أخبار رئيسيةمقالات إستراتيجية

هل الردع الأمريكي في ضعف وتراجع؟

ترجمة الهدهد
معهد السياسات والاستراتيجيات (IPS)، بقيادة اللواء (احتياط) عاموس جلعاد

إن الحرب في أوكرانيا مستمرة، ولا يوجد حتى الآن أي مؤشر على انفراج عسكري أو سياسي من شأنه أن يغير وجه المعركة، وتزيد روسيا من ضغوطها على السكان المدنيين وتجبي منهم ثمناً باهظاً، لكنها في هذه المرحلة ما زالت تفشل في تحقيق أهدافها، وهي الانتصار على الجيش الأوكراني وتفكيكه، واستبدال السلطة هناك بحكومة دمى تديرها روسيا.

الغرب الذي تقوده الولايات المتحدة يساعد حكومة “زيلينسكي” في إيصال الأسلحة والمساعدات الإنسانية، وممارسة ضغوط سياسية ومالية واقتصادية، وتشويه صورة روسيا ونزع الشرعية عنها في أي منتدى أو مناسبة دولية، ومع ذلك، فقد امتنع الغرب عن المساعدة العسكرية المباشرة أو فرض منطقة حظر طيران فوق سماء أوكرانيا خوفاً من الانجرار إلى حرب واسعة النطاق، ومن ناحية أخرى لا ترتدع روسيا من الضغط الذي مورس عليها حتى الآن، وتواصل العمل ضد أهداف عسكرية ومدنية وتهدد باستخدام القدرات النووية إذا تدخل الغرب في المعركة.

في هذه المرحلة يُصعد الطرفان من ردودهما، ولا يحاولان قيادة تحركات أو تسويات تنهي المعركة، في هذه الحالة تشتد الديناميات وتقرب الوضع من نقطة اللاعودة في العلاقات بين الغرب وروسيا، وكجزء من هذه الديناميكية المتصاعدة، تعمل القوة العسكرية الروسية على تحقيق أهدافها الاستراتيجية العملياتية في أوكرانيا، فيما تكثف القوة الاقتصادية والسياسية للولايات المتحدة وأوروبا تحركاتها وفقا لذلك، لتحطيم الاقتصاد الروسي وجعل روسيا دولة منبوذة في المجتمع الدولي، إن اختبار العزيمة والإصرار بين القوى سيحدد النتيجة طويلة المدى للمعركة التي ستؤثر على تشكيل النظام العالمي وتوازن القوى العالمي.

في الوقت نفسه، الحرب في أوكرانيا لها تأثير مباشر على تشكيل الاتفاق النووي في فيينا، حيث تم تعليق المحادثات النووية رغم توصل الأطراف إلى صيغة نهائية تم طرحها طاولة المفاوضات، واشترطت روسيا توقيع الاتفاق النووي بالحصول على ضمانات من واشنطن بأن العقوبات المفروضة عليها في أعقاب الحرب في أوكرانيا لن تضر بالتعاون المتوقع مع إيران بعد التوقيع.

في السيناريو الذي تستمر فيه روسيا في وقف التقدم في توقيع الاتفاق، ستضطر القوى وإيران إلى الدفع بخطوات إبداعية لتحريك المفاوضات مع نقل الوظائف التي كانت في يد موسكو إلى لاعب آخر، في حين أن الولايات المتحدة عازمة على تنظيف الطاولة وإزالة الملف الإيراني من برنامج عملها اليومي، وبما أن طهران تدرك الإمكانات الاقتصادية الكامنة لصالحها في الاتفاق، يبقى في مثل هذه الحالة احتمال توقيع اتفاقية عاليا جداً.

الاتفاق النووي لإيران سيجعلها لاعباً مهماً في سوق الطاقة العالمي، وتوجيه العديد من الموارد إلى الاقتصاد المحلي الذي سيمكن البنية التحتية للدولة من تطوير وتقليل الضغط المحلي الداخلي ويؤدي إلى الاستثمار في بناء القوة العسكرية، وتعزيز القدرة لدى طهران على توسيع نفوذها الإقليمي، وفي تعزيز القوات التابعة لها المنتشرة في المنطقة بقدرات نيران متطورة.

وكجزء من ذلك لا يمنع الاتفاق إيران من الاستمرار في تطوير قدرات نيران متطورة (طائرات مسيرة انتحارية، صواريخ بالستية دقيقة)، والحفاظ على المعرفة والعلم الذي تراكم لديها في المجال النووي، وتقويض استقرار الأنظمة السنية والاستثمار في التمركز العسكري وتوسيع النفوذ في المنطقة.

فمنذ اليوم لا تخشى إيران استخدام القوة من خلال وكلائها أو بشكل مباشر ضد دول الخليج وحتى ضد الولايات المتحدة في سوريا والعراق، وهكذا أطلقت إيران 12 صاروخاً باليستياً على عدد من الأهداف في “أربيل” (12 آذار)، وأعلن الحرس الثوري مسؤوليته عن الهجوم الذي زعم أنه نُفِّذ على “قاعدة إسرائيلية” سرية انطلقت منها 6 طائرات “مسيرة إسرائيلية” نفذت هجوماً عسكرياً على قاعدة عسكرية في منطقة “كرمنشاه” الإيرانية، وأكدت الولايات المتحدة مزاعم إيران حول علاقة “إسرائيل” بالمبنى الذي هاجمه الحرس الثوري، ما يبرر فعلياً عدم ردها حتى الآن، إذا كان هذا التقرير صحيحاً فهو قفزة كبيرة في المعركة الجارية بين إيران و”إسرائيل”.

يهدف الهجوم الإيراني إلى توجيه رسالة ردع “لإسرائيل” مع توضيح أن الحساب على مقتل ضابطي الحرس الثوري في الهجوم الذي نفذه “الجيش الإسرائيلي” في سوريا لا يزال مفتوحاً، وخدم الهجوم أغراضاً إضافية وهي: إيصال رسالة إلى القيادة العراقية بضرورة مراعاة مصالح طهران قبل تشكيل حكومة جديدة وتعزيز الردع الإيراني تجاه دول الخليج.

إضافة إلى ذلك يقوض هذا الهجوم صورة القوة الأمريكية في المنطقة، رغم أن الهجوم على ما يبدو لم يكن يهدف إلى إلحاق الضرر بالقنصلية الأمريكية القريبة من الهدف، فيما يُنظر إلى غياب الرد الأمريكي على تحركات القوة الإيرانية في المنطقة ضد حلفائها على أنه نقطة ضعف، حيث ينضم ذلك إلى سلسلة من الأحداث والتحركات التي أدت إلى تصدع العلاقة الاستراتيجية بين دول الخليج وإدارة الرئيس بايدن.

بالإضافة إلى سعي الولايات المتحدة إلى توقيع الاتفاق النووي مع إيران ورفضها الاعتراف بالحوثيين “منظمة إرهابية”، ورفع مستوى العلاقات الاستراتيجية مع قطر التي اعترفت بها واشنطن كحليف استراتيجي.

ومن ناحية أخرى استمرار تجاهل الإدارة الأمريكية لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ونظرتها إليه كمسؤول عن اغتيال الصحفي “خاشقجي” زاد من التوتر في العلاقات مع الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية.

وفي هذا السياق، اختارت أبو ظبي والرياض الحفاظ على العلاقات الاستراتيجية مع موسكو وتجنب زيادة إنتاج النفط، ووقف ارتفاع الأسعار الذي وصل إلى نقطة معينة إلى مستوى قياسي بلغ 139 دولاراً للبرميل، وعلى الرغم من طلب واشنطن زيادة حصص الإنتاج، إذ إن الضرر الذي لحق بالعلاقات كلّف واشنطن ثمناً ملموساً من قبل حلفائها الإقليميين خلال العملية الشاملة لعزل موسكو.

إن الولايات المتحدة مجبرة على أن تستثمر في إعادة بناء علاقاتها مع دول الخليج في ظل الأهمية المتزايدة للشرق الأوسط في المنافسة العالمية مع روسيا والصين، ولكن في هذه المرحلة أزمة الثقة مع القيادات المحلية تؤثر في قدرتها على قيادة خطوات استراتيجية في المنطقة.

في سياق “إسرائيل” تتزايد قابلية الانفجار الشامل على الساحة الشمالية وأمام حماس، فيما تصاعدت التوترات بين “إسرائيل” وإيران عقب مقتل ضباط من الحرس الثوري في “هجوم إسرائيلي” ضمن المعركة التي بين الحروب على سوريا.

إن التقديرات برد إيراني من سوريا إلى جانب التوترات المتزايدة مع حزب الله والتي انعكست في المحاولات الأخيرة لاختراق طائرات بدون طيار “الأراضي الإسرائيلية” يزيد من حدة التوتر في المنطقة، كذلك يبدو أن القضية الفلسطينية قد سقطت من جدول الأعمال الدولي والإقليمي، ولم تعد عاجلة أو ملحة لإحراز تقدم في مواجهة الجمود العام والانقسام في الساحة الفلسطينية، وهناك غياب للطاقة الإقليمية أو الاهتمام الأمريكي / الدولي لمعالجة هذه القضية.

رمضان القادم هو فرصة لحماس للاستفادة من التوتر لدى المجتمع الفلسطيني والدفع تجاه الاحتكاك مع “إسرائيل” مع ترسيخ مكانتها كقوة سياسية شرعية في اليوم التالي لأبو مازن.

معاني مهمة “لإسرائيل”

  • وطنياً يجب على “إسرائيل” تغيير سياستها في استقبال اللاجئين من أوكرانيا بسبب الحاجة الإنسانية – الأخلاقية وبسبب الأثمان الإستراتيجية طويلة المدى في الساحة الدولية.
  • يجب على “تل أبيب” استنفاذ موقف الوساطة وألا تضحي بالعلاقات مع روسيا في ظل الخطر على حرية العمل ضمن المعركة التي بين الحروب في سوريا، إلى مرحلة أن هذا الموقف سيتعارض مع المصالح والاستراتيجية والمصالح الأمريكية.
    الولايات المتحدة هي الحليف التاريخي والرئيسي “لإسرائيل”، ويجب على “تل أبيب” أن تصوغ سياستها على أساس الحاجة إلى الحفاظ على علاقات خاصة معها، حتى لو أدى ذلك إلى احتكاك مع روسيا في المنطقة.
  • تتطلب الاتفاقية النووية التي سيتم توقيعها بين القوى العظمى وإيران من “إسرائيل” بناء قوة مصممة خصيصاً من شأنها أن تسمح لها بقدرة مستقلة للعمل في الدائرة الثالثة، إلى جانب تعزيز علاقاتها الاستراتيجية مع دول المنطقة لبث أو إظهار القوة وتأسيس الردع وعرقلة الخطوات الإيرانية في استخدام القوة.

في هذا السياق أيضاً، فإن التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة له أهمية قصوى في ضوء الحاجة إلى الحفاظ على التفوق النوعي “للجيش الإسرائيلي”، ورفع وترقية مستوى التعاون الأمني ​​العسكري كوسيلة لتعزيز “التفوق الإسرائيلي” الذي ستعيد عودة الحرب الباردة واشتداد المنافسة الاستراتيجية مع روسيا والصين، وأهمية الشرق الأوسط للاستراتيجية الأمريكية ولسلم أولويات مفهومها للأمن القومي في ضوء المصلحة الجيوستراتيجية والأمنية والحيوية، وهذا الوضع هو فرصة لترسيخ أهمية وضرورة “تل أبيب” ومكانتها في الرؤية الأمريكية الشاملة للمنطقة.

  • كما يتعين على “إسرائيل” صياغة استراتيجية أمنية إقليمية مع الولايات المتحدة والمعسكر السني (دول الخليج ومصر والأردن)، مع ترسيخ التزام واشنطن من خلال تعزيز التعاون العملياتي والاستخباراتي وتعزيز أنظمة الدفاع الإقليمية.
  • تتطلب قابلية الانفجار المتزايدة أمام إيران وفي الساحة الفلسطينية تقييمات جديدة مُعدلة، ولكن مع إدراك أن الاهتمام العالمي يتركز الان على الأزمة في أوكرانيا، وستطلب الولايات المتحدة من “إسرائيل” الامتناع عن التحركات التي تصعد الوضع في المنطقة، وعلى “تل أبيب” أن تدرس كيف تخفف من التوتر من جهة، لكن تحتفظ بقدرتها على العمل دون عتبة التصعيد ضد تحركات إيران في سوريا ولبنان وحماس في قطاع غزة وفي الضفة الغربية.

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي