البرنامج النووي الإيراني يتقدم، واحتمالات العودة إلى الاتفاق النووي تتضاءل

ترجمة الهدهد

سيما شاين افرايم اسكولاي/ معهد أبحاث الأمن القومي

المقال يعبر عن رأي كاتبه

لقد مر أكثر من عام على استئناف المحادثات النووية في “فيينا”، ولا يبدو هناك اتفاق في الأفق، والنظام الإيراني يزيد من معدل “انتهاكاته” للاتفاقيات، بطريقة تجعل من الصعب الوصول إلى تفاهمات، الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة، والآن على القوى  و”إسرائيل” الاستعداد لواقع دون اتفاق، مع التقدم في البرنامج النووي.

لقد أدى الجمود في المحادثات بين إيران والولايات المتحدة بشأن العودة إلى الاتفاق النووي، وإدانة مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية لإيران بسبب عدم التعاون من جانبها إلى تفاقم التوترات بينها وبين النظام الدولي، فيما تستغل طهران الأزمة لزيادة التخصيب إلى مستويات عالية، وتركيب أجهزة طرد مركزي متطورة من شأنها زيادة إنتاج التخصيب، وإزالة بعض الكاميرات التي تراقب أنشطتها، وستكون الأسابيع المقبلة حاسمة بالنسبة لمستقبل البرنامج النووي الإيراني، وسيتعين على واشنطن والشركاء الأوروبيين في الاتفاق النووي الأصلي اتخاذ قرارات صعبة.

تصاعدت التوترات المستمرة بشأن برنامج إيران النووي في الأيام الأخيرة، وفي 9 يونيو قرر “مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية” مطالبة إيران بالتعاون وتقديم إجابة فورية للأسئلة التي مازالت مفتوحة، ولكن إيران ردت بإغلاق عمل ما يقارب 27 كاميرا مراقبة تابعة للوكالة -تلك الموجودة في الاتفاق النووي، وليست الموجودة في اتفاقية المراقبة الخاصة بمعاهدة حظر الانتشار النووي- وتمثل هذه الخطوة الإيرانية عملية بدأت منذ أكثر من عام، قررت فيها طهران التوقف عن الوفاء بمتطلبات “البروتوكول الإضافي” للوكالة الدولية للطاقة الذرية، كجزء من خطوات انتهاك الاتفاق النووي (JCPOA)، والتي بدأت بعد انسحاب الرئيس ترامب منه.

ولم يُعرف بعد بالضبط من أين تم إزالة الكاميرات التي من المفترض أن توفر معلومات مهمة جداً لمراقبة نقل المواد، وربما حتى بخصوص التخصيب إلى مستوى عالٍ، ورداً على ذلك أوضح المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية أنه في غضون أسابيع قليلة لن يكون قادراً على تقديم صورة موثوقة لما يحدث في البرنامج النووي الإيراني.

وقبل قرار “مجلس المحافظين” الذي صدر بدعم من 30 دولة، ومعارضة دولتين هما روسيا والصين، وامتناع ثلاث دول وهم الهند وليبيا وباكستان، قام المدير العام للوكالة بنشر تقريرين عن إيران، أحدهما يتناول صورة الوضع في البرنامج النووي، والآخر يتناول الحوار الذي تجريه الوكالة مع إيران منذ ما يقارب أربع سنوات حول أربعة مواقع غير معلن عنها، حيث عُثر في ثلاثةٍ منها على آثار يورانيوم مر بمرحلة معالجة من قبل إنسان، وأدلة اخرى على نشاط نووي.

يؤكد تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشكل صريح أن إيران لم تقدم تفسيرات موثوقة من الناحية التكنولوجية، ووفقاً لذلك يذكر التقرير أن الوكالة لا تستطيع تأكيد صحة وسلامة البيانات الإيرانية كما تم تقديمها على مدار السنوات، بموجب التزامها في اتفاقيات الرقابة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

إن سلوك إيران في المواقع التي لم يتم الإعلان عنها للوكالة الدولية للطاقة الذرية، ينتهك التزاماتها بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية “NPT”، واتفاقيات الرقابة، وهو الذي شكل الأساس لقرار “مجلس المحافظين” الذي يدين عدم تعاون إيران، ويطلب منها تعاوناً فوريا، وعلى الرغم من أن القرار هو حالياً إعلانياً فقط، إلا أنه قد يكون أساساً في المستقبل للإقرار بأن إيران في حالة انتهاك “non-compliance”، وتحويل القضية إلى مجلس الأمن.

يتناول التقرير الثاني وضع البرنامج النووي، حيث إن أكثر المعطيات إثارة للقلق هو التقرير حول مراكمة نحو 43 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 %، بالإضافة إلى كميات كبيرة من اليورانيوم عند مستويات تخصيب أقل، وهناك من يعتقد أن هذا القدر أو الكم كافٍ أو قريب جداً مما مطلوب للتخصيب العالي للمنشأة النووية الأولى –للتأكيد، الحديث هنا يدور فقط عن مواد انشطارية وليست القنبلة نفسها-. ومن ضمن مجموعة التهديدات التي تم إطلاقها في طهران في الأيام الأخيرة، ظهرت احتمالات وصول التخصيب إلى مستوى مرتفع حوالي 90 %، مع التلميح إلى تفسيرات مدنية محتملة، والانسحاب من اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية “NPT”، مثل هذه التهديدات صدرت أيضاً في الماضي، ولكن حتى الآن اتخذت إيران بالفعل خطوات مدروسة وحكيمة، مع دراستها لردود الفعل على تحركاتها ودراستها للأثمان المحتملة.

وفي العام الماضي، وعلى وقع محادثات فيينا التي كانت تهدف إلى إعادة واشنطن وطهران إلى الاتفاق النووي، عززت إيران من برنامجها النووي بخطوات مدروسة مع كونها تصعيدية، وذلك تحت مظلة المسار الدبلوماسي وقَبول الغرب لرؤية هذه الإجراءات على أنها ورقة مساومة تستخدمها لتحسين مواقفها في المفاوضات، ووفقاً لجهات شاركت في المفاوضات فإن مسودة الوثيقة المتفق عليها تغطي معظم القضايا مع التركيز على التكنولوجيات، وقد تركت عملياً مسألتين طرحها الإيرانيون: إزالة الحرس الثوري من قائمة وزرارة الخارجية “للإرهاب” (FTO)، وضمانات بأن واشنطن لن تنسحب مرة أخرى من الاتفاقية، ولهاتين المسألتين تداعيات سياسية على الجانبين وهي التي تمنع التوصل إلى نهاية إيجابية والعودة إلى الاتفاق النووي.

إن المعنى العملي لقرار إيران بفصل الكاميرات التي لها علاقة بالاتفاق النووي، وترك تلك القرارات الملزمة بها بموجب توقيعها على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية واتفاقية الرقابة الأصلية، هو أن الانسحاب نهائياً بعد العديد من الانتهاكات الصغيرة والمهمة للاتفاق النووي دون الإعلان الصريح عن ذلك، يسمح لها في أي لحظة إن ارادت بالعودة إلى المحادثات ومحاولة الدفع بشأن العودة إلى الاتفاق النووي، وهي خطوة لا تزال واشنطن وشركاؤها الأوروبيون بريطانيا وفرنسا وألمانيا مهتمين بها وتدعو طهران لاتخاذها، ولذلك، في الواقع تحتفظ إيران بيدها بورقة المساومة الأساسية، رغم كل الانتهاكات، التي يمكن أن تنقض بعضها إذا اختارت العودة إلى الاتفاق.

قرار إيران بفصل الكاميرات المتعلقة بالاتفاق النووي، وترك الكاميرات الأخرى التي تضعها بموجب معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية “NPT” “واتفاقية الرقابة الأصلية، دلالاته العملية هي خروج نهائي بعد العديد من الانتهاكات الصغيرة ولكنها مهمة للاتفاق النووي، دون إعلان صريح عن ذلك، وهذا لا يمنعها في أي لحظة، إن أرادت، من العودة إلى المحادثات ومحاولة الدفع بالاتفاقات بشأن العودة إلى الاتفاق النووي، وهي خطوة لا تزال واشنطن وشركاؤها الأوروبيون، بريطانيا وفرنسا وألمانيا مهتمين بها، وتدعو طهران لاتخاذها، لذلك تحتفظ إيران في الواقع بورقة المساومة الأساسية في يدها رغم كل الانتهاكات التي يمكنها أن تتراجع عن بعضها إذا ما اختارت العودة إلى الاتفاق.

وفي ظل الظروف الحالية، عندما لا تملك الوكالة الدولية للطاقة الذرية قدرة جيدة على متابعة ما يحدث في إيران في الشأن النووي، يبقى هناك مجال لإثارة سؤال يحوم حول “محادثات فيينا” منذ البداية، وهو: هل إيران، وتحديداً زعيمها الأعلى علي خامنئي، مهتمة حتى بالعودة إلى الاتفاق؟ أم أن فترة المفاوضات التي زادت عن عام كانت تهدف فقط إلى كسب ايران مزيداً الوقت، مع عدم وجود نية حقيقية لديها للتنازل والتراجع عن البرنامج النووي المتقدم؟ من الواضح أنه كلما مر الوقت وتقدم البرنامج تتضاءل الفرص والفوائد للعودة إلى الاتفاقية، ويتعزز الانطباع بأن النظام الإيراني لا يرى فائدة كبيرة من عودته إليها، على الرغم من أن الوضع الاقتصادي الصعب في إيران لا يزال نقطة ضعف بالنسبة للنظام -وصل الريال الإيراني مقابل الدولار إلى أدنى مستوى له على الإطلاق “حوالي 300 ألف ريال للدولار”- والاحتجاجات تستمر طوال الوقت بسبب الوضع الاقتصادي، وكذلك يستمر الجدل في إيران حول سبل تحسين الوضع، بما في ذلك العودة إلى الاتفاق النووي مقابل رفع العقوبات.

حتى الآن، اختار النظام بقيادة الزعيم علي خامنئي التمسك بسياسة “المقاومة الاقتصادية”، هذا بسبب عدم ثقته الأساسية في الإدارة الأمريكية وخاصة الإدارة المقبلة، والفهم بأن الإنجازات الاقتصادية من المرجح أن تكون متواضعة، والرغبة في التقدم إلى وضع دولة عتبة نووية واضحة، وكل هذا يدعمه تقييم إيران بأن الحرب في أوكرانيا تستحوذ على الانتباه الكامل للبيت الأبيض، وأن الرئيس بايدن لا يزال مهتماً بالعودة إلى الاتفاق، ولا يوجد جدية للقيام بعمل عسكري ضد إيران، والضربات التي تتلقاها في عمليات سرية يمكن تحملها من ناحيتها.

إن تحركات إيران الأخيرة -وإذا لم يتم العثور على صيغة وساطة في المستقبل القريب- تضع الولايات المتحدة وشركاءها الأوروبيين أمام الحاجة إلى صياغة سياسة لسيناريو عدم وجود اتفاق، وإحراز مزيد من التقدم في البرنامج النووي الإيراني في ظل غياب الرقابة، وهنا تبرز القضية مرة أخرى على الجدول وهي الاحتمالية الموجودة في الاتفاق النووي -الــ “snapback”-، والتي بموجبها يمكن لأحد الشركاء في الاتفاقية -ليس الولايات المتحدة التي انسحبت منها- أن يتقدم إلى مجلس الأمن، ويعلن أن إيران تنتهك الاتفاقية ويتطلب تجديد عقوبات مجلس الأمن -التي رفعت ضمن قرار2231 الذي تبنى الاتفاق النووي- وهذا من دون إمكانية استخدام “الفيتو”، هذه الخطوة، التي هي رمزية في الأساس، ستغلق الباب أمام إمكانية العودة إلى الاتفاق النووي، لذا في هذه المرحلة هناك إحجام عن اتخاذها، ومن الممكن تعزيز وتشديد الرقابة على تنفيذ العقوبات القائمة وخاصة صادرات النفط التي زادتها إيران مؤخراً، مستغلة الضائقة بسبب العقوبات المفروضة على روسيا.

وعلى “إسرائيل” من جانبها التركيز على صياغة تفاهمات مع الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين في المحادثات النووية فيما يتعلق بالسيناريوهات المستقبلية، وذلك مع التركيز على إعداد رد على التقدم المقلق بشكل خاص في البرنامج النووي، وفي إعلان إيران عن تخصيب اليورانيوم بنسبة 90٪، أو في الحالة الخطيرة مثل الإعلان عن الانسحاب من “معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية”.

أضف تعليقك

زر الذهاب إلى الأعلى