أخبار رئيسيةالشرق الأوسطمقالات إستراتيجية

الحرب في أوكرانيا: دول عربية تناور بين القطبين

ترجمة الهدهد

معهد دراسات الأمن القومي/ يوئال غوزينسكي

منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا امتنع العديد من قادة الدول العربية الذين يُنظر إليهم على أنهم “برغماتيون” ومؤيدون لأمريكا عن انتقاد روسيا وسعوا إلى إبعاد أنفسهم قدر الإمكان عن الأزمة بينها وبين الغرب، بعضهم تباطأ ولم يتعاون مع محاولات الولايات المتحدة عزل روسيا سياسياً واقتصادياً.

بطبيعة الحال لا يمكن تحديد العواقب طويلة المدى للغزو الروسي لأوكرانيا على الشرق الأوسط في الوقت الحالي، ولكن من المهم دراسة اتجاهات تطوراته الممكنة مع التركيز  على مكانة الدول العربية والقوى الرئيسية في المنطقة.
باستثناء سوريا والحوثيين في اليمن الذين عبروا عن دعمهم الكامل لروسيا، سعت دول عربية أخرى للمناورة بين القطبين، للحفاظ على العلاقات مع الولايات المتحدة و عدم الإضرار بعلاقاتها  مع روسيا.

وعلى خلفية القتال في أوكرانيا اكتفت جامعة الدول العربية بدعم الجهود الإنسانية، ودعت إلى حل دبلوماسي لكنها امتنعت عن التنديد وحتى عن ذكر اسم روسيا في بيانها حول هذا الموضوع.
حتى إن عددًا من كبار المسؤولين في المنطقة عبروا  عن مشاعرهم: “قد لا يتماشى ذلك مع السياسة الأمريكية، ولكن من الآن فصاعدًا ستسير الأمور على هذا النحو” يقول بروفيسور إماراتي معروف بأن مواقفه تعكس مواقف الحكومة.

وبرّر أنور قرقاش كبير مستشاري حاكم الإمارات العربية المتحدة سياسة بلاده بالقول إن “اختيار جانب الآن لن يؤدي إلا إلى مزيد من العنف.
حتى إن يوسف العتيبة سفير الإمارات العربية المتحدة اعترف بأن العلاقات بين الإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة تخضع الآن للاختبار.

وأكد ولي العهد السعودي والقائد الفعلي للسعودية محمد بن سلمان أهمية العلاقات مع الأمريكيين، لكنه ذكر أن الولايات المتحدة ليس لها الحق في تقديم المواعظ للمملكة أو التدخل في شؤونها الداخلية.

التي تستحق الإشارة إليها هي الإمارات العربية المتحدة، التي أبرزت علاقاتها الوثيقة بالقيادة الروسية، وقامت بلفتات (مؤقتة) تجاهها، بل وأكدت مثلها مثل مصر ضرورة البحث عن حل وسط سياسي، وقالت: “يبدو  أن لروسيا أيضًا مزاعم مشروعة وأن على  أوكرانيا أن تبدي مرونة”.

كما امتنعت الإمارات عن التصويت في مجلس الأمن الدولي على قرار يدين روسيا.
هذا الموقف لدولة الإمارات العربية المتحدة – الرئيس والعضو المؤقت في مجلس الأمن – ارتبط مع أمور أخرى برغبتها في كسب دعم روسيا لتمديد حظر الأسلحة على الحوثيين في اليمن.
لكن الضغط الأمريكي الشديد دفع الإمارات وكذلك السعودية ومصر إلى دعم إدانة روسيا للجمعية العامة.

كل هذا على خلفية المتغيرات في السياسة الخارجية التي تمر بها عدد من الدول العربية، والتي هدفها الأساسي التكيف مع الظروف المتغيرة، وخاصة تعزيز  مكانة روسيا والصين في المنطقة على حساب الولايات المتحدة.

حدث كبير تم تفسيره على أنه دليل على تراجع مصداقية الولايات المتحدة في حماية أمنها، وهو امتناع واشنطن عن الرد العسكري على الهجوم الإيراني على منشآت النفط الإستراتيجية في المملكة العربية السعودية في عام 2019.

إن المفهوم بأن الولايات المتحدة لا يمكن الوثوق بها في مساعدة الدول العربية إذا تعرضت لهجوم من قبل إيران قد تعزز  بفعل الأحداث في أوكرانيا وانعكس في كتابات كبار كتاب الأعمدة في الصحافة العربية.

تحويط المخاطر لدى الدول العربية انعكس في السنوات الأخيرة في توطيد العلاقات مع الصين وروسيا، فهي تتعاون مع روسيا في تنظيم أسعار النفط وفي المجال النووي وشراء الأسلحة منها والاستمتاع بالسياحة الروسية.

وتقربت الإمارات العربية المتحدة بشكل خاص من الرئيس السوري بشار الأسد حليف روسيا، بل وبحسب ما نشر هي من مول أنشطة قوة المرتزقة الروسية “فاغنر” في ليبيا.

وما قد يرجح كفة روسيا في نظر قادة الدول العربية هو استعدادها لاستخدام القوة لحماية حلفائها، وعلى عكس الولايات المتحدة استخدام الروافع العسكرية لتحقيق أهداف سياسية.

ومؤخرا أوقفت الإمارات محادثات شراء طائرات  F35 التي كانت ضمن المنحة الممنوحة لها مع موافقتها على توقيع “اتفاقيات أبراهام”.

وفي توقيت غريب في يوم “الغزو الروسي” لأوكرانيا أُعلنت أنها ستشتري طائرة التدريب الصينية المقاتلة/ من طراز L15.
كما استغلت المملكة العربية السعودية الحرب لإبلاغ الولايات المتحدة بأن لديها خيارات أخرى غيرها.

وتم دعوة الرئيس الصيني “شي جين بينغ” لزيارة المملكة مع نهاية شهر رمضان، وأعلنت الرياض أنها تدرس الآن تسعير صفقات النفط مع الصين (الزبون الرئيسي للنفط السعودي) بالعملة الصينية بدلاً من الدولار الأمريكي مثلما كان حتى اليوم.

من بين الآثار المباشرة للحرب في أوكرانيا التقلبات الحادة في أسعار الطاقة (بلغ سعر برميل نفط برنت 128 دولارًا في بداية الحرب لكنه انخفض منذ ذلك الحين إلى حوالي 100 دولار)، وهو ما ينعكس سلبًا على الدول العربية التي تستورد النفط والتي قد  تشهد اضطرابات شعبية طالما استمرت الأزمة إيجابا على منتجي النفط.

ارتفاع أسعار النفط سيسمح لدول الخليج وليبيا والجزائر بتغطية العجز المتراكم في السنوات الأخيرة وتنفيذ المشاريع المطلوبة.
وتوضح الحرب مرة أخرى الأهمية الاستراتيجية للخليج بالنسبة لاقتصاد الطاقة العالمي، وأهمية الأصول المتنامية لدول الخليج العربي.

في هذا السياق، حثت واشنطن الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية أكبر مُصدر للنفط في العالم (التي تقدر طاقتها الإنتاجية الفائضة بمليوني برميل يوميًا)  على زيادة إنتاجهما النفطي لمحاولة التخفيف من الارتفاع الكبير في أسعار النفط في بداية الحرب ولكن حتى الآن بدون جدوى.

وأكدت الدولتان التزامهما بالاتفاقيات مع روسيا  العضوة  معهم في منظمة في Ofek +، بخصوص حصص إنتاج النفط.
في عدة مناسبات ترددت أنباء عن رفض السعودية والإمارات التحدث إلى بايدن، قد يكون هذا الرفض بسبب رغبتهم في تحسين موقفهم التفاوضي تجاه الولايات المتحدة.

وفي هذا السياق يجب الاخذ بالحسبان دخول النفط الإيراني إلى الأسواق بعد توقيع اتفاقية نووية مع إيران، وضرورة تعديل حصص تصدير النفط مع الشروط الجديدة.

في الواقع، بينما الانتباه العالمي موجه إلى أوكرانيا؛ فإن مخاوف الدول العربية تتعلق بالاتفاق النووي الناشئ مع إيران، والذي يعتقدون أنه من المتوقع أن يكون جيدا لإيران ولا يعالج “قضايا الإرهاب” والتخريب وكذلك نشر الصواريخ والطائرات بدون طيار  المسؤولة عنها طهران.

لذلك تسعى دول الخليج على وجه الخصوص إلى الحصول على مقابل مناسب للتوافق مع الموقف الأمريكي يكون على شكل تعاون استخباراتي متزايد معها وتعزيز قدراتها الدفاعية.

كما تتوقع السعودية مساعدة أمريكية في تطوير برنامج نووي وتحسين العلاقات بين واشنطن ومحمد بن سلمان، بما في ذلك تبرئته من دعوى قضائية محتملة في الولايات المتحدة بسبب تورطه في اغتيال خاشقجي.

علاوة على ذلك، يمكن أن تؤدي الحرب في أوكرانيا إلى تفاقم الواقع الصعب أصلا في جميع أنحاء الشرق الأوسط وتهديد الأمن الغذائي للعديد من سكان المنطقة.

ويضاف إلى ذلك تدخل المضاربين والذعر بين المواطنين، الأمر الذي قد يسرع من ارتفاع الأسعار التي ارتفعت هي الأخرى في العامين الماضيين.

الدول الضعيفة التي لم تخرج بعد من أزمة كورونا قلقة بشكل خاص من ارتفاع أسعار الطاقة والحبوب، فلقد أدت الحرب بالفعل إلى ارتفاع أسعار الخبز غير الخاضع للإشراف في مصر (أكبر مستورد للقمح في العالم) وكذلك في تونس.

والخوف هو  من حدوث اضطرابات شعبية بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية هذا إلى جانب مشاكل اجتماعية أخرى أدت في الماضي إلى تسريع الاحتجاجات وأعمال الشغب في الأردن ومصر والمغرب وتونس تهدد استقرار الأنظمة.
من المحتمل من أجل منع الاضطرابات أن تزيد الدول الأفقر في المنطقة العربية مثل مصر والأردن على سبيل المثال من اعتمادها الاقتصادي على دول الخليج.

من المتوقع أن تواصل الدول العربية الرئيسية العمل على تنوع دعمها السياسي والاقتصادي وحتى العسكري وبالتالي حث الولايات المتحدة أيضًا على إثبات مصداقيتها كحليف، وإيجاد معادلة تحسن من خلالها وضعها أو مكانتها .
ويشير اختيار بعض الدول العربية لـ “الحياد” الصريح والعلني إلى التغيير الذي طرأ بالفعل على مكانة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. 

على الرغم من أن معظم الدول العربية تدرك أنه لا يوجد في الوقت الحالي بديل جيد للسيطرة الأمريكية، إلا أنها لا تزال ترى العلاقات الوثيقة معها ركيزة أساسية في أمنها، على الرغم من تراجع اهتمام واشنطن بالمنطقة بشكل عام وبالمشاكل الأمنية لهذه الدول بشكل خاص.

من وجهة نظرها يجب عليها تعويض هذا النقص بعدة طرق: تعزيز قوتها العسكرية، والحفاظ على علاقات جيدة مع إيران، وتقوية علاقاتها مع الدول والقوى الأخرى إلى جانب علاقاتها مع الولايات المتحدة.
بمعنى آخر حتى لو جددت الولايات المتحدة اهتمامها بالشرق الأوسط بعد الحرب وقطعت شوطًا طويلاً تجاه الدول العربية.

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي