمكّن “إسرائيل” من توسيع قدرتها التخزينية (والتي بدورها ستسمح لها بتصدير المزيد من الغاز الطبيعي)، فضلاً عن المساهمة في الجهود الدولية للانتقال من الوقود الأحفوري، ولا يزال يتعين على “إسرائيل” إعطاء الضوء الأخضر لمحول EuroAsia Interconnector، وهو موصل كهربائي مقترح أو كابل عالي الجهد من شأنه أن يربط أنظمة الكهرباء في اليونان وقبرص و”إسرائيل”.

على عكس خطوط الأنابيب، تقوم الموصلات البينية بنقل الكهرباء في كلا الاتجاهين، ويُنظر إليها عموماً على أنها واحدة من أفضل المركبات لتعظيم نقاط قوة الطاقة المتجددة، تخيل سيناريو قامت فيه “إسرائيل” – إلى جانب دول أخرى في الشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسط ​​- بتزويد أوروبا بالكهرباء المتجددة، بالكمية الصحيحة من الوساطة الأمريكية، قد تجد “إسرائيل” اللغة المناسبة للتوصل إلى اتفاقية الحدود البحرية مع لبنان، وبالتالي تمكين شركات النفط والغاز الدولية من استكشاف مياه البحر الأبيض المتوسط ​​الإضافية واكتشاف المزيد من الهيدروكربونات.

عندما اجتمع قادة العالم في مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي في غلاسكو في نوفمبر الماضي، ركزت المحادثة على الانتقال إلى مصادر الطاقة المتجددة ومكافحة تغير المناخ، بينما أدى الغزو الروسي لأوكرانيا إلى تغيير جذري في المصالح قصيرة المدى لأوروبا وحلفائها، فإن تلك الأهداف طويلة المدى تظل دون تغيير.

إن دول شرق البحر الأبيض المتوسط مثل “إسرائيل”، التي يمكنها التنقل ببراعة بين هذه الاتجاهات المتناقضة إلى حد ما، لن تلعب دوراً بناءً في دعم أوروبا خلال هذه الأزمة الحالية فحسب، بل ستساعد في وضع الأسس لغد أكثر ترابطاً وقابلية للتجدد.

غبريال متشل: الكاتب زميل سياسات في “المعهد الإسرائيلي للسياسات الخارجية الإقليمية”، ومدير الدراسات الجامعية في جامعة نوتردام في طنطورة.

أضف تعليقك

زر الذهاب إلى الأعلى