أخبار رئيسيةمقالات إستراتيجية

تثري خزينة حماس وتلتقي رئيس الأركان كوخافي

هكذا دخلت قطر ميدان العُظماء

ترجمة الهدهد
معاريف/ جاكي خوجي

خبر مهم صدر من واشنطن يوم الجمعة الماضي لكنه لقي تغطية هامشية في التقارير الإخبارية منا ومن جيراننا، لقد أعلن البيت الأبيض أن الرئيس “جو بايدن” أعلن أن إمارة قطر حليف استراتيجي للولايات المتحدة، ويسمح هذا الوضع الجديد للأمريكيين بإقامة علاقات أمنية مع قطر على أعلى مستوى، وبيعها أسلحة وذخائر كثيرة وإزالة العوائق في العلاقات التجارية معها أيضاً، مثل مجال الطاقة التي تشتد أزمتها هذه الأيام.

تم اتخاذ القرار بعد تفكير عميق وتقييمات للوضع تم إجراؤها في البيت الأبيض، قبل شهر من ذلك زار أمير قطر تميم بن حميد واشنطن وفي اجتماعهما سلمه بايدن هذا القرار بين يديه.

“أفرايم هاليفي” الرئيس السابق للموساد قال لي هذا الأسبوع في مقابلة على إذاعة الجيش أن هذا التطور ليس مفاجئاً، وقال إن الدوحة كانت حليفاً للأمريكيين منذ سنوات عديدة وما فعله بايدن هو أنه قد منح هذا التحالف طابعاً رسمياً، وأقر بأن قطر تلعب دوراً إيجابياً في المنطقة، وأن دعمها لجماعة الإخوان المسلمين وحماس واقع مقبولاً لدى إسرائيل، وبحسب فهمه فإن مساهمتها في الاستقرار الإقليمي يفوق مؤامراتها.

على ما يبدو هذا الاستنتاج له قاعدة بني عليها، على أرض قطر في قلب الأمارة أسس الأمريكيون قاعدتهم الجوية الأكبر والأهم في الخليج، وتعتبر قطر من أهم منتجي الغاز في العالم، وقبل أن ينجر العالم إلى أزمة طاقة محتملة بسبب الحرب في أوكرانيا، من المهم أن تعمل دولة منتجة مثلها بالتنسيق مع العالم الحر وتخفف الاضطرابات التي قد تسيطر عليه.

يُنشئ البيت الأبيض حالياً جبهة موحدة ضد موسكو لفرض عقوبات واسعة النطاق عليها ويمثل الغاز الروسي حوالي 40% من استهلاك الدول الأوروبية، وللسماح لهم بالانضمام إلى المقاطعة، يتعين على بايدن تقديم مصدر إمداد بديل مناسب وهو وجده عند الأمير البالغ من العمر 42 عاماً.

“هاليفي” عبّر عن رأيه الشخصي لكنه عكس موقف القيادة في “تل أبيب” هذه الأيام، الملايين التي تتدفق من قطر على غزة كل شهر تعمل على استقرار الحدود الجنوبية “لإسرائيل”، ولا يقتصر الأمر على أن “إسرائيل” لا تخوض صراعاً مريراً ضد حماس ربيبة القطريين، بل إنها تجري اتصالات غير مباشرة معها، في الأسبوع الماضي في رحلته إلى الخليج، أفادت الأنباء أن رئيس الأركان “أفيف كوخافي” التقى قائد الجيش القطري، ويمكن الافتراض أن الاجتماع يدل على أن الاتصالات أعمق وتتجاوز التعاون فيما يتعلق بغزة.

تسريب نبأ الاجتماع من “تل أبيب” دليل على عدم اعتراض “إسرائيل” على الاتصالات، متى كانت آخر مرة سمعت فيها أن “مسؤولاً إسرائيلياً” يهاجم قطر كما في السابق، على سبيل المثال بسبب بث قناة الجزيرة أو لأنها تستضيف شخصيات بارزة في حماس، وهنا يتبين لنا أن الدوحة، التي اعتقدنا أنها عدو هي في الواقع صديقة.

جيدون أم سيئون؟

ومع ذلك فإن قطر تحمل على ظهرها حملاً ثقيلاً من الأعمال المشبوهة، خلال الحرب في سوريا هي التي دعمت مادياً وعسكرياً فصائل الثوار التي حاربت الأسد، حيث عملت هذه الفصائل على قلب النظام في سوريا، ورغم فشلها إلا أنها مزقت سوريا لأشلاء وزرعت فيها الدمار والحزن، على الرغم من أن القطريين لم يكونوا الوحيدين أو حتى القادة في حملة الإطاحة بالأسد إلا أن أيديهم ملطخة بدماء السوريين.

في وقت سابق انضمت قواتهم الجوية إلى جيوش الناتو في محاولة للإطاحة بالقذافي وشجعت قناة الجزيرة الانتفاضة الدموية بتغطية وثيقة من جانب واحد، وليبيا اليوم بلد مدمر ومنقسّم.

قطر لا ترعى قادة حماس فحسب، بل تساهم أيضاً في تمويلها بطرق مختلفة، فهي الأقرب من إيران بين دول الخليج وعلاقاتها معها دافئة، وبشكل عام التنظيمات الجهادية والجماعات السلفية والدوائر المتشددة لا تعتبر لعنة في الدوحة.

القطريون لم يخترعوا كل هذا بأنفسهم، هم تعلموا ذلك من السعودية أم التنظيمات الجهادية وحقائب المال النقدية، كما تبنت الإمارات العربية المتحدة حبيبة الغرب وصديقة “إسرائيل” سياسة مماثلة خاصة في العقد الماضي.

لقد مولت المتمردين في سوريا، وكانت شريكاً في المعركة في اليمن التي تسببت في الخراب والدمار على الرغم من أنها لم تسقط في أيدي إيران، وهي التي نبشت في ليبيا وغيرها من النقاط الساخنة في المنطقة.

الثلاثة احتضنوا، كل على طريقته وعقيدته الخاصة أسوأ الناس، ولولا تمويل هذه الدول لوجدت منظمات مثل القاعدة وداعش صعوبة في اتخاذ خطواتها الأولى في مناطق الذبح والقتل في العراق وسوريا.

هذه هي شرائع الغاب، هذه الأنظمة في صراع دائم من أجل البقاء، كما هو الحال بالنسبة لعادات القبائل في الصحراء، في واقع المؤامرات والمكائد والمصالح الأجنبية لا ينبغي الاكتفاء ببوليصة تأمين واحدة خوفاً من خسارتها فجأة، بل يجب شراء العديد منها.

وهذا هو السبب في أنهم يسعون جاهدين لتسليح أنفسهم، وفي  الوقت نفسه التقرب من أي عامل قوة، كالقيام بتمويل المنظمات الجهادية، واستيعاب الآلاف من المنفيين من جماعة الإخوان المسلمين، وتقديم المساعدة اللوجستية للجيش الأمريكي، والتقرب من روسيا ومغازلة “الإسرائيليين”، والحفاظ على الوضع الراهن مع إيران، وشراء أفضل الأسلحة والوسائل القتالية من أي شخص يبيعها.

للقطريين مصلحة خاصة بل وعاجلة، في أن يكونوا أبناء صالحين للغرب، كأس العالم أمامنا واستضافته في الدوحة لها معنى يتجاوز الرياضة، ويمنح هذا المصنع مُنظميه مكانة متألقة – في جميع أنحاء العالم وبين الجيران، ولا يوجد شيء أفضل منه لتلميع صورتها كنظام غير ديمقراطي يدعم الإرهاب، قريباً إذا نجحت مبادرة بايدن فستكون قطر أيضاً لاعباً رئيسياً في نظام العقوبات ضد روسيا، ومع كأس العالم على كتفها والغاز في جيبها، ستصعد الإمارة الصغيرة التي كانت تثير الأمواج في الساحة الإقليمية منذ أكثر من عقدين إلى الساحة الدولية.

لقد احترنا، إذا كانت قطر كما وُصفت أعلاه فما هو مكانها الصحيح، مع الأخيار أم الأشرار؟

حسناً هي مع كليهما

سياسة هجين

أعلن وزير التربية والتعليم هذا الأسبوع فوز البروفيسور “شمعون شامير” بجائزة “إسرائيل للبحث في علوم الشرق الأدنى”، تخصص شامير في الماضي كان في دراسة مصر جمال عبد الناصر، وشغل لاحقاً منصب سفير “إسرائيل” في القاهرة، ثم لاحقاً في عمان، لقد كانت حقبة الحرب الباردة وكان الشرق الأوسط مقسماً أيضاً حسب الأخيار مقابل الأشرار، ناصر والأسد والقذافي وعرفات ورفاقهم يعظمون السوفيت، وبالتالي كانوا من “الأشرار”.

لقد رأوا الأمريكيين على أنهم أعداء وإسرائيل ربيبته، لو كانوا معنا اليوم لأطلق عليهم بالتأكيد “محور الشر”.

لكن السياسة اليوم لا تنقسم فقط إلى أبيض وأسود، بروح العصر الرقمي فهي تتغير باستمرار وتخلع شكلاً وترتدي شكلاً آخر، حكومات تحولت إلى لاعبة بوكر وملوك ورؤساء إلى عملاء مزدوجين، لقد فهمت قطر جيداً ما لم يفهمه ناصر العظيم قبلها بخمسين عاماً، وهو أنه يمكنك أن تتبرز على شريكك وتعانقه في الوقت نفسه ويمكنك أيضاً أن تتعامل معه جيداً، ثم تدير ظهرك له، بشرط أن تحافظ على نظافة يديك.

لماذا تشعل الحرب وتهدد بشكل مباشر، إذا كان بإمكانك التحكم عن بعد في الساحة المستهدفة، أو إرسال الآخرين للقيام بذلك نيابة عنك.

لقد انتهى العصر الثنائي، عندما كان لا يمكن تعريف الدولة إلا على أنها جيدة أو سيئة وتم استبداله بواقع هجين، واقع هكذا وهكذا، ليست قطر وحدها التي تتفوق في هذا، انظروا إلى مصر كيف أنها تتقرب من “إسرائيل”، ولكنها تبتعد عن شعبها، وكيف ترى الإمارات في إيران جار خطير لكنها تتاجر معه على نطاق واسع، إنه أمر رمزي تماماً أن تلعب قطر في نهائيات كأس العالم هذا العام.

إنها على الخريطة وستبقى على الخريطة، ليس فقط في الرياضة، ولكن في كل شيء، تثري خزائن حماس وتعقد في  الوقت نفسه لقاء مع “رئيس أركان الجيش الإسرائيلي”، وتحتضن طهران، لكنها في الوقت نفسه تسمح للطائرات المقاتلة الأمريكية بمغادرة أراضيها لمهاجمة الميليشيات الموالية لإيران في العراق، وهي في المجموع بلد ربع المليون مواطن، حوالي عدد سكان مدينة “بتاح تكفا”.

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي