أخبار رئيسيةمقالات إستراتيجية

في مواجهة الأزمة العالمية

الوقت المناسب لتطوير العلاقات مع العالم العربي

ترجمة الهدهد
“د. موشيه ألبو”

تتزايد المخاوف من أزمة اقتصادية عالمية قد تؤدي إلى تدهور الاستقرار المالي في القاهرة وعمان في ظل اتساع عواقب الحرب في أوكرانيا، وحذر كبير الاقتصاديين في البنك الدولي من أن ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء قد يعرض الأمن الغذائي للخطر في الشرق الأوسط وإفريقيا، ما يؤدي إلى اضطرابات اجتماعية من شأنها تقويض الاستقرار الإقليمي.

للاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية تداعيات مباشرة على الأمن القومي “لدولة إسرائيل” في ضوء العلاقات الاستراتيجية التي توطدت مع القاهرة وعمان في السنوات الأخيرة، ويشكل استقرار مصر والأردن مصلحة استراتيجية “لتل أبيب”، وجزءًا رئيسًا من مفهومها ونظرتها الإقليمية.

فالأزمة الاقتصادية المتفاقمة تتطلب دراسة معمقة لمحاور التعاون المدني-الاقتصادي مع الدفع بالخطوات التي من شأنها المساعدة في التعامل مع الأزمة وفرصة لتعميق العلاقات الاستراتيجية بين الدول وتوسيعها إلى ما بعد العلاقة الأمنية العسكرية.

مصر – الاستقرار الهش

عرضت وزيرة الاقتصاد والتخطيط المصري هالة السعيد إنجازات الاقتصاد المصري في 22 فبراير 2022 (قبل يومين من الغزو الروسي لأوكرانيا) حيث قدمت اتجاه تحسن وتقدما في جميع المؤشرات، بالإضافة إلى ذلك نجحت سياسة الحكومة المصرية في تثبيت التضخم بعد عامين صعبين من انتشار الأزمة الصحية العالمية، وعودتها إلى النسبة التي كانت عليها قبل تفشي الوباء.

القاطرة الرئاسية التي تعتمد على النظام الأمني العسكري أدت إلى تطوير شامل للبلاد، وتمكنت من أحداث استقرار في الاقتصاد المصري رغم أزمة كورونا العالمية، ومع ذلك اعتمدت الحكومة على قروض خارجية واسعة النطاق لتمويل المشروعات القومية ما أدى إلى تراكم ديون بنحو 137 مليار دولار (89.49% من الناتج المحلي الإجمالي) وإلى ضرر نسبي للاقتصاد المصري أمام تقلبات السوق الدولية (أسعار الفائدة والتضخم)، في الوقت نفسه، لم يتم حل مشاكل مصر الأساسية على الرغم من التحركات المهمة التي اتخذتها الحكومة للتعامل معها.

إن الديموغرافيا والبنية التحتية والفساد والبيروقراطية والجهل والفقر (الذي يشكل 29.3% في عام 2021) والمزيد من المشاكل، واندلاع الحرب في أوكرانيا يضر بالاقتصاد المصري، ويوضح هشاشة الاقتصاد في مواجهة المشاكل الأساسية وحجم الديون.

السؤال الرئيس الذي يواجه صناع القرار في مصر يتعلق بتقدير مدة استمرار المعركة في أوكرانيا، وإمكان اتساع نطاق الأزمة الاقتصادية العالمية التي يمكن أن تعزز من الاتجاهات التي يمكن رؤيتها بالفعل من الآن:

  • ارتفاع تكلفة المعيشة بعد ارتفاع الأسعار العالمية للمواد الخام والطاقة والنقل.
  • أضرار جسيمة لحقت بقطاع السياحة الذي يعتمد على السياح من روسيا وأوكرانيا، وتم تحديد أكثر من 35% انخفاض في الحجوزات من روسيا وأوكرانيا حتى الآن، ما أجبر الحكومة على النظر في بدائل أخرى لجلب السياح.
  • سيتطلب ارتفاع أسعار الطاقة ومضاعفة سعر برميل النفط بعد الحرب، وتقدير الارتفاع المستمر في الأسعار تمويلاً من الميزانية لسد الفجوة.
  • ارتفاع حاد في معدل التضخم ما يزيد من احتمالية قيام البنك المركزي برفع سعر الفائدة في وقت مبكر من الشهر المقبل، وهذا هو أعلى معدل تضخم في مصر منذ يونيو 2019.
  • أزمة القمح: تعتمد مصر على واردات أكثر من 80% من القمح من روسيا وأوكرانيا، وصرحت الحكومة بوجود كمية كافية من القمح حتى نهاية العام في مستودعات الطوارئ، لكنها تدرس كيفية تنويع مصادر استيرادها حتى لا تتعرض لنقص، ومن المرجح أن تتجنب الحكومة رفع الأسعار في المستقبل القريب على ضوء رمضان القادم.

إن زيارة الرئيس السيسي إلى الرياض (8 مارس) جاءت لضمان تقديم المساعدة المالية على ضوء فهم حجم الأزمة الاقتصادية، في الوقت نفسه أجرى الرئيس السيسي محادثة هاتفية مع الرئيس بوتين أكد فيها العلاقات التاريخية بين البلدين والتعاون الاستراتيجي الذي يجب الحفاظ عليه، كان هدف الرئيس المصري هو تأمين التزام روسيا بالمشاريع والصفقات الموقعة، والحفاظ على العلاقات الاستراتيجية بين البلدين على الرغم من تصويت القاهرة ضد موسكو في الأمم المتحدة.

بالإضافة إلى ذلك أوعز الرئيس السيسي للحكومة بتسعير ثمن الخبز غير المدعوم، وممارسة رقابة صارمة على الأسعار، والتأكد من عدم وجود نقص في المنتجات الأساسية في الأسواق في ضوء اقتراب شهر رمضان.

ووجه الرئيس بالتنسيق بين كل الجهات ذات العلاقة وخاصة العسكرية لتوفير المنتجات الأساسية بسعر منخفض، وتقديم المساعدة للمحتاجين استعداداً لشهر رمضان، كان هدف الرئيس هو أن يُظهر للجمهور المصري أنه يشارك شخصياً في قضية الأسعار، وتوفير المواد الأساسية، وأن يهدئ قدر الإمكان من الغضب الشعبي المتزايد.

الأردن – ضعف اقتصادي مستمر

يعاني الأردن من مشاكل أساسية حادة، فارتفاع معدل البطالة بنسبة 25% خاصة بين الشباب والنساء (48% و25% على التوالي)، ونمو محدود لا يلبي احتياجات الاقتصاد، وفجوات اجتماعية عميقة، وارتفاع الدين الحكومي بالنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي الذي تضخم إلى 109 % في نهاية عام 2021، وسيزداد تضخماً أيضاً نظراً للحاجة إلى دعم أسعار الطاقة والغذاء، والاعتماد على استيراد الطاقة (حوالي 89% من الاستهلاك المحلي)، والفقر (15.7%)، وحوالي 1.3 مليون لاجئ سوري يثقلون كاهل الاقتصاد المحلي، وعدم وجود محركات نمو كبيرة في الدولة (الموارد الطبيعية – النفط أو الغاز، المناخ الصحراوي والنقص في المياه).

 بالإضافة إلى ذلك أدى وباء كورونا الذي ضرب البلاد العامين الماضيين إلى أضرار لحقت بشكل رئيسي في قطاعي الأعمال والسياحة وإلى تفاقم الأزمة الاقتصادية التي أثرت أيضاً على الاستقرار السياسي للمملكة.

ادعى الصحفي بسام البدارين في مقاله اليومي في صحيفة القدس العربي أن الأردن لن يعاني من نقص في المواد الغذائية بعد الحرب في أوكرانيا، وأن خطر الأمن الغذائي ضئيل.

تتمثل استراتيجية الحكومة في تجنب رفع سعر الخبز قبل رمضان ومواصلة دعم المنتجات الأساسية، ومع ذلك، فإن التقييم السائد بين معظم الخبراء هو أن ارتفاع أسعار الطاقة والوقود أمر لا مفر منه وسيكون لذلك تأثير على الارتفاع العام في الأسعار الذي قد يثير الكثير من الغضب لدى عامة الناس بالنظر إلى التزام الحكومة تجاه الجمهور بأن الأسعار لن ترتفع.

“البدارين” والمعلق الاقتصادي في جريدة الغد سلامة الدرعاوي يصفان المصيدة التي وقعت فيها الحكومة أمام مواطنيها، وهي امتصاص الزيادات في الأسعار سيزيد العجز والدين الحكومي ويفشل الإصلاحات الاقتصادية ويضر بالدعم المؤسسي الدولي، في حين أن رفع الأسعار الإجمالية تماشياً مع الزيادات العالمية سيؤدي إلى غضب الرأي العام وتقويض الاستقرار السياسي وإلحاق أضرار جسيمة بالطبقة الوسطى.

تعد مسألة مدة الأزمة بين روسيا والغرب والولايات المتحدة والآثار المترتبة منها على الاقتصاد العالمي وسوق الطاقة حاسمة لاستقرار الاقتصاد الأردني والحكومة

في سياق الانكماش الاقتصادي وأزمة الطاقة العالمية المستمرة، ستنخفض قدرة الأردن على المناورة بين الاحتياجات المدنية والحكومية بشكل كبير، لا سيما في ظل العامين الأخيرين الصعبين من أزمة كورونا، من ناحية أخرى واجه الأردن أزمات اقتصادية غير بسيطة في العقد الماضي، وطور قدرته على المواجهة والحفاظ على استقراره وإيجاد حلول خلاقة، الدعم الخارجي هو عنصر أساسي في قدرة المملكة على التغلب على الأزمة الحالية واجتيازها، وللولايات المتحدة و”إسرائيل” دور رئيس في ترسيخ المساعدات اللازمة لتحقيق الاستقرار في المملكة.

ملخص..

مصلحة الأمن القومي “لإسرائيل” هو أن تحافظ مصر والأردن على استقرارهما وألا ينجرا إلى اضطرابات داخلية أخرى تؤثر على العلاقات الاستراتيجية القائمة بين البلدين وعلى أمن الحدود، فالأزمة الاقتصادية التي تواجه النظام الإقليمي فرصة لتعزيز العلاقات الاقتصادية – المدنية وتوسيعها، وتعزيز الثقة في العلاقات بين الدول.

في هذا السياق من الضروري زيادة حجم التجارة بين الدول من خلال تحديد الاحتياجات الاقتصادية ومجالات التعاون الممكنة، كالطاقة والمياه والسياحة والزراعة والنقل والتجارة والأمن وغير ذلك، وتقليل الحواجز والبيروقراطية وتعيين مديرين لمشاريع في الوزارات الحكومية ذات الصلة، وتعزيز الخطاب المستمر لدى المستويات العليا والعمل بشأن القضايا المطلوب تعزيزها.

إن الاتفاقات الموقعة العام الماضي مع الأردن هي خطوة إيجابية في الاتجاه الصحيح، لكنها توضح الإمكانات الضائعة.

فيما تركز الاتفاقيات الحالية مع الأردن على الاحتياجات الأساسية للمملكة وهي الطاقة والمياه: ومضاعفة إمدادات المياه إلى الأردن (أكتوبر 2021)، واتفاقية الكهرباء والمياه بالشراكة مع الإمارات (نوفمبر 2021)، وتوريد الغاز من حقل “لفيتان” إلى شركة الكهرباء الأردنية (نابكو)، ومن الضروري دراسة كيفية توسيع التعاون الاقتصادي ليشمل قطاعات أخرى مثل التجارة والأعمال والسياحة، وزيادة حجم التجارة.

وضعت وزيرة الاقتصاد والصناعة، “أورنا باربيباي” رؤية وأهدافاً واضحة لتعزيز التعاون الاقتصادي مع مصر خلال زيارتها لمحطة “نيتسانا” في أكتوبر الماضي، وبعد اجتماعها مع وزير المخابرات المصري عباس كامل.

وهنا يوجد فرصة سانحة، نحن في ظروف تلتقي وترتبط فيها المصالح الاقتصادية “لإسرائيل” ومصر، وهناك فهم على أن الجسر الاقتصادي هو الرافعة للعديد من الجوانب الأخرى، والإمكانات موجودة ونحن بحاجة الآن إلى معرفة كيفية تحقيقها.

إن حجم التبادل التجاري بين “إسرائيل” ومصر متدنٍ ولا يستنفذ طاقته الكاملة، حيث تحتاج “إسرائيل” إلى توسيع نشاطها الاقتصادي لاستيراد وتصدير المزيد من السلع (الأسمنت والحديد والزجاج والكيماويات، إلخ)، وتشجيع “السياحة الإسرائيلية” إلى جنوب سيناء ومصر نفسها، خاصة في ظل تقلص “التهديد الإرهابي” وتراجعه، وتقليص العوائق البيروقراطية والامنية التاريخية، وتعزيز التعاون في مجموعة واسعة من القضايا الاقتصادية والمدنية.

في الأردن ومصر هناك معارضة حقيقية لأي تطبيع مع “إسرائيل” من قبل الجمهور وقطاعات كبيرة من الدولة والمؤسسة السياسية والدبلوماسية، ومع ذلك فإن الأزمة الاقتصادية العالمية هي فرصة لتوسيع العلاقات الاقتصادية – المدنية من خلال التنسيق المباشر مع المستوى السياسي والأمني​​، وفتح مجالات جديدة للتعاون بين الدول.

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي