أخبار رئيسيةمقالات إستراتيجية

الدُروس المُستفادة من الحرب بين روسيا وأوكرانيا

ترجمة الهدهد
القناة 12/ اللواء عاموس جلعاد، ودكتور مايكل ميلشتاين

مرت ثلاثة أسابيع  على اندلاع الحرب في أوكرانيا وما زال يلفها حجاب كثيف من الضباب، ومن هذا المنطلق فإن التداخل في المميزات بين العديد من الصراعات في القرن الحادي والعشرين: والتي تقع بين ازدحام المعلومات وجبال الأخبار الكاذبة، يجعل من الصعب صياغة صورة دقيقة وتقييمات وتوصيات للسياسة.

وهذا هو التحدي الذي يواجه صناع القرار في الغرب – بما في ذلك في إسرائيل – وكذلك المقيّمين في الاستخبارات والإعلام والأوساط الأكاديمية، تضاف إلى المشكلة الأساسية المتمثلة في انفجار المعلومات والحاجة إلى الاختيار بين الحقائق والافتراءات وصعوبات إضافية في التقييم، هناك تحيز ناتج عن التعريف العاطفي للكثيرين في الغرب بالجانب الذي يتعرض للهجوم، ما يؤثر على عرض الواقع، ويسبب حلقات تمزج بين رغبات القلب “الميل العاطفي” والتقييمات، وكذلك الفجوات بين عالم القيم واعتبارات المراقب الخارجي في الغرب وموضوع البحث الروسي، ومن هذا المنطلق، ينشأ موقف يُكون لدينا معرفة كبيرة عن الواقع، لكننا لا نفهمه بعمق.

فالحملة في أوروبا الشرقية تكشف بعض الدروس الاستراتيجية العميقة الصالحة للمعلقين الإعلاميين والأكاديميين ومقيمي الاستخبارات:

خطوات التمييز بين تحليل الأحداث وفهم العمليات

برعت الاستخبارات في الغرب، وخاصة في الولايات المتحدة وبريطانيا، عشية الحرب في تقدير أن احتمالية اندلاعها كانت عالية، ويعتمد هذا على مجموعة من المعلومات النوعية حول التحركات العسكرية الروسية، لا سيما حشد القوات وتدريبها للمعركة، والمعلومات الاستخبارية الدقيقة بشأن القرار الذي اتخذ في موسكو بالغزو، ومن الواضح أن مسؤولي المخابرات واجهوا صعوبة في تقييم العمليات المتعمقة، للديناميكيات الناشئة وإمكانات التفجير النامية بين روسيا وأوكرانيا.

وعلى عكس الاستخبارات قصيرة المدى، والاستخبارات التكتيكية في كثير من الأحيان، فإن الاستخبارات الاستراتيجية هي التي تعتمد على فهم تيارات العمق والوعي الجماعي، مثل حساسية موسكو التاريخية لوجود قوات الناتو على أعتابها، وهذا صحيح بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بأوكرانيا، التي لا يزال الكثيرون في قمة الهرم في روسيا يعتبرونها جزءًا تاريخياً من “روسيا الكبرى”.

أهمية الاستخبارات لتحديد التوجهات

على عكس المعلومات النوعية حول القدرات العسكرية الروسية والتحركات التكتيكية، يبدو أن الاستخبارات الغربية كانت غامضة بشأن النوايا الاستراتيجية للروس، وحتى الآن هناك عدد من الأسئلة الرئيسة غير الواضحة بما فيه الكفاية، وأهمها:

  • هل كانت الخطة الروسية الأصلية حقاً احتلالاً كاملاً لأوكرانيا وتشكيل حكومة دمية في كييف؟
  • وإلى أي مدى انحرفت الخطة في مواجهة ما يبدو أنه ورطة عسكرية؟
  • ما هو تصور الروس للوقت فيما يتعلق بالحرب الحالية؟
  • وما هي ديناميكيات اتخاذ القرار في الكرملين فيما يتعلق بالحرب؟

تصبح خريطة المعركة أكثر وضوحاً بشكل تدريجي، لكن ما زالت هناك علامة استفهام كبيرة تتعلق بالمفهوم الاستراتيجي الذي تم على ضوئه تعزيز الجهد العسكري، وتظهر الفجوة نفسها أنه حتى عندما يتحسن فهم الواقع في مواجهة السيطرة على بنك من البيانات الكبيرة والتي لم تكن ناقصة لصاحب القرار أبداً.

أهمية الفهم الثقافي في تحليل الخصم

هناك ادعاء صحيح فيما يتعلق بالعديد من الحالات، التي اشتبكت فيها عناصر غربية، بما في ذلك “إسرائيل”، مع وجود عوامل غير غربية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، وغالباً ما تفاجأ بأشكال السلوك وتعريف الأهداف وأنماط تفكير “الآخر”.

في الحرب على أوكرانيا، من الضروري معرفة أبعاد التاريخ والثقافة بعمق، بما في ذلك تصور موسكو الأساسي لمناطق نفوذها وخوفها من التدخل الأجنبي (الأمريكي في الغالب) فيها، إلى جانب الحساب التاريخي الدموي بين الشعبين، وكيف انعكست هذه الجوانب بشكل بارز على خطاب بوتين المباشر عشية الغزو، حيث أوجز مفهومه التاريخي الذي تضمن إنكار وجود هوية أوكرانية مميزة، والتأكيد على ماضي موسكو الإمبراطوري ورؤيتها، وفي ظل الوجود الواضح لذاكرة الحرب العالمية الثانية في الحرب الحالية.

وهناك قضية مهمة أخرى لا يمكن توضيحها بدون فهم ثقافي وهي الموقف السائد للجمهور الروسي فيما يتعلق بالحرب، حيث تشير استطلاعات قليلة جداً إلى دعم ما يُنظر إليه على أنه تحرك وطني، وفي الوقت الحالي، ليس من الواضح ما إذا كانت العقوبات تثير استياءً داخلياً، أم أنها ملزمة بالفعل في مواجهة تهديد خارجي.

الحذر من الاختزال وشخصنة التقييم

في الأزمة الحالية، كان هناك ميل واسع الانتشار بين العديد من المعلقين، وخاصة من وسائل الإعلام والأوساط الأكاديمية، للانخراط في “ما يجري في رأس بوتين”، غالباً ما يجادلون بأن هذه هي المساحة الضيقة التي يتم فيها تحديد الاستراتيجية الروسية، ويرافق ذلك إصرار أن الرئيس الروسي فقد عقله وفقد الاتصال بالواقع، وقيل كدليل على استعداده للجوء إلى العنف وانتهاك قواعد السلوك السائدة في الغرب، وتعتمد بعض هذه الحجج، على “تحليلات نفسية عن بُعد” يتم إجراؤها على الرئيس الروسي، غالباً بواسطة علماء غير ملمين باللغة أو عالم قيمه وثقافته، هذا يجسد اختزالاً مبسطاً لنزاع واسع النطاق بين دولتين إلى أبعاد شخص واحد، والميل إلى رؤية هذا على أنه جوهر النضال بأكمله، والذي غالباً ما يسمح للمقيم بتجنب استثمار الجهد في تحليل متعمق لمنطق الطرف الآخر الذي يتطلب السيطرة على ثقافته ولغته ووعيه التاريخي.

حدود تأثير الكشف الاستخباراتي

عشية وفي أثناء الحملة، سعت الدول الغربية إلى الكشف عن معلومات استخبارية حول نوايا روسيا لتغيير سلوكها وتعطيل خططها، لم يردع هذا بوتين عن بدء الحرب (كان من المفترض أن يؤدي الكشف المزعوم إلى تعرضه لإحراج دولي، ما يوضح أنه فقد القدرة على المفاجأة)، وفي الوقت الحالي، يُطرح السؤال حول ما إذا كان، باستخدام هذه الأدوات، سيتم إحباط استخدام الأسلحة غير التقليدية، وهي قضية أفادت التقارير أن موسكو تدرسها بجدية.

والدرس هو أن الأدوات التي تنجح أحياناً في ردع اللاعبين ذوي القوة المحدودة (إسرائيل ضد حماس أو حزب الله)، فهناك تأثير محدود نسبياً في حالة القوى المستعدة لتحمل المخاطر، أو غير المبالغة في الإعجاب بالرأي العام العالمي، أو تكافح بأي ثمن لزيادة مجال نفوذها أو لاستعادة المجد الإمبراطوري المفقود.

معركة الوعي – “المواجهة من جانب واحد”

يأتي جزء كبير من التقارير حول ما يحدث في ساحة المعركة من مصادر أوكرانية مشبعة بالمعلومات الخاطئة، ويتم استخدام أداة الوعي بشكل أساسي من قبل الجانب الذي يتم مهاجمته، سواء لغرض تحقيق أهداف في الساحة الداخلية (رفع الروح المعنوية وتشجيع روح النضال) أو أمام الساحة الخارجية (حشد الدعم الغربي ويوضح ثمن الحرب في الرأي العام الروسي) ومن هذه المصادر ينشأ جزء كبير من التقارير حول الأضرار التي لحقت بروسيا، والنجاحات التي حققتها القوات الأوكرانية، وفي بعض الأحيان ما يحدث في المجتمع الروسي.

من جانبه، يبدو أن بوتين متردد في المشاركة في نفس اللعبة على الإطلاق: فهو لا يسعى إلى إقناع الجمهور في الغرب بصواب طريقه وإنجازاته، ويركز جهوده الدعائية على الساحة الداخلية التهديدات الخارجية ونزع الشرعية عن النظام في كييف)؛ ونشاطه في مساحة الشبكة العنكبوتية محدود للغاية، سواء كان ذلك نتيجة لانفصال الغرب عنه أو بسبب القيود التي يفرضها على الخطاب في هذا الفضاء.

وكما في حالة الكشف الاستخباري، تجد معركة الوعي صعوبة أيضاً في جني الإنجازات عندما يتعلق الأمر بفاعل قوي لا يبدي اهتماماً بإقناع الرأي العام الدولي، بل يحتقر القواعد السياسية في هذا المجال، ويردع القوى الخارجية عن التدخل في الأعمال العدائية، وعلى الرغم من انعكاسات المأساة التي تشهدها أوكرانيا، وبمنع ساحة الخطاب العام داخل بلاده.

“الجانب الإسرائيلي”

تم التعرف على العديد من الدروس المستفادة من الحملة في أوكرانيا في أذهان “صناع القرار الإسرائيليين” على مر السنين، بما في ذلك العواقب الوخيمة لعدم فهم نوايا الخصم الاستراتيجية.

وبرزت في حرب 1973، مثل ازدراء المعارضين والاعتقاد بأن وعيهم ووجودهم يمكن “هندسته” (احتلال بيروت)، والميل إلى تصوير قادة العدو على أنهم مجانين (مثل يحيى السنوار أو الرئيس الإيراني رئيسي)، من بين أمور أخرى على خلفية صعوبة فك رموز منطق عملهم في العمق.

توضح الحرب على أوكرانيا حدود معرفة وفهم وكفاءة المقيمين في “إسرائيل”، حيث يدور الصراع في ساحة جيوسياسية واسعة ومعقدة ونائية تقع في مكان منخفض نسبياً في تركيز السياسة الأمنية “الإسرائيلية” (الاستخبارات العسكرية للجيش).

 وبالتالي فإن القدرة على تكوين صورة استخباراتية وتقييمات سهلة ومادية لمثل هذه المراكز محدودة بشكل أساسي، على عكس الساحات القريبة من “إسرائيل”، حيث تتركز معظم جهودها وآرائها، والتي يكون “المعرفة الإسرائيلية” بها منذ القدم وعلى كل المستويات.

ويتطلب هذا الفهم تواضعاً أساسياً لم يكن واضحاً عشية الحرب، وخاصة الاعتراف بالثغرات والحاجة إلى الاعتماد على نطاق واسع على المصادر الخارجية من أجل صياغة صورة استراتيجية للواقع واتخاذ قرارات بشأن تلك الساحات البعيدة.

اللواء (احتياط) عاموس جلعاد هو رئيس معهد السياسة والاستراتيجية (IPS) في جامعة رايخمان.

الدكتور مايكل ميلشتاين رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية في مركز دايان في جامعة “تل أبيب” وباحث أول في معهد السياسة والاستراتيجية.

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي