أخبار رئيسيةمقالات إستراتيجية

دُروس أوكرانيا للمُقاومة الفلسطينية

شبكة الهدهد
⁩⁩✍️ عبد الله أمين الخبير الأمني والإستراتيجي

أولاً: مقدمة واستهلال:

ها قد دخلت الحرب الروسية على أوكرانيا أسبوعها الثالث دون أن يظهر في الأفق التاريخ الذي ستنتهي فيه أو الشكل الذي سترسو عليه نهاياتها، مؤكدة – الحرب – المقولة الشهيرة التي يتداولها الساسة والعسكريون، ألا وهي: إن كثيراً من الناس يعرفون كيف ومتى تبدأ الحرب؛ لكن لا أحد يعرف متى وكيف تنتهي!.

كما تثبت مجرياتها يوماً بعد يوم أنّ ليس كل ما يخطط له القادة العسكريون أو الساسة أو ما يضعونه من إجراءات، قد يأتي على صورة ما سطّروه على الأوراق وفي غرف العمليات والوضعيات، فالحرب من صفتها أنها بيئة شديدة الغموض كثيرة المفاجآت مليئة بالفرص والمخاطر والتحديات، كما أنه ليس صحيحاً أن امتلاك المتقدم والمتطور والفتّاك من الأدوات والقدرات المادية، كفيل بحسم المعركة لصالح الأكثر قوة والأشد فتكاً -غزة، أفغانستان، فيتنام، أوكرانيا حالياً، أمثلة شاهدة على صحة هذا الأمر-.

وكما كلِ حرب أو نزاع أو أزمة، تكثر التحليلات والمحللون، والقراء والمفسرون، وكل يحلل من زاوية النظر التي ينظر منها للأزمة، مستخدماً المتاح من معطيات ومعلومات، حاكماً عليها -الحرب- بالعدالة أو الظلم، متوقعاً الجهة التي ستخرج منها منتصرة وتلك التي ستبوء جهودها وإجراءاتها بالفشل، وهنا دعونا نذكر أن أي قيادة سياسية في أي دولة من المجموعة الدولية، تنوي القيام بتعرض خشنٍ على جار من جيرانها، أو جغرافيا من جغرافيات هذه الكرة الأرضية، فإن أول إجراء تقوم به قبل الإذن بفتح فوهات النار وجحيم الدمار هو: بناء السردية التي ستفسر من خلالها سبب حملتها وعلة هجومها، للداخل قبل الخارج، ففي الداخل ما هو أهم من الأدوات المادية التي تعطى للجنود والقادة العسكريين للقتال هو سبب القتال، إنه الجواب على سؤال لماذا نقاتل؟

أما في الخارج فلا سبيل لحشد الأصدقاء والحلفاء ما لم تكن هناك سردية وقصة تقدم لهؤلاء الأصدقاء والحلفاء.

إن هذه المقالة ليست معنية بتحديد الرابح من الخاسر في هذه المعركة، كما أنها ليست مختصة لتبيان المحق من المتجاوز فيها، ولن تذهب لتحليل وتقدير مآلاتها وفقاً للحاضر من مجرياتها، ولن يخوض الكاتب في توصيف محاور تقدمها وجهودها الرئيسية والثانوية والخداعية، فكل هذه العناوين خارج السياق الذي جاء في العنوان، حيث أن هذه المقالة ستعنى بتعداد بعض – وليس كل – من الدروس والعبر التي يعتقد الكاتب أنها مفيدة ويجب أن تكون محل اهتمام من قبل المقاومة الفلسطينية، بمختلف مسمياتها أو أيديولوجياتها.

ثانياً: الدروس والعبر:

  1. بناء السردية والقصة الخلفية:
    إن أول درس من دروس الأزمة الأوكرانية الذي يجب أن نتعلمه هو: بناء القصة والسردية التي دفعت وتدفع للاشتباك والحرب وبذل الدماء، فأنت يمكنك أن تنفق أموالاً طائلة على بناء جيش أو قوة مسلحة أو فصيل مقاوم، ولكنك لن تستطيع أن تقنع منتسبيك وكوادر عملك بالقتال وسفك الدم وتقديم الغالي والرخيص – دفاعاً أو هجوماً – من خلال ما تقدمه لهم من مال ومتاع، إن أهم ما يمكن أن يُقدَم للمقاتل ولأهله وذويه، وجبهته الخلفية التي تدعمه وتحميه من أجل بذل الروح وسفك الدم هو ذاك الجواب عن هذا السؤال: لماذا نقاتل؟ ولماذا يجب علينا أن نتحمل الصعاب ونخسر جني العمر؟ وما لم تكن هنا قضية متماسكة صلبة مسنودة بالأدلة والبراهين والنماذج الحية على صحة الدافع وصدق النية، فستغدو الحرب مقامرة غير معروفة الصورة النهائية.
  2. بناء الذات لفرض أو موازنة المعادلات:
    أما الدرس الثاني فهو بناء الذات – معنوياً ومادياً – فلا يمكن أن يؤخَر قرار الحرب والاشتباك مع العدو بناء على حسابات يقوم أغلبها على ما سيأتينا من دعم وما سيصل من معونات، إن الدول والحكومات والعوائل والهيئات، تفزع في النجدات والملمّات عندما ترى أن هناك أملا في تغيير المعادلات، قائم على صلابة المقاومة وأهلها، وأن ما ستقدمه هذه الجهات من نجدات ومعونات، إنما هو من باب المكمّلات وسداً لنواقص وثغرات في جدار دفاع المقاومة، أما إن بدا أن صاحب الدار لا يملك من مقومات الصمود والدفاع ما يمكن أن يبنى عليه، أو أن يشكل نواة صلبة تنسج حولها خطوط الدفاع والمواجهة، فإن أكثر ما يمكن أن يقدّم في هذه الحالة هو الجهد السياسي المبذول لتقليل خسائر، المعركة وخفض سقوف المهاجم التفاوضية، الأمر الذي يعني حسم المعركة لصالح العدو قبل أن تبدأ، وعليه فلا يحك جلدك في مثل هذه المواقف إلا ظفرك فتول أنت جميع أمرك، فامتلك من (أصابع) القوة و(مخالب) القدرة الذاتية، ما تحك به وتجرح، ولا تنتظر غيرَك أن يحك جلدك أو أن يضمد جرحك.
  3. تعريف المصالح الحيوية:
    إن الدول والوحدات السياسية – فضلاً عن الأفراد العاديين – لا يصطنعون المشاكل ولا يخوضون الحرب حباً في الحرب أو (الطوش)، وإنما يقومون بذلك دفاعاً عن أو جلبٍ لمصلحة راجحة أو دفعاً لضرر متحقق، وفي غير هذه الحالة، فإن حروب الدول و(طوش) الأفراد لا تعدو أن تكون مغامراتٍ نزقة، أكلافها تغرق جدواها، لذلك يجب أن يتم تحديد ما هي الأهداف والمصالح – السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والأمنية… التي لا يمكن أن يتم التنازل عنها أو السماح بالتعرض لها، وأن الاقتراب منها يعني الحرب والدمار، فخسارتها – المصالح ـ أو التعرض لها يعني خسارة الديار، وهنا لا بد من التذكير أن هذه المصالح وتلك الأهداف – مع أن من يضعها ويحدد معالمها هي الطبقة السياسية الحاكمة في الدولة – إذا لم يراعِ أن يشارك عموم الشعب ونخبه الثقافية والمجتمعية والسياسية، المعارضة والموالية، في وضعها والاتفاق عليها، فإنها لن تكون من رسوخ الأهداف والمصالح التي يُجمع المجتمع على الدفاع عنها عند المصائب والملمات، الأمر الذي يعني وهناً في الجدار الدفاعي المتخيل أنه يحول بينها وبين الأعداء.
  4. تحديد الخطوط الحمر الموضوعية والجغرافية:
    لا يكفي أن تضع الدولة والمجتمع تعريفاً لمصالحهم الحيوية التي لا يجب الاقتراب منها أو التعدي عليها؛ وإنما يجب أن توضع وترسم الخطوط الحمر التي يجب أن يراها كل ذي عين ولبّ، فلا يرد حماها – المصالح – فكثير من المعارك الدولية و(الطوش) الفردية، ناتج عن عدم رؤية الخطوط الحمر التي لا يجب أن تتجاوز