أخبار رئيسيةشؤون دوليةمقالات إستراتيجية

سياسة الغرب ضد روسيا وتداعياتها على “إسرائيل”

شبكة الهدهد

الدكتور “شاي هار تسفي”

منطق عمل روسيا “الضربات الجوية والسيطرة على الأرض”

أظهر الرئيس بوتين طوال فترة حكمه استعداده لاستخدام القوة لتحصين حكمه من الداخل وتعزيز رؤيته بخصوص مكانة روسيا كقوة عظمى على الساحة الدولية ومنطقة الاتحاد السوفيتي سابقًا، وحسب وجهة نظره أثبتت طريقة العمل هذه نفسها مرارًا وتكرارًا .

من الداخل تمكن بوتين من تحطيم دوائر المعارضة وأزاح جانبا كل تهديد على حكمه حتى لو كان صغيرا (يجسد ذلك تسميم واعتقال المعارض نفالني)، وفي الخارج هو تمكن من السيطرة على مقاطعات في جورجيا وجزر القرم وأنقذ نظام الأسد ورسخ  مكانته في كازاخستان.

من الناحية العملية، بعد أن تحطمت آمال بوتين في عملية عسكرية سريعة من شأنها أن تؤدي إلى تغيير الحكومة في غضون أيام قليلة، هو تحول إلى مسار عمل مختلف تمامًا يقوم على أساس شن حملة عسكرية دموية واسعة للسيطرة على المدن ومناطق إستراتيجية  في البلاد لإجبار الرئيس زيلينسكي على الاستسلام لمطالبه أو مغادرة البلاد، وبالتالي السماح له بتشكيل حكومة مريحة له.

تحقيقا لهذه الغاية يعمل الجيش الروسي من أجل التدمير التدريجي للجيش الأوكراني والسكان المحليين مع زيادة كبيرة في إطلاق النار على الأهداف المدنية، إلى جانب التقدم البطيء والحذر نحو العاصمة كييف واستكمال احتلال المدن الرئيسية في والهامة الجنوب.

منطق عمل الغرب – “العقاب والاستنزاف وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة”

من ناحية أخرى هناك وجهة نظر غربية تفضل تجنب المواجهة العسكرية المباشرة بأي ثمن، وترى أنه يمكن هزيمة بوتين من خلال إجراءات عقابية وتعزيز ودعم مقاومة الجيش الأوكراني لاستزاف الجيش الروسي الذي يعاني بالفعل من صعوبات لوجستية كثيرة.

كان أهم قرار اتخذه الرئيس بايدن عشية الغزو الروسي هو الامتناع عن إرسال قوات عسكرية أمريكية إلى أوكرانيا.

حتى اليوم وبعد حوالي ثلاثة أسابيع من اندلاع الحرب وبعد أن اتضحت أبعاد الكارثة الإنسانية (أكثر من ثلاثة ملايين لاجئ)، تمسك بايدن بموقفه ورفض طلبات زيلينسكي المتكررة لإعلان أراضي أوكرانيا منطقة حظر طيران.

في الواقع، تبنى بايدن الفكرة بأن المعركة العسكرية بين الجيش الروسي والجيش الأوكراني يجب حصرها فقط داخل الأراضي الأوكرانية ومنعها من الانزلاق  إلى أماكن أخرى- وهو تطور رأى أنه ينطوي على إمكان إشعال فتيل المواجهة العسكرية بين روسيا والولايات المتحدة، وهو الأمر الذي قد يتدهور إلى مواجهة شاملة وحرب عالمية ثالثة.

بدلاً من ذلك وضع بايدن والقادة الغربيون آمالهم على الدفع بإجراءات عقابية غير مسبوقة ضد دولة على مستوى روسيا، على أساس عزلها سياسيا واقتصاديا وثقافيا، إلى جانب إلحاق الضرر الشخصي بالقوة الحاكمة في البلاد.

والحديث هنا يدور أولاً وقبل كل شيء عن فرض عقوبات اقتصادية مشددة من قبل الدول والمؤسسات المالية الدولية إلى جانب تخلي العديد من الشركات عن الاقتصاد الروسي، وهذه الإجراءات في الواقع تعيد الاقتصاد الروسي عقودًا إلى الوراء في النفق الزمني، وإلى فترة الحرمان والتقشف في الحقبة السوفيتية.

في الوقت نفسه تم فرض عقوبات على شخصيات بارزة في الحكم، بما في ذلك بوتين نفسه، مع التركيز على قائمة  طويلة من “الأوليغارشية”- (رجال الأعمال الذي تربحوا وأصبح لديهم ثروات طائلة في أعقاب الخصصة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي ) -، بهدف الإضرار بممتلكاتهم وحريتهم في العمل والتنقل.

وفي المجال الثقافي تم تعليق مشاركة الفرق والمجموعات الرياضية الروسية في المسابقات الدولية، وألغى العديد من الفنانين مشاركتهم في العروض في روسيا، حتى أن العديد من الدول أعلنت إغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات الروسية بطريقة قللت بشكل كبير من قدرة الناس على المرور ونقل البضائع من  روسيا وإليها.

وفي الواقع  أصبحت روسيا أكثر دولة فرض عليها عدد من العقوبات (أكثر من 5000 عقوبة، أكثر من إيران وسوريا وكوريا الشمالية وفنزويلا).

تجندت دول أوروبا الغربية والشرقية في عملية فريدة في نطاقها لإمداد أوكرانيا بالأسلحة.

ضمنها قامت الولايات المتحدة وحوالي عشرين دولة أوروبية حتى الآن بتحويل أسلحة بمئات الملايين من الدولارات إلى أوكرانيا، من بين تلك الأسلحة صواريخ مضادة للدبابات وصواريخ مضادة للطائرات وقذائف وأسلحة خفيفة وغيرها.

حتى أن الكونجرس الأمريكي وافق في الأيام الأخيرة على 13.6 مليار دولار كمساعدات طارئة لأوكرانيا، 6.5 مليارات منها مخصص لتمويل الإنفاق الدفاعي الأمريكي على المعركة.

ولم يكن عبثًا أن هددت روسيا بأن القوافل التي تنقل الأسلحة لاوكرانيا ستكون هدفًا مشروعًا لهجماتها، بسبب التأثير الكبير لهذه الأسلحة المُقدمة في ساحة المعركة وقدرتها على ضرب الجيش الروسي.

تستند هذه الإجراءات إلى تقييم القادة الغربيين وأملهم في أن صعوبة الحسم وغرق الجيش الروسي في الوحل الأوكراني، إلى جانب جعل روسيا دولة معزولة ومنبوذة، ستوضح لبوتين مدى تكلفة الخسارة وعدم الجدوى في الاستمرار في المزيد من القتال، أو في سيناريو أقل احتمالاً أن يؤدي ذلك إلى انتفاضة داخلية وعزله من الحكم.

معاني وتوصيات لـ “إسرائيل”

كلما طالت مدة القتال أظهر الجانبان عزما على التصعيد وزيادة حدة الخطوات التي يتخذونها في محاولة للتوصل إلى حسم.

في الواقع إنها حلقة مفرغة يصعد فيها كل جانب من شدة الخطوات التي يتخذها ردا على نشاط الجانب الآخر.

يكمن الخطر في هذا السلوك في عدم وجود تقدير واضح بخصوص الرد المتوقع من أحد الطرفين في حالة شعوره بأنه تم دفعه إلى الزاوية وأن ذلك يتطلب منه اتخاذ خطوات خطيرة للخروج، وحقيقة أن المسؤولين الأمريكيين قد أثاروا احتمال أن يستخدم بوتين الأسلحة الكيماوية يوضح مدى قابلية تفجر الوضع.

في الوقت الحالي، يبدو أنه لم يطرأ أي تغيير كبير على أهداف بوتين الاستراتيجية، لذا فمن المرجح على الأقل أنه في الأيام المقبلة سيواصل عملية التدمير والاستنزاف، مع استعداده لزيادة قوة النيران تجاه المراكز السكانية، إلى جانب التوسع الممنهج في مهاجمة أهداف في  غرب أوكرانيا.

وذلك في محاولة لتحقيق إنجازات ملموسة على الأرض (سيطرة واسعة على الجنوب، حصار كامل لكييف) من أجل زيادة مخاوف الغرب من توسع المعركة وتوضيح الثمن الاقتصادي والبشري، وبطريقة قد تساعده حسب تصوره في الوصول إلى مفاوضات مستقبلية وهو يمتلك أوراق قوية في يده.

استمرار القتال وازدياد حجم الكارثة الإنسانية سيزيد من الضغط الذي يمارسه المجتمع الدولي على “إسرائيل” لاتباع سياسة أوضح والانضمام إلى الجهود ضد روسيا.

حتى الآن نجحت “إسرائيل” في التصرف بحذر مع التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة.

والاعتبارات القيمية والأخلاقية والمصالح الأمنية ثقيلة الوزن مع روسيا والحفاظ على التنسيق الأمني ​​معها.

المحادثات بين رئيس الوزراء “الإسرائيلي” نفتالي بينت وبوتين وزيلينسكي هي في الواقع تعبير عن نجاح النهج “الإسرائيلي” ويجب أن تبذل كل الجهود للاستمرار في هذه السياسة.

كما ستتأثر أيضا قدرة “إسرائيل” على الاستمرار في المناورة بين روسيا والغرب دون دفع أثمان كبيرة من خلال طريقة تعاملها مع قضية اللاجئين.

حتى الآن أثارت السياسة “الإسرائيلية” بشأن هذه القضية الكثير من الاستياء وتسببت في أضرار في الوعي في الساحة الدولية وأيضًا مع الحكومة الأوكرانية.

كما يجب على “إسرائيل” لاعتبارات استراتيجية وفكرية، أن تتبنى على الفور سياسة شاملة فيما يتعلق بدخول اللاجئين ومعاملتهم اللائقة، دون فرض أي قيود على الحصص وبالتأكيد ما دامت الحرب دائرة داخل أوكرانيا.

عودة الحرب الباردة وتأثيرها على سلوك القوى في الشرق الأوسط أتاح لـ”إسرائيل” فرصة إثبات أهميتها وحيويتها للولايات المتحدة، بطريقة ستساعد في رفع مستوى التعاون الأمني ​​وتساهم في ضمان التفوق النوعي (خاصة في مواجهة سيناريو سباق التسلح الإقليمي).

من ناحية أخرى، يجب على “إسرائيل” أن تستوعب أنه في الواقع الحالي، الولايات المتحدة ستكون أقل صبرًا تجاه النشاط “الإسرائيلي” الذي قد ينتهك الاستقرار الإقليمي ويجبرها على تحويل الانتباه والموارد عن الصراع في أوكرانيا.

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي