أخبار رئيسيةالشرق الأوسطشؤون دولية

زيارة بايدن للشرق الأوسط: مزيج من الروابط الاستراتيجية

ترجمة الهدهد
معهد القدس للإستراتيجية والأمن
البروفيسور ايتان جلبوع/ خبير في شؤون الولايات المتحدة ووسائل الإعلام الدولية والدبلوماسية العامة

  يتمثل أحد الأهداف الرئيسية لزيارة بايدن القادمة إلى الشرق الأوسط في إضافة حلقة إلى نظام التحالفات الإستراتيجية التي ينشئها لكبح المعارضين وتقوية الأصدقاء . وتنبع تحركاته من الموقف المبدئي للرؤساء الأمريكيين الثلاثة الآخرين – أوباما وترامب وبايدن – الموقف الذي يرى أنه بعد الحربين الفاشلتين في أفغانستان والعراق لم تعد الولايات المتحدة قادرة على العمل بمفردها كـ “شرطي العالم.

ويسعى بايدن جاهدًا من أجل التعاون الإستراتيجي وإنشاء تحالفات إقليمية جديدة حول العالم، يمكنها التعامل مع التهديدات القديمة والجديدة.  إلى حد كبير هو يعود إلى حزام التحالفات الذي أنشأته الولايات المتحدة لاحتواء الاتحاد السوفيتي في بداية الحرب الباردة والتي هي : الناتو في المحيط الأطلسي، وسياتو في جنوب شرق آسيا، وتحالف بغداد في الشرق الأوسط.

حدد الرؤساء الأمريكيون الثلاثة الصين باعتبارها المنافس الرئيس للولايات المتحدة في السيطرة والنفوذ على الساحة الدولية في القرن الحالي . ومن ناحية أخرى تعد الصين عاملاً مهمًا في الاقتصاد العالمي؛ لذلك يمكن تعريفها على أنها “عدو لدود” – وصديق ومنافس للولايات المتحدة في نفس الوقت – ؛ صديق وشريك في المجالات الاقتصادية ومنافس في المجالات الأمنية.

واختار ترامب مواجهة الصين اقتصاديًا في الغالب من خلال الحروب التجارية والرسوم الجمركية المرتفعة. ولتخفيف الوضع الاقتصادي الصعب في الولايات المتحدة يدرس بايدن تخفيف الرسوم الجمركية على الصين، وفي نفس الوقت إقامة تحالفات جديدة لردع طموحاتها العسكرية تجاه تايوان وحلفاء الولايات المتحدة الآخرين في آسيا.

في سبتمبر 2021، شكّل بايدن تحالفين دفاعيين مهمين في آسيا وهما : التحالف الناطق باللغة الإنجليزية AUKUS وهو اختصار لأستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، والتحالف الرباعي، ويضم الولايات المتحدة وأستراليا واليابان والهند . وتم تصميم التحالفات لتطوير تعاون هادف في مختلف المجالات العسكرية والأمنية، وزعمت الصين أن التحالفات كانت موجهة ضدها وانتقدتها بشدة.

خلال زيارته المرتقبة، من المقرر أن يشكل بايدن تحالفًا دفاعيًا إقليميًا في مؤتمر سيعقد في مدينة جدة في السعودية، ستحضره الولايات المتحدة ومجموعة من الدول العربية (جميع دول الخليج والمملكة العربية السعودية مصر والأردن والعراق). ولن تشارك “إسرائيل” في المؤتمر لكنها ستكون دولة رئيسية في التحالف. وبهذا المفهوم يواصل بايدن سياسة ترامب كما انعكست في “الاتفاقات الإبراهيمية”.

ويهدف التحالف إلى صد إيران، وسيعتمد في المرحلة الأولى على نظام دفاع جوي ضد الصواريخ والطائرات بدون طيار الإيرانية. ومن المحتمل أن ينجح بايدن في تحقيق تطور في العلاقات بين “إسرائيل” والسعودية. والهدف هو إيصال رسالة مزدوجة إلى الأصدقاء والأعداء على حد سواء : بأنه على الرغم من تصريحات وإعلانات وأفعال آخر ثلاثة رؤساء امريكيين، بما في ذلك انسحاب بايدن الفاشل من أفغانستان فإن الولايات المتحدة ليس لديها خطط لمغادرة الشرق الأوسط، وستستمر في المشاركة والتدخل في العمليات الرئيسية فيه. الرسالة الثانية لإيران وهي أنه هناك فرصة أخيرة بعد الفرصة الأخيرة للتوصل إلى اتفاق نووي، وإلا فإن الثمن سيكون دعم وإقامة تحالف دفاعي إقليمي ضدها.

