أخبارمقالات إستراتيجية

التحالف الروسي الصيني في مواجهة النفوذ الأمريكي

شبكة الهدهد
✍️ معين مناع

يمكن القول بأن الرؤية الروسية – الصينية المشتركة، التقت إلى حد ما، على أن مصالحهما الحيوية تقتضي بالضرورة وضع حد للنفوذ الأمريكي، بحيث يكون لكلا الدولتين موقع ملائم في النظام الدولي، وريث النظام أحادي القطبية، المستهدف.

والتقت أيضاً عند تقدير أن مواجهة التفرد الأمريكي، يستلزم “بناء واقع قوة جديد”، يشمل مختلف مجالات القدرة، على المستويات: الاقتصادية، والجيوسياسية، والتكنولوجية، والعسكرية وغير ذلك.

أولاً: التحالفات ذات الطبيعة الاستراتيجية:

في سياق الرؤية المشتركة، وقّعت كل من بيكين وموسكو مجموعة اتفاقات، شملت المجالات الحيوية كافة، يرى بعض الخبراء أن هذه الاتفاقات ترتقي إلى مستوى التحالف الاستراتيجي، ويرى البعض الآخر أن في هذه الاتفاقات تعاونا تكامليا أو تعاضديا، وأن كل دولة تقدم لحليفتها ما تحتاجه من علوم وخبرات أو إمكانات.

ولهذا اعتمدت الدولتان استراتيجية تبادل الخبرات المتطورة، والبناء عليها، والاستفادة من ناتج هذا التبادل، فعلى سبيل المثال: ما دامت موسكو متقدمة في مجال الصناعات الصاروخية، والصين متقدمة في مجالات التكنولوجيا والذكاء الصناعي، فإن تبادل الخبرات المتطورة في هذا المجال بين الدولتين، سيفيدهما بصورة نموذجية، ويتيح لكليهما الاستفادة من ناتج الخبرة المتقدمة، والحصول على أفضل صاروخ من حيث الدقة والسرعة، وهكذا ظهرت جدوى هذه الاستراتيجية في أكثر من مجال وميدان، ولعل هذا ما عكس نفسه على التطور الملحوظ والمتسارع لقدرات كلتا الدولتين ومساحات نفوذهما.

ثانياً: التمدد الجيوبوليتيك الدولي:

ونظراً لما يعنيه الجيوبوليتك على مستوى النفوذ وفي مجالات موازين القوة كافة؛ باعتباره الوعاء الشامل لمصادر القوة كافة. ظهرت السياسة الدولية للصين وروسيا من خلال عدد من التشكلات الدولية وهي على الشكل التالي:

  1. مشروع الحزام والطريق:
    (طريق الحرير الجديد). صحيح أن هذا المشروع هو رؤية صينية بالأساس، إلا أن خصوصية تحالفها مع جارتها روسيا، اقتضى الأمر أن يتبلور هذا المشروع بصورته النهائية على قاعدة مراعاة مصالح كل الطرفين والأخذ بعين الاعتبار المحاذير لديهما. ويتحرك خط سير هذا الطريق براً وبحراً ليضم حوالي 70 دولة، ثم تمددَ حتى اشتركت فيه أكثر من 100 دولة في كل من آسيا وأوروبا، ومن بين هذه الدول، الهند وفرنسا وألمانيا وباكستان وماليزيا وإندونيسيا وتركيا وإيران. صحيح أن العنوان الأساس من هذا المشروع هو اقتصادي بحت، لكنه على المدى البعيد من المتوقع أن تكون له تأثيرات جيوبولتيكية، وهي في العادة تميل لصالح القوى الاقتصادية الأعظم وهنا هي “الصين وروسيا”.
  2. بحر الصين الجنوبي:
    مع أن واشنطن تسعى إلى تعكير أجواء هذا البحر ليبقى منطقة توتر ونزاع، كي تستطيع الاصطياد في مياهه العكرة، إلا أن بكين استطاعت أن تسلك مساراً مختلفاً متعدد الجوانب، مستفيدة من التفاهم / الدعم الروسي، فهي من جهة كثفت من تواجدها العسكري فيه، ومن جهات أخرى، زادت من مساحات انتشارها وتمدد نفوذها في البحر من خلال الجزر الصناعية المتكاثرة التي تستحدثها في مختلف أرجائه، إضافة إلى أنها أنشأت علاقات ثنائية وجماعية مع الدول المشاطئة له، مثل تايوان واليابان وإندونيسيا والفلبين وغيرها.
    ومع أن الأمر لم يحسم بعد، إلا أن تراكم الإنجازات الصينية، بحسب تقدير الخبراء، يكاد يجعل الأمر مستقر على أنه منطقة جيوبوليتك تعمل لصالح الصين وتاليا حليفتها موسكو.
  3. دول مجلس تعاون الأمن الجماعي: (منظمة شنغهاي)
    وهي منظمة دولية سياسية واقتصادية وأمنية أوراسية، تشمل: الصين، وروسيا، وكازاخستان، وقيرغيزستان، وطاجيكستان، وأوزبكستان، وانضمت لها لاحقا كل من الهند وباكستان بصفة عضوية دائمة، وتتمحور أهداف هذا التكتل بصورة أساسية على مجالات الأمن والسياسة والاقتصاد والطاقة واستقرار المنطقة بصفة عامة، وعلى أساس هذا التشكيل الإقليمي – الدولي، حققت كل من روسيا والصين بعض الاختراقات النوعية، على مستوى تمدد مساحات التعاون والنفوذ، وضمنت مساحات مهمة في أوراسيا بعيدة عن النفوذ الغربي عموما، والأمريكي خصوصاً.
  4. مجموعة دول البريكس: (تحالف دول البريكس)
    فيه أكبر الاقتصادات الصاعدة في العالم، تتمثل في: روسيا، والصين، والهند، والبرازيل، وجنوب إفريقيا، انضمت إيران لهذه المجموعة مطلع العام 2022، ويشمل هذا التعاون الجانب الأمني، وبهذا التكتل الدولي، تكون الدولتان (روسيا والصين) قد وفرتا الحد اللازم لإدامة التدفق المالي والانسياب التجاري والتفاعل الاقتصادي مع شبكة الأمان التي توفرها هذه الدول، وتمزج هذه الشبكة – إضافة إلى الاقتصاد – الجغرافية والديمغرافية، كما أنها تؤسس لتحول القدرات / التوجهات الروسية – الصينية من محلية فقط إلى دولية أيضاً.
  5. التموضع في بحر الشمال:
    مع أن روسيا تمتلك حوالي نصف الحدود البحرية المطلة على المحيط المتجمد الشمالي أو أكثر، ومع أن الصين ليس لها حدود مباشرة مع هذه البقعة الحيوية، نظرا لمواردها ومستقبل دورها على مستوى الحركة التجارية الدولية، إلا أن موسكو وعلى خلفية التحالف والتعاون الاستراتيجي القائم بينها وبين بكين، قدمت لها تسهيلات وخدمات لوجستية، وأبرمت معها اتفاقات تعاون ثنائية للعمل في بحر الشمال.

تقول التقارير المختصة بأن الدب الروسي والتنين الصيني، قد حسما معركة الشمال وهما يضعان حاليا أيديهما على مقدرات هذه المنطقة ويتحكمان بصورة حاسمة بالممرات الحيوية وبمواردها المعدنية النادرة؛ يقدر المختصين بأن هذه الموارد هي أساس الصناعات التكنولوجية المتطورة في العالم، وهذه المنطقة هي أحد أغنى ثلاث مناطق في الكرة الأرضية، بعد الصين وأوزباكستان بهذه الموارد النادرة.

رابعاً: التفوق التكنولوجي:

كذلك الحال بالنسبة للتكنولوجيا، وهي اليوم أم الصناعات، وعنوان التفوق للحاضر والمستقبل، في المجالات المدنية والعسكرية على تنوعها واتساعها، ومنذ أن وصلت الصين إلى الــ 5G، تم تبادل هذه التقنية مع حليفتها موسكو، الأمر الذي أشعل جنون الولايات المتحدة، لإدراكها خطورة هذا السبق.
وللإشارة، فإنه من بين مخاطرها أنها تشكل سوقاً حيوياً وسلعة هامة للعالم الأول والطامحين بالفضاء؛ وهو الأمر الذي يقلل من نفوذ واشنطن وتأثيرها في كثير من دول العالم. إضافة إلى المخاطر التي تدركها واشنطن وهي المترتبة على إدخال هذه التكنولوجيا في مجال الصناعات العسكرية والفضاء. وهو الأمر الذي تستثمر فيه كل روسيا والصين.

ومن الجدير الالتفات إلى سعي الصين لاستعادة السيطرة على تايوان وضمها إلى كيانها لاعتبارات متعددة، في مقدمتها التطور التكنولوجي وصناعات أشباه المواصّلات التي تتميز بها تايوان عنوة على باقي دول العالم، ولم يقف الطموح الصيني عند هذه الحدود وإنما وصل إلى حد احتكار مصادر المواد الخام لما يسمى المعادن النادرة، وهي متوافرة حصرا في الصين وكازاخستان جارة روسيا وفي أعماق المحيط الهادي؛ الذي يعد ضمن نطاق الهيمنة الروسية الصينية المشتركة، وفي هذا المضمار، تحديدا، من المهم العودة لإظهار جدوى تبادل الخبرات بين الدولتين.

خامساً: الصواريخ النوعية:

لعل من بين أهم مقدرات القوة، التي يحسب لها ألف حساب، لتقييم موقف التحالف الروسي الصيني في مواجهة أميركا ومعها حلف الناتو، هو ترسانة الصواريخ المتفوقة القدرة، وهي مثل:

  1. الصواريخ النووية ذات المدى (400 كلم)
    فما فوق، وهي توفر تفوقاً نوويا للصين حليفة روسيا، في مناطق بحر الصين والمحيط المتجمد الشمالي ومعظم أوروبا الغربية، خصوصا أن أميركا دمرت هذا النوع من الصواريخ بموجب “اتفاقيات ستارت” مع روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق.
  2. الصواريخ العابرة الفرط صوتية:
    التي تمكّن كل من موسكو وبكين من القيام بالرد على أي هجوم صاروخي غير تقليدي قبل وصول هذا الاعتداء إلى أراضيها، حيث إن سرعة هذا النوع من الصواريخ قد تجاوزت سرعة الصوت بـ 26 ضعفا أو أكثر، بحسب بعض التقارير المتخصصة، مع مميزات أخرى مثل القدرة على التملص من الرادارات أو المضادات وإفشال التعقب.
  3. الصواريخ المضادة للأقمار الصناعية:
     وهي ذات مميزات متعددة، فمنها ما يستطيع تدمير هذه الأقمار وإبعادها عن مداراتها ما يعني تعطيلها عن العمل بمهامها في الرصد والإرشاد، ومنها ما يشوش على هذه الأقمار ويحجبها عن التواصل مع الجهات أو القطاعات المستفيدة من معلوماتها ورسائلها، وهذا يعني بأن بكين وموسكو قد وصلتا إلى مرحلة القدرة على حرمان واشنطن من مميزات حرب النجوم والتفوق في الفضاء، وما يزيد من عمق هذه المشكلة لدى الولايات المتحدة هو التقدم الصيني في مجلات الــ 5G والــ 6G فائقة السرعة، وتحقيقها سبقا ما تزال إدارة البيت الأبيض تقر بتخلفها في هذا المضمار.

سادساً: تقدير الموقف بين التحالف الأوراسي – الأمريكي:

على مستوى الإحصاء، ما زال الحسم بأن الولايات المتحدة الأمريكية هي القوة الدولية رقم واحد في أكثر من مجال، هو سيد الموقف، ولكن هذا التقدم لم يعد بفارق يسمح لها بالبقاء في قمرة قيادة النظام الدولي منفردة، بل يحرمها من خيارات استخدام القوة العسكرية غير التقليدية مع المنافسين الدوليين، لأن نتائج هذه المواجهة، على الأقل سوف تدفع الولايات المتحدة إلى مقعد خلفي في الصف الثاني أو الثالث، خصوصاً أن الصين، صاحبة الموقع الدولي الصاعد اقتصاديا وتكنولوجيا، تحصن نفسها، هي وحليفتها روسيا، في قدراتهما العسكرية والجيوسياسية بصورة رادعة.

بموازاة هذا المسار، فإن كلا القوتين المنافستين، تستفيدان بعوائد تحالفاتهما على المستويات الجيوبوليتيكية والعسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، كما يحرم أمريكا من السلوك في طريق الخيار العسكري، ويُلزمها في سلوك طريق الحرير الاقتصادي والتجاري، فتبقى، بذلك، ضمن الركب وبعيدة عن قمرة قيادته، هذه القمرة المحجوزة، على الأرجح، برسم القوى الشرقية المتحالفة.

ولغاية الاستقرار على “نظام دولي جديد”، فإن أوروبا من جهتها، بدأت تفكر في توفير الحماية الذاتية بعيدا عن أميركا، حيث أن هذه الأخيرة أنجزت منذ فترة زمنية قصيرة تحالفها الجديد (أوكوس) مع كل من بريطانيا وأستراليا.

هذا التحالف الذي فهمت منه القوى الأوروبية الكبرى، بأن هذا التحالف الجديد، هو رسالة ضمنية من الولايات المتحدة تفيد أنها لم تعد ترجو خيرا من هذا التشكيل الهرِم، ولم تعد تراهن على فاعليته في المواجهة والاستحقاقات والتحديات القادمة مع عمالقة الشرق، ولذلك أدركت أوروبا أن خطوة (أوكوس) هي عملية تحول في الاهتمام الأمريكي عن أوروبا، نحو مناطق أخرى، أو على الأقل، بأن واشنطن وجدت سبيلا إضافيا عدا أوروبا العجوز.

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي