أخبار رئيسيةمقالات إستراتيجية

قراءة أولية في المشهد

الحرب الروسية الأمريكية في أوكرانيا..

شبكة الهدهد
✍️ معين مناع

استقطب إعلان روسيا الاتحادية غزوها دولة أوكرانيا، اهتمام القوى الدولية كافة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد الأوروبي، كما استقطب اهتمام النخب والرأي العام، وملأت مشاهد هذا الحدث العالمي الفضاء وشغلت العالم الافتراضي، بل إن التطورات الأوكرانية أظهرت انقسامات وتباينات في مختلف الاتجاهات الشعبية، خصوصاً أن حرب أوكرانيا أحدثت تداعيات أمنية واقتصادية وتجارية، تجاوزات الحدود القطرية إلى القارية بل العالمية.

هذا يؤكد مقولة أن الحرب في أوكرانيا ليست بين روسيا وأوكرانيا فحسب، بل هي حرب أمريكية روسية تقع على الأراضي الأوكرانية، أو بمعنى أدق، تقع في فضاء أوروبا الشرقية.

التموضعات الدولية في الحسابات الأمريكية الروسية:

نشبت نيرات الحرب الأوكرانية في أجواء متوترة، تسيطر على العلاقات الأمريكية من كل روسيا والصين بصورة أساسية، إذ إن المنشغلين في علم الاستشراف وفي العلاقات الدولية، يحذرون من مدة من احتمالات اندلاع مواجهات خشنة بين واشنطن وعواصم عملاقة في الشرق.

في هذه الأجواء، قررت روسيا الذهاب إلى مواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية على حدودها من جهة أوروبا الشرقية، وتحديدا في أوكرانيا، وذلك بعد أن حصنت نفسها في عدد من عوامل القوة الداخلية، على مستوى القوة العسكرية المتنوعة والمتعددة، والقدرات الاقتصادية والموارد الطبيعية إضافة إلى المستوى التكنولوجي وخصوصا في الفضاء والفضاء السيبراني والذكاء الاصطناعي.

وكذلك، ولعل هذا هو المستهدف هنا، على المستوى الخارجي، إذ استطاع الاتحاد الروسي إبرام عدد من الاتفاقات مع كل من الصين ودول شنغهاي ودول بريكس، إضافة إلى علاقاتها المتميزة بمجموعة دول خارج هذه الاتفاقيات مثل كوريا الشمالية وكوبا وفنزويلا وإيران، حيث إن هذه القوى والتكتلات توفر لموسكو آفاقاً اقتصادية وتجارية ومالية وجيوسياسية وجيواستراتيجية وتكنولوجية وعسكرية.

صحيح أن التقييم الموضوعي يقتضي ألا تكون هذه العلاقات بالمستوى والفاعلية نفسها، إلا أن المنطق يؤكد بأن لهذه العلاقات فاعلية ملحوظة في حساب موازين القوى وفضاءات التواصل الدولي والتمدد الجيوسياسي لأطراف العلاقة، وخصوصا إذا كان هذا الطرف بحجم موسكو ووزنها.

أما واشنطن فإن تقييم موقفها لا يحتاج إلى بسط، إذ إن أميركا قادمة من موقعها في النظام الدولي أحادي القطبية، وما تمت الإشارة إليه من جهة موسكو هو ما تم خصمه من رصيد البيت الأبيض، وتكفي الإشارة إلى أن واشنطن تتكئ بصورة أساسية على تحالفاتها المعقودة مع أوروبا بشقيها الشرقي والغربي وفي قلبهما الناتو.

وإلى جانب هذا التحالف، ربما في الأيام القادمة نقول: لقد أبرمت واشنطن بديلا له، أي تحالف (أوكوس) الذي يضم بريطانيا – التي خرجت لتوها من الاتحاد الأوروبي – وأستراليا، ما يعني ضمنا أن الناتو، لم يعد وفق المنظور الأمريكي، كافيا ليكون رديف الولايات المتحدة في مواجهتها لعمالقة الشرق، فهي بحسب منطقها بحاجة إلى شريك جديد أو بديل.

