أخبار رئيسيةشؤون دوليةمقالات إستراتيجية

العلاقات بين الولايات المُتحدة ودول الخليج العربي

هل هي أزمة عابرة؟

ترجمة الهدهد
يوئيل غوزنسكي وإلداد شبيت

تحسباً لزيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن للشرق الأوسط ولقائه مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، قامت واشنطن والرياض بتسريع المحادثات بينهما في محاولة لتحسين العلاقات التي تميزت منذ دخول بايدن للبيت الأبيض بالفتور الكبير.

فالتوتر في العلاقات جاء على خلفية الحرب في أوكرانيا والشعور السعودي والإماراتي بأن الإدارة الأمريكية على عكس سابقتها لا تعتبرهم حلفاء رئيسيين، وأنها تتصرف أحياناً بشكل يتعارض مع مصالحهم الأساسية.

إن تحسين العلاقات بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية سيؤثر أيضاً على “إسرائيل” وخاصة اهتمامها بمواصلة عملية التطبيع الإقليمي – وتعميق الاتفاقات مع دول الخليج وإضافة دول أخرى إلى العملية – وعلى رأسها المملكة العربية السعودية.

وقد أفادت الأنباء مؤخراً أن الرئيس الأمريكي جو بايدن يفكر في زيارة المملكة العربية السعودية والاجتماع مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال زيارته المحتملة إلى الشرق الأوسط، وفي الوقت نفسه سرعت الدولتان في الحوار بينهما بما في ذلك خلال زيارة نائب وزير الدفاع السعودي لواشنطن حول سبل تحسين العلاقات.

وفي حال عقد الاجتماع فسيكون ذلك تغييراً كبيراً في العلاقات التي اتسمت منذ دخول بايدن إلى البيت الأبيض بفتور كبير، واشتد في الأشهر الأخيرة بعد أن رفض السعوديين بشدة طلبات الإدارة لزيادة إنتاج النفط للمساعدة في خفض أسعاره في أعقاب الحرب في أوكرانيا وما نتج عنها من أزمات.

وكان السبب الرئيس في تدهور العلاقات هي سياسة إدارة بايدن، التي أعلنت في بدايتها عن إعادة تقويم” علاقات الولايات المتحدة مع المملكة العربية السعودية، وهذا بعد أن شهدت العلاقات بين الدولتين في عهد حكم الرئيس دونالد ترمب ازدهاراً وعلاقة حميمة بين القادة، حتى إن الرئيس بايدن أوفى بوعده الذي قطعه أثناء الانتخابات ونشر تقريراً صادراً عن أجهزة المخابرات الأمريكية يفيد بأن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بحكم منصبه ومكانته، مسؤولاً عن مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي.

تشعر الرياض وأبو ظبي بقلق، خاصة إزاء تراجع الاهتمام الأمريكي بمشاكلهما الأمنية، وغاضبتان من أنه في الوقت الذي تتنظر منهما واشنطن أن تستجيبا بسرعة لمطالبها الأخيرة في سياق إنتاج النفط، فإنها تدير ظهرها لمطالبها في المجال الأمني، وأدت سياسات الإدارة الأمريكية في الشرق الأوسط والاهتمام الذي أولته للقضايا المهمة في نظرهما إلى فهمهما بأن الإدارة الحالية على عكس سابقتها لا تعتبرهم حلفاء رئيسيين، وأنها تتصرف أحياناً بشكل يتعارض مع مصالحهم الأساسية.

وهكذا فإن الانسحاب الأمريكي المتسرع من أفغانستان كان ينظر إليه على أنه تطبيق لاتجاه الانسحاب من الشرق الأوسط، كما توقعت المملكة العربية السعودية مزيداً من المساعدة الأمريكية في مواجهة هجمات الحوثيين على الجبهة الداخلية الاستراتيجية للمملكة، وتفاجأت بقرار الولايات المتحدة بإجلاء القوات من أراضيها، خاصة وسائل الدفاع الجوي ضد الصواريخ والطائرات بدون طيار، كما توقعت الإمارات العربية المتحدة رداً أميركياً حازماً – عسكرياً وسياسياً – بعد هجمات الحوثيين في يناير 2022.

وشعرت الإمارات بخيبة أمل خاصة بسبب رفض الإدارة الأمريكية إدراج الحوثيين كمنظمة في قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية بعد أن شطبت إدارة بايدن المنظمة من هذه القائمة فور توليه الرئاسة، كما أن هناك خيبة أمل كبيرة في الخليج بسبب سياسة الولايات المتحدة تجاه الخطر الرئيس الذي يواجههم والقادم من تجاه إيران، بما في ذلك من طريقة تفاوضها معها في الملف النووي.

واعتُبر رفض الرئيس بايدن في بداية عهده إجراء محادثات مع محمد بن سلمان تدخلاً في الشؤون الداخلية للمملكة العربية السعودية، وانتهاكاً لشرعية الحاكم الفعلي والملك المستقبلي.

علاوة على ذلك فقد اشتد التوتر بين واشنطن وأبو ظبي في العام الماضي أيضاً على خلفية توطيد الأخيرة العلاقات مع الصين مؤخراً وإعادة الدفء إلى العلاقات بينها وبين سوريا وهو ما انعكس في زيارة الرئيس بشار الأسد للإمارات، وعلقت أبو ظبي المفاوضات بشأن شراء طائرة F35 إثر مطالب أمريكية في هذا الصدد، نابعة من مخاوف من تسرب التكنولوجيا إلى الصين، كما أدى ترقية مستوى العلاقات بين قطر والولايات المتحدة إلى تأجيج التوترات بين واشنطن والرياض وأبو ظبي.

علاوة على ذلك اشتدت التوترات بين واشنطن والرياض وأبو ظبي في أعقاب الحرب في أوكرانيا، فمنذ اندلاعها امتنع قادة السعودية والإمارات عن انتقاد روسيا، وسعوا إلى إبعاد أنفسهم قدر الإمكان عن الأزمة بينها وبين الغرب.

لقد تباطؤوا ولم يتعاونوا مع محاولات الولايات المتحدة لعزل روسيا سياسياً واقتصادياً، من خلال رفض زيادة إنتاج النفط من أجل خفض سعره، ودفع هذا الرفض من قبل الرياض العديد من المشرعين الديمقراطيين إلى تصعيد الضغط على الإدارة لتشديد إجراءاتها ضد المملكة العربية السعودية.

كما أفيد (بحسب صحيفة وول ستريت جورنال) أن ابن سلمان صرخ في وجه مستشار الأمن القومي جاك سوليفان بعد أن أثار الأخير قضية خاشقجي، وقال له إن واشنطن يمكنها أن تنسى طلبها بزيادة إنتاج النفط السعودي.

ومع ذلك فقد أوضحت الحرب في أوكرانيا مرة أخرى الأهمية الاستراتيجية للخليج بالنسبة لاقتصاد الطاقة العالمي والأهمية المتزايدة لدول الخليج العربي في مواجهة القوى العظمى، إلى جانب عدم الاستجابة لمطالب الولايات المتحدة وتجاهلها تمت دعوة الرئيس الصيني “شي جين بينغ” لزيارة المملكة العربية السعودية، وتجري الرياض محادثات مع الصين (الزبون الرئيسي للنفط السعودي) بشأن تسعير صفقات النفط بينهما بالعملة الصينية بدلاً من الدولار الأمريكي كما كان الحال حتى الآن.

حتى الآن وعلى الرغم من المحاولات التي شملت أيضاً زيارة رئيس وكالة المخابرات المركزية “CIA ” وليام بيرنز إلى المملكة العربية السعودية، أفيد عن عدم إحراز تقدم كبير بسبب رفض الرئيس بايدن التوجه نحو السعوديين.

وتتعلق مخاوف الدول العربية بالاتفاق النووي الناشئ مع إيران، والذي تتوقع أن يكون في صالح إيران ولا يعالج قضايا الإرهاب والتأمر والتخريب الإيراني في المنطقة، وكذلك نشر الصواريخ / الطائرات بدون طيار المسؤولة عنه طهران.

وتسعى دول الخليج حسب ذلك إلى مقابل مناسب في نظرها لكي تتوافق مع الموقف الأمريكي يكون على شكل تعاون استخباراتي متزايد معها وتعزيز قدراتها الدفاعية، كما تتوقع السعودية مساعدة أمريكية في تطوير برنامج نووي وترميم العلاقات بين واشنطن ومحمد بن سلمان، بما في ذلك منحه حصانة من دعوى قضائية محتملة في الولايات المتحدة بسبب تورطه في اغتيال خاشقجي.

من الواضح أن التقارير التي تتحدث عن احتمال زيارة الرئيس بايدن للسعودية تعكس تقييماً في واشنطن بأن العلاقات الهشة والمتوترة مع الرياض تضر بالمصالح الأمريكية، مع التأكيد على الحاجة إلى ضمان استمرار المملكة ودول الخليج الأخرى في رؤية الولايات المتحدة حليفاً.

ومنعهم من الدفع بخطوات من شأنها تعميق اعتمادهما على الصين وروسيا، وعلى وجه الخصوص أنه في الوقت الحاضر هناك حاجة لإقناع المملكة العربية السعودية بزيادة إنتاج النفط، واتخذت الإدارة الأمريكية بالفعل خطوات في محاولة لرأب الصدع، بما في ذلك تعيين سفير (بعد 15 شهراً) في الرياض، وإجراء مكالمات هاتفية وزيارة للسعودية من قبل مسؤولين كبار.

ومع ذلك ليس من الواضح ما إذا كان الرئيس بايدن قد اتخذ بالفعل قراراً بإنهاء “المقاطعة” وعقد لقاء مع محمد ابن سلمان، بغض النظر عن الأثمان السياسية التي قد يدفعها نتيجة لذلك حيث سيكون هذا بمثابة اعتراف بأن القيود والمشاكل السياسية تتطلب تنازلات أخلافية كمطالب الإدارة الأمريكية بخصوص حقوق الإنسان.

لا يزال من السابق لأوانه تقييم ما إذا كان من المتوقع حدوث تغيير إيجابي كبير في العلاقات بين واشنطن والرياض على الرغم من المصالح المشتركة، على أي حال فإن القمة بين بايدن ومحمد بن سلمان ستتطلب استعداداً دقيقاً لضمان نجاحها، حتى لو لم يكن هناك حلاً لجميع القضايا التي يوجد خلاف بشأنها بين الطرفين.

وسيكون لنجاح زيارة بايدن إلى الرياض وتحسين العلاقات الأمريكية مع المملكة العربية السعودية تداعيات على “إسرائيل”، وخاصة اهتمامها بمواصلة اتجاه التطبيع الإقليمي، وتعميق الاتفاقات مع دول الخليج وإضافة دول أخرى إلى العملية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية.

إن “لإسرائيل” مصلحة واضحة في استقرار المملكة العربية السعودية وتحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة بحيث تظل جزءًا من المعسكر العربي الموالي لأمريكا، كما أن الحفاظ على الجبهة السياسية والأمنية الإقليمية ضد إيران التي تعد المملكة العربية السعودية جزءًا مهماً منها أمر في غاية الأهمية.

أضف تعليقك

زر الذهاب إلى الأعلى