إن العنصر الأساسي في التحالف المخطط له هو السعودية، وليس من قبيل المصادفة أن يزورها بايدن، وأن يعقد المؤتمر التأسيسي للتحالف على أراضيها. لقد غير بايدن سياسته بالكامل تجاه المملكة العربية السعودية. وهو نفسه وأعضاء حزبه الديمقراطي، وخاصة من يسمون أنفسهم تقدميين، هاجموا بشدة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بسبب تورطه في اغتيال المواطن الصحفي جمال خاشقجي وبسبب انتهاكات حقوق الإنسان . وتسبب هذا الانتقاد في أزمة حادة بين البلدين. وتهدف زيارة المملكة العربية السعودية إلى تحقيق المصالحة مع بن سلمان.

السبب الرئيسي لتغيير السياسة الأمريكية تجاه السعودية هو الحرب في أوكرانيا وعواقبها الاقتصادية. وتسببت العقوبات المفروضة على روسيا في ارتفاع حاد في أسعار الوقود في أمريكا، ووصلت إلى أعلى مستوى لها على الإطلاق – أكثر من 5 دولارات للجالون. وبلغ معدل التضخم 8.6٪، وهو الأعلى منذ أربعين عاما. وأسعار الفائدة وتكاليف المعيشة آخذة في الارتفاع بمعدلات كبيرة. كل هذا يزيد من فرص فوز الجمهوريين في الانتخابات النصفية التي ستجرى في أقل من خمسة أشهر . وقرر بايدن أن الاقتصاد أهم من الانتقادات التي تلقاها من الجناح التقدمي، وطالب بن سلمان بزيادة إنتاج النفط لتقليل النقص الناجم عن العقوبات على روسيا؛ لكن الأخير رفض رفضًا قاطعًا، وطالب بتغيير سياسة بايدن، بما في ذلك زيارة المملكة العربية السعودية فاستسلم بايدن للضغوط الاقتصادية الداخلية والخارجية.

كما تظهر الصين في خلفية التحركات الأمريكية. في مارس 2021 وقع وزيرا خارجية إيران والصين في طهران اتفاقية تعاون إستراتيجي مدتها 25 عامًا. وتعهدت الصين باستثمار 400 مليار دولار في سوق الطاقة الإيراني مقابل مشتريات ضخمة من النفط والغاز بسعر مخفض. وتهدف الاستثمارات إلى اكتشاف وتطوير حقول النفط والغاز وشراء المنتجات البتروكيماوية. في السنوات الأخيرة تجاوزت الصين العقوبات التي فرضها ترامب على إيران واشترت منها كميات كبيرة من النفط. وتسمح الاتفاقية للصين بوضع حوالي 5000 من أفراد الأمن التابعين لها في إيران، وهو ما يعد بالفعل موطئ قدم عسكري للصين هناك . من ناحية الولايات المتحدة من المفترض أن يوقف تحالف الشرق الأوسط أيضًا اختراق الصين لإيران.

لذلك، خلال الزيارة إلى المنطقة ستكون هناك قمة أخرى عبر الــ Zoom، على مستوى القادة، تربط تحالفات آسيا مع التحالف الإقليمي القائم. وهذه مجموعة رباعية أخرى تتكون من الولايات المتحدة و”إسرائيل” والإمارات والهند. ويُطلق على التحالف باللغة الإنجليزية I2U2، وهما دولتان يبدأ اسمهما بالإنجليزية بــ I “إسرائيل” والهند، ودولتان يبدأ اسمهما بU، الولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة. وتربط الولايات المتحدة والهند بين التحالفات الآسيوية وتحالف الشرق الأوسط.

هناك تغييرات تكتونية تحدث في نظام القوات في الشرق الأوسط، و”إسرائيل” لها مكانة مركزية فيها. أعلن البيت الأبيض أن الزيارة إلى “إسرائيل” ستتم حتى لو تفكك ائتلاف بينت ولبيد نهائياً. في الأيام العادية كان بايدن سيمتنع عن زيارة “إسرائيل” لكي لا تفسر على أنها تدخل في السياسة “الإسرائيلية”. لكن بايدن يصل إلى “إسرائيل” في وقت حساس بشكل خاص يشمل الجمود في المحادثات النووية مع إيران، إنتاج اليورانيوم المخصب بالقرب من المستوى العسكري، وقرار مجلس إدارة وكالة الطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة بإدانة إيران لخرق الاتفاقات والالتزامات والرد الإيراني بإغلاق كاميرات المراقبة في المواقع النووية؛ التوتر والغضب بين حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة بشأن سياسات بايدن، وتداعيات الحرب في أوكرانيا وانتخابات الكونجرس المقبلة في الولايات المتحدة. لم يعد بإمكان بايدن انتظار حماقة السياسة “الإسرائيلية” وجولة أخرى من الانتخابات التي لا يعرف أحد كيف ستنتهي.

أضف تعليقك

زر الذهاب إلى الأعلى