الأهداف الدولية غير المباشرة:

تتأكد مقولة إن الحرب هي بين واشنطن وموسكو، من خلال الأهداف غير المباشرة لكلا الدولتين من هذه الجولة الساخنة، فمن جهتها، تسعى موسكو إلى جعل أوروبا الشرقية فضاءً سياسياً محايداً، على الأقل، وهذا الهدف يتضمن، انسحاب كل التموضعات الأمريكية في هذه المنطقة سواء كانت عبر حلف الناتو، أو من خلال البنية التحتية الأمريكية، الصاروخية وغير التقليدية عموماً، وهو الأمر الذي يسهل عليها وعلى حليفتها الصين -في المرحلة التالية- خوض الحرب الاقتصادية التجارية على مسرح أوروبا الغربية، سواء من خلال مشاريع بيع الغاز الروسي أو مشروع الحزام والطريق الصيني الروسي.

في المقابل تعمل واشنطن على استكمال عمليات تطويق الخصمين اللدودين، روسيا والصين، من جهة أوروبا الشرقية، وكذلك غرز الخناجر المسمومة عند خواصر روسيا الرخوة أو بالأحرى المكشوفة، وهذه الحركة الأمريكية، تعني من جملة ما تعنيه، تمتين الجدار الفاصل بين الدب الروسي والقارة العجوز لحمايتها وإبقائها في حضن العم سام.

ويدرك كلا الطرفين، أن هذه المواجهة هي أحد فصول الحرب على طريق طويل يؤدي في مراحله المتقدمة، إلى بلورة مستقبل النظام الدولي، سواء لجهة تكريس أحادية القطبية الأمريكية، أو تعديله إلى ثنائية أو تعددية القطبية، مع العلم أن كلًا من روسيا وأميركا تدركان بأن النظام الدولي بدأ يتحرك بعيدا عن الأحادية نحو قطبية مختلفة، تنتج عنه مساحات نفوذ جديدة!!.

الأهداف المباشرة للحرب:

تهدف موسكو بصورة مباشرة إلى إرغام حلف الناتو بما فيه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إلى احترام خطوطها الحمراء وعدم المساس بأمنها الإقليمي، خصوصاً في أثناء تشكيل البنية التحتية العسكرية في أوكرانيا، وتالياً في أي دولة من دول أوروبا الشرقية، من تلك التي تقع بمحاذاة حدود روسيا الاتحادية، وهذا المطلب يؤدي في حال الاستجابة له أو تحققه، إلى كي الوعي الغربي، بأن الاتحاد الروسي عاد قطباً دولياً قادر على فرض إرادته، وإلزام الآخرين على التعامل مع شروطه بجدية وتقدير.

بينما تهدف واشنطن إلى إغراق الدب الروسي في مستنقع أوكرانيا عبر الحرب الأهلية ومواجهة القوميين والنازيين المتطرفين والمرتزقة، من مختلف جهات الأرض، وكذلك التشهير به وشيطنته، عبر وسائل الإعلام والعالم الافتراضي، واستغلال هذا (المأزق) الروسي لإعادته إلى القمقم الإقليمي كدولة ضعيفة مستنزفة، وطموحاته مقيدة بحدود القُطرية، وهي -أي واشنطن- تأمل أن يساعدها انزواء روسيا للتفرغ إلى الصين القوة الدولية الصاعدة، في ميادين التكنولوجيا والاقتصاد والتجارة الدولية والنظام المالي عموماً، خشية من منافسة الصين لها على قيادة النظام الدولي في بعض جوانبه الحيوية على الأقل.

دور التحالفات في ميدان المواجهة:

بما أن الكرملين هو من بدأ بإطلاق الصاروخ الأول، اختارت موسكو أن تخوض المعركة بنفسها مباشرة، واستخدمت في ذلك الأسلحة التقليدية المتطورة وعمدت إلى تدمير البنية التحتية العسكرية والتكنولوجية والبيولوجية وغير التقليدية ونظام الاتصالات لكييف.

في المقابل، اختارت واشنطن شن الحرب المضادة على طريقتها هي، فلجأت إلى أسلوب الحرب الاقتصادية المالية؛ عبر دفع الدول الأوروبية بصورة مباشرة في أتون هذا التحدي، وقد أدى ذلك إلى حصول فرز أولي بين أوروبا الشرقية التي تكتفي بالأعلام والتصريح وتستنكف عن أي شكل من أشكال الانخراط المباشر، وبين أوروبا الغربية التي احتارت بين التقدم بخطوات متعثرة نحو المقاطعة والرفض الناعم للضغوط الأمريكية.

كما بدأت واشنطن بشن حرب دعائية شاملة مستغلة الفضاء الأوروبي بادعائها أن دول أوروبا هي الأولى في (الدفاع) عن نفسها! والتشهير بالقيصر الروسي والتخويف من نواياه أو إظهاره على صورة الجريح المذعور.

بينما روسيا، وبالأحرى حلفائها وشركائها لم يبادروا بعد إلى أي خطوة واضحة، سواء كان على مستوى الحرب الاقتصادية أم الدعائية، واكتفت بعض هذه القوى بالمواقف الإعلامية التي لا تدين موسكو بل تدعو أميركا والناتو كي يراعوا متطلبات الأمن القومي الروسي.

أدوات المواجهـة لكلا الطرفين:

اختارت روسيا الأدوات القتالية التقليدية المتطورة، عبر قواتها النظامية المسلحة والخاصة، إلا أن واشنطن لم تختر هذا النوع من الأدوات، وذريعتها أن المواجهة المسلحة المباشرة بين قوتين مثل روسيا وأميركا من السهل أن تنتقل من التقليدية الى النووية.

فلجأت أميركا لاستخدام المتطرفين والمرتزقة، مع الإشارة أن هذا النمط من الحروب قد يتطور إلى حروب إقليمية ودولية، وقد تصل مضاعفاتها إلى حد انتشار المجازر والحروب الأهلية المتنقلة، وهي مرشحة بصورة كبيرة للخروج عن السيطرة، الأمر الذي برر قرار موسكو كي تجري تطويراً لأدواتها المسلحة فاختارت هي أيضا، أسلوب المتطوعين والمرتزقة، ما يعني أن حرب الاستنزاف التي أرادتها واشنطن من السهل أن تتحول إلى حرب أهلية مدمرة لأوكرانيا وبيئتها في أوروبا الشرقية أولاً.

أما الميدان الاقتصادي، فعلى مستوى الطاقة، فقد أظهرت العقوبات الغربية وردة فعل موسكو عليها، مشهداً مختلفاً إلى حد كبير عما كانت تتمناه واشنطن، حيث أظهرت هذه المبارزة بأن الجميع متضرر، أي أن أمريكا وأوروبا وصل إليهما لهيب ارتفاع أسعار الطاقة أيضاً، وليس روسيا فقط.

أما على مستوى المال والتجارة، فقد كشفت الأحداث أن موسكو تعتمد بصورة أساسية على حلفائها في بريكس وشنغهاي وفي القلب منهم الصين، وانفتاح الأبواب بين هذه القوى وموسكو ما يزال قائما، حتى ولو بصورة مواربة، وحتى لو أنه لم يعفِ روسيا من كل المضاعفات المالية إلا أنه يخفف من حدتها إلى مستويات تستطيع موسكو تحملها أو التعامل معها، ما يعني بأن الأضرار المترتبة على الكرملين هي أضرار سطحية لا تؤدي بها إلى الاستنزاف والخضوع قطعياً.

تقدير الموقف الراهن:

يشير الوضع الراهن إلى أن الكرملين شن حرب (الأمن القومي) وقد حصن نفسه بمجموعة تحالفات دولية وجيوسياسية، قادرة على توفير الأمن الاقتصادي والمالي له بصورة أساسية، كما أنه اختار القوة الخشنة لفرض إرادته في مواجهة زحف أميركا والناتو، واستطاع التعامل مع تطورات الحرب الاقتصادية وما يزال، أو يمكن القول أن مستويات المواجهة لم تستلزم دخول حلفاء موسكو إلى الحلبة، وعلى الأقل لم يستلزم الأمر بعد اختبار صدقية هذه التحالفات وفاعليتها.

في المقابل يشير الموقف إلى أن الولايات المتحدة، توقفت عند حدود الحرب الاقتصادية والدعائية، مستخدمة الميدان والفضاء الذي لدى الأوروبيين بصورة أساسية، وقد أظهرت الأحداث وتسارع المواقف أن اتجاهات الرأي الأوربي تعيش حالة التباين والارتباك، ومن جهة ثانية، فقد برزت هوة (ما) بين مواقف (الاتحاد) الأوروبي وبين الولايات المتحدة.

ما عدا ذلك فإن الخطة الروسية في تدمير البنية التحتية للقدرات العسكرية والتكنولوجية الأوكرانية ما تزال تتقدم في خطوات، تكون أحيانا بطيئة ومتعثرة، مع العلم، بأن مجمل ما تقدم، يوضع في خانة أحداث الفصل الأول، الذي ما يزال من المبكر الحديث فيه عن منتصر ومهزوم، وإنما يمكن القول إن المسار الذي فرضته القوة العسكرية الروسية على أرض أوكرانيا ما زال يتحرك، بينما مجريات المواجهة متعددة المسارات ما زالت سجالا لكل طرف نقاط له وأخرى عليه.

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي