أخبارالشرق الأوسطترجمات

“التقارب الإسرائيلي التركي” يُعقِد جهود الوساطة الأوكرانية

ترجمة الهدهد
المونيتور/ بن كاسبيت

كانت “تل أبيب” حذرة في الأيام القليلة الماضية بشأن “جهود الوساطة الإسرائيلية” بين الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” ونظيره الأوكراني “فولوديمير زيلينسكي”، صحيح أن بينت يواصل إجراء مكالمات هاتفية مطولة مع الزعيمين، وقد ذكرت صحيفة فاينانشيال تايمز هذا الأسبوع أن بينت “كان الوسيط الدولي الأساسي في المحادثات”، ولا يزال المسؤولون في الكيان صامتين، فيما قال أحد مساعدي بينت المقربين للمونيتور: “لم توجز فاينانشيال تايمز فيما حدث، وأن التقرير الذي صدر من خلال مراسلهم في أوروبا، ليس لدينا رد فعل عليه”.

لا تزال التقارير تشير إلى تقدم محرز في المفاوضات الروسية الأوكرانية، فيما تُعرب “إسرائيل” عن عدم تفائلها في هذه المرحلة ويحاول رجال بينيت التقليل من دوره، ربما خوفاً من فشل متوقع قد يشوه سمعته، أو كجزء من “السياسة المحسوبة” المعلنة لـ “إسرائيل” تجاه كلا الجانبين منذ بداية الحرب.

حتى في الوقت الذي تحاول فيه “إسرائيل” التقليل من دورها، فإن دور الوساطة التركي ودور رئيسها رجب طيب أردوغان آخذ في الازدياد، مع تقديم العروض إلى الزعيمين المتحاربين للاجتماع في أنقرة أو إسطنبول، بينت الذي طرح فكرة القمة في “تل أبيب” قبل الغزو الروسي، لم يعد حريصاً على ذلك، والأوكرانيون الذين أعربوا عن استعدادهم للقاء في “تل أبيب”، يواجهون إجابات “إسرائيلية” مراوغة، وفي الوقت الحالي تقف تركيا و”تل أبيب” خارج الدائرة.

قبل أقل من عام، كان من المحتمل أن تؤدي عروض الوساطة هذه إلى بدء سباق بين “تل أبيب” وأنقرة على الدور القيادي، ولكن في هذه الأيام وفقاً لبعض التقارير، يُعتقد أن “تل أبيب” وأنقرة تنسقان تحركاتهما، وينبع هذا الانقلاب في القرار من الانفراج الكبير في علاقتهما منذ الصيف الماضي، والذي بلغ ذروته بزيارة الرئيس “إسحاق هرتسوغ” في 9 مارس الماضي إلى أنقرة وإسطنبول.

حيث بذل أردوغان كل ما في وسعه في الترحيب بهرتسوغ، وتخلى علناً عن منطقة الراحة التي استخدم منها “إسرائيل” ككيس ملاكمة كلما دعت الحاجة إلى ترسيخ قاعدته السياسية، وبحكم تصريحاته، فإنه يركز بدلاً من ذلك على المصالح الجيوسياسية الاستراتيجية لبلاده في ضوء التطورات الإقليمية والدولية الكبرى، في هذا المجال مواقف أنقرة أقرب بكثير من “تل أبيب” هذه الأيام مما هي عليه في كثير من العواصم الأخرى.

عاد هرتسوغ من مهمته لكسر الجليد في تركيا وهو سعيد، فقد تم استقباله مع الزخارف والأبهة المخصصة لأولئك الذين تسعى تركيا إلى إثارة إعجابهم، بما في ذلك حراس الشرف العسكريون، و21 طلقة تحية وعزف أوركسترالي “للنشيد الإسرائيلي” هاتكفا، وكانت رؤية زعيم إسلامي محسوب على حماس واقفاً على أصوات نشيد الدولة اليهودية في فناء منزله هو الصورة النهائية للنصر لهرتسوغ بعد أكثر من عقد من العداء والاغتراب بين البلدين.

ومع ذلك فإن هرتسوغ شخص واقعي، فبينما تتبنى المستويات الدبلوماسية العليا في “إسرائيل” وجهة نظر أكثر رصانة لهذه التطورات، فإنهم على استعداد تام لمنحهم فرصة، نحن نعلم أن نوع التحالف الاستراتيجي الذي كان لدينا مع تركيا ليس مطروحاً الآن.

نحن ندرك حدود أردوغان ونعلم أنه لم يقع في حبنا ولم يتحول إلى الصهيونية، إنه ببساطة يُظهر قيادة براغماتية، فقد وصلت مصالحه المشتركة العديدة إلى كتلة حرجة دفعته إلى تغيير الاتجاه، قال أحد كبار “المصادر الدبلوماسية الإسرائيلية” للمونيتور: “هذا ما فعله ونحن ماضون في طريقه”.

فيما وصف “مسؤول دبلوماسي إسرائيلي” آخر الأمر على هذا النحو، عندما تفتح مثل هذه النافذة الكبيرة من الفرص لا تغلقها، فتركيا قوة واحدة من ثلاث قوى غير عربية تملي وتيرة الأحداث في الشرق الأوسط إلى جانب إيران و”إسرائيل”، ولم يعد التحالف بين هذه الدول أكثر، فإيران عدو لدود لا تخفي رغبتها في القضاء على “إسرائيل”.

وأشار المسؤول إلى أن عدد سكان تركيا يبلغ حوالي 90 مليون نسمة، وأنه حتى خلال جائحة فيروس كورونا، عندما تراجعت التجارة العالمية، كان حجم التجارة الثنائية بين “إسرائيل” وتركيا من بين القلائل التي سجلت زيادة، حيث وصلت إلى ما يقرب من 8 مليارات دولار، ما جعل الدولتين شريكين تجاريين استراتيجيين.

وقال المسؤول: “لا يمكن تجاهل هذا، ويسعدنا أن نرى أن أردوغان يعترف بذلك أيضاً”.

إن نوايا أردوغان لم يتم اختبارها بعد في مواجهة صدام “إسرائيلي” فلسطيني كبير، أثار مثله خطاباً غاضباً وإجراءات معادية لـ “إسرائيل” في الماضي، وتأمل كلتا العاصمتين في إمكان تجنب ذلك حتى خلال شهر رمضان المقبل، الذي يبدأ في 2 أبريل هذا العام مع عيد الفصح اليهودي (الذي يبدأ في منتصف أبريل)، وهي موافقة في التوقيت الذي نادراً ما كان ينذر بأخبار سارة في الماضي، ويمكن أن يحدث تصعيد “إسرائيلي” فلسطيني خلال هذين التاريخين المقدسين في واحدة أو اثنتين من النقاط الساخنة التقليدية التي يعتز بها أردوغان: المسجد الأقصى في القدس أو قطاع غزة.

أعلن أردوغان وهرتسوغ بعد اجتماعهما أنه سيتم تشكيل فريق خاص لتسوية الخلافات والتعامل مع الأزمات والصراعات بشكل مباشر من قبل كلتا العاصمتين، وسيرأس “الفريق الإسرائيلي” المدير العام لوزارة الخارجية “ألون أوشبيز”، وسيرأس الفريق التركي “إبراهيم كالين”، أحد أقرب مستشاري أردوغان.

وقال مسؤول دبلوماسي “إسرائيلي” آخر: “لا أعرف ما إذا كان بإمكاننا التغلب على الأزمة القادمة، ولا متى يمكن أن تحدث، أنا أعلم أن هذه المرة كلا الجانبين مهتمان بالتوصل إلى نتيجة سلمية”.

تحاول “إسرائيل” طمأنة حلفائها الإقليميين الآخرين، فقبل توجه هرتسوغ إلى أنقرة، أجرى زيارات رسمية إلى اليونان وقبرص، اللتين باركتا التقارب مع تركيا.

إن الحقول الكبيرة من الغاز الطبيعي الموجودة في المياه الإقليمية لـ “إسرائيل”، قضية حساسة للغاية في العلاقات الإقليمية لـ”إسرائيل”، وقال المسؤول الدبلوماسي: “أردوغان يريد الغاز بأكبر قدر وبأسرع وقت ممكن”، وتم تعليق خط أنابيب الغاز “ايست ميد” المقترح من “إسرائيل” عبر قبرص واليونان إلى أوروبا، ويرجع ذلك إلى تحفظات الولايات المتحدة بشأن المشروع الطموح، وأشار المسؤول إلى أن “الأمريكيين يفضلون رؤية الغاز يمر عبر تركيا”.

وهناك خطط جارية على قدم وساق لضخ “الغاز” إلى أوروبا عبر مصر، واعترف “مصدر اقتصادي إسرائيلي”: “بأن هذه رقصة معقدة نحاول القيام بها بين خيارات مختلفة وخطوط أنابيب الغاز، مبدأنا الاستراتيجي هو تجنب وضع كل بيضنا في سلة واحدة، أي تجنب ضخ كل الغاز عبر خط أنابيب واحد في منطقة متقلبة مثل منطقتنا”.

ما الذي يمكن استنتاجه من هذا التعليق؟ سيكون من دواعي سرور “إسرائيل” أن يتدفق بعض غازها الطبيعي إلى أوروبا عبر تركيا شمالاً، والبعض الآخر عبر مصر غرباً، هذه الرؤية السارة لا تزال بعيدة المنال، الآن دعونا نرى كيف نجتاز رمضان.

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي