أخبارمقالات إستراتيجية

الاستثمار الروسي خارج أوروبا هل يبطل مفعول العقوبات؟

ترجمة الهدهد
معهد أبحاث الأمن القومي

تشمل العقوبات المفروضة على روسيا بقيادة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تجميد أصول الكيانات والأفراد الروس، ويُظهر تحليل تقارير الاستثمارات الروسية في الاقتصادات الأخرى (381 مليار دولار في عام 2020) أن الغالبية العظمى منها تم في البلدان التي فرضت العقوبات عليها وخاصة في أوروبا.

ومن ثم فإن جدوى تجميد الأصول سوف يعتمد على تأثير السلطات والقطاع المالي بشكل رئيسي في أوروبا، ومع ذلك هناك مؤشرات على نقص في التقارير من قبل السلطات الغربية بشأن الاستثمارات الروسية تصل قيمته إلى حوالي 90 مليار دولار.

هذه التقارير المفقودة قد تضعف تأثير العقوبات، في الوقت نفسه تتركز الاستثمارات الروسية في دول الشرق الأوسط في تركيا والإمارات العربية المتحدة والكيان بنطاق وأهمية محدودين بالنسبة لروسيا والمنطقة، خاصة بعد تراجع الاستثمار الروسي في تركيا منذ عام 2017.

الشكل 1: توزيع الاستثمارات الروسية في الدول الأخرى ، نهاية عام 2020 ، بمليارات الدولارات

يُعد تجميد أصول المؤسسات والأفراد الروس مكونًا رئيسيًا في العقوبات التي تقودها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ضد روسيا.

في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا في أواخر فبراير 2022، تتناول هذه المقالة التوزيع الجغرافي للاستثمارات الروسية في الاقتصادات الأخرى، والتي بلغت 381 مليار دولار بنهاية عام 2020.

ويقدم المقال دليلاً على أن هذه العقوبات يمكن أن تكون فعالة للغاية، إذ إن الغالبية العظمى من الاستثمارات الروسية تم إجراؤها في الاتحاد الأوروبي، الذي أعلن عن أكبر عدد من العقوبات ضد روسيا منذ فبراير 2022.

وفي الوقت نفسه تم تقديم أدلة على نقص في التقارير عن الاستثمارات الروسية من قبل السلطات الغربية، وهذا النقص في التقارير قد يضعف القدرة على تحديد الأصول الروسية وكذلك مدى جدوى العقوبات.

إسرائيل والإمارات العربية المتحدة ، ملايين الدولارات

في الوقت نفسه، يمثل استثمار روسيا في البلدان التي لا تفرض العقوبات عليها- بما في ذلك دول الشرق الأوسط- خُمس الاستثمار الروسي في الاقتصادات الأخرى.

الحجم المحدود للاستثمار الروسي المباشر في دول الشرق الأوسط باستثناء تركيا، يحمي المنطقة من العواقب المباشرة التي ستنتج عن تجميد الأصول.

تستند المقالة بشكل أساسي إلى البيانات الروسية حول الاستثمار الأجنبي المباشر في الاقتصادات الأخرى التي تم الإبلاغ عنها إلى صندوق النقد الدولي (IMF)، وتعد التقارير الروسية أكثر تفصيلاً من البيانات التي قدمتها الدول الأخرى حول الاستثمار الروسي في الاقتصادات الأخرى.

ومع ذلك سنقوم بالوقوف على الفجوة بين البيانات الخاصة بالاستثمار الروسي في الاقتصادات الأخرى وفقًا للتقارير والبيانات الروسية المقدمة من الدول التي تم فيها تنفيذ هذه الاستثمارات، ونتطرق إلى الآثار المترتبة على ذلك على نظام العقوبات.

الجدول: الاستثمارات الروسية في اقتصادات مختارة وفقًا للبيانات الروسية والغربية

الاستثمار الروسي في الاقتصادات الأخرى حتى عام 2020

يشير توزيع الاستثمار الأجنبي الروسي الذي تم الإبلاغ عنه حتى نهاية عام 2020 إلى أن هذه الاستثمارات قد تكون معرضة بشدة لتجميد الأصول: 79 في المائة من هذه الاستثمارات في البلدان التي فرضت عقوبات على روسيا، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة المتحدة وسويسرا على وجه الخصوص، تم ضخ ثلثي الاستثمار الأجنبي الروسي في الاتحاد الأوروبي (258 مليار دولار)، وحوالي النصف (190 مليار دولار) في قبرص (الشكل 1).

يمكن تحديد الدليل على نقص التقارير من قبل السلطات الغربية بشأن الاستثمار الروسي في بعض الدول الغربية من خلال مقارنة البيانات الروسية بالبيانات الغربية.

على سبيل المثال بينما أبلغت روسيا عن استثمارات بقيمة 190 مليار دولار في قبرص، ذكرت قبرص أن الاستثمارات الروسية كانت 118 مليار دولار فقط، ما يعني فجوة قدرها 72 مليار دولار.

وبالمثل كان الاستثمار الروسي في النمسا وسويسرا وألمانيا والسويد والولايات المتحدة مجتمعة أكثر بـ 24 مليار دولار وفقًا للبيانات الروسية من البيانات الغربية.

الاستثناء هو هولندا حيث كان تقديرها للاستثمار الروسي في اقتصادها أكبر من التقدير الروسي (الجدول)، وتبلغ مجموع الاستثمارات غير المبلغ عنها نحو 90 مليار دولار، أي 23 في المائة من الاستثمارات الروسية في الخارج.

الشكل 2: أوضاع الاستثمار الروسية في اقتصادات مختارة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ، 2011-2020

وتجدر الإشارة إلى أن نقص الإبلاغ من قبل السلطات التي يتم الاستثمار لديها عن الاستثمارات الروسية، وخاصة في أوروبا، يمكن استخدامه لإخفاء استثمارات الكيانات الروسية التي تم فرض عقوبات عليها.

صحيح أننا لا نملك ما يشير إلى ما إذا كان النقص المزعوم في الإبلاغ عن الاستثمار الروسي في وجهات مختلفة متعمدًا، فإن حقيقة أن المملكة المتحدة صنفت في تقريرها إلى صندوق النقد الدولي بيانات الاستثمار الروسي في الاقتصاد البريطاني على أنها سرية هو أمر مثير للقلق.

بحسب بيانات روسية، فإن الاستثمار الروسي في المملكة المتحدة بلغ 15 مليار دولار في عام 2020.

أي ما يقرب من نصف الاستثمار في المملكة المتحدة التي لم يتم الإبلاغ عن مصدرها بسبب السرية، على أي حال فإن قدرة السلطات الأوروبية والقطاع المالي على تحديد الأصول المملوكة لروسيا بشكل موثوق هو المفتاح لفعالية وجدوى العقوبات.

خُمس الاستثمارات الروسية في الخارج فقط تتم في دول لم تعلن عقوبات ضد روسيا (الشكل 1).

أكبر الاستثمارات في البلدان غير المنضمة للعقوبات هي في سنغافورة (10 مليارات دولار) وجزر الباهاما (7 مليارات دولار)، والتي يعتبرها بعض الباحثين دول ملاذ ضريبي.

بطبيعة الحال قد يخفي الاستثمار في دول الملاذ الضريبي ملكية الكيانات والأصول المدرجة في القائمة السوداء في الاقتصادات التي تلتزم بالعقوبات، والمثير للدهشة أن الاستثمارات الروسية المبلغ عنها في الصين هامشية (0.7 مليار دولار).

الاستثمار الروسي في الشرق الأوسط

الاستثمار الروسي في دول الشرق الأوسط محدود للغاية، ويتركز في ثلاث دول: تركيا والإمارات العربية المتحدة وكيان العدو.

اعتبارًا من نهاية عام 2020 بلغ إجمالي الاستثمارات الروسية في تركيا 6.5 مليارات دولار، وهو ما يمثل حوالي 5.2 في المائة من إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر في تركيا.

قبل ذلك في عام 2017، بلغ الاستثمار الروسي في تركيا 9.5 مليارات دولار، وهو ما يمثل 21 في المائة من إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر في ذلك البلد.

من المسلم به أن الأزمة المالية الحالية في تركيا تزيد من حاجتها إلى زيادة احتياطيات النقد الأجنبي، من بين أمور أخرى من خلال جذب الاستثمار الأجنبي، ومع ذلك فإن تراجع الاستثمار الأجنبي الروسي في تركيا منذ عام 2017 يقلل من تعرضها للضرر المباشر الناجم عن تجميد الأصول الروسية.

الاستثمار الروسي في الإمارات والكيان أقل من ذلك، وأهميته بالنسبة لاقتصادهما محدودة.

ارتفع الاستثمار الروسي في الإمارات بشكل مطرد خلال العقد الماضي، حيث وصل إلى حوالي 960 مليون دولار في عام 2019 و 1.4 مليار دولار في عام 2020.

لكن في الكيان نما الاستثمار الروسي في بداية العقد الماضي حتى فرض العقوبات على روسيا في 2014، ومنذ ذلك الحين يراوح حول 570 مليون دولار.

من نهاية عام 2020 بلغت الاستثمارات الروسية في كيان العدو حوالي 0.3٪ من إجمالي الاستثمارات الأجنبية فيه، أما الاستثمارات المعلنة في باقي أنحاء الشرق الأوسط هامشية حيث تصل إلى أقل من 100 مليون دولار.

الجدير بالذكر أننا لم نعثر على أدلة على وجود استثمارات قبرصية كبيرة في دول الشرق الأوسط، والتي كان من الممكن أن تكون بمثابة استثمارات روسية مموهة.

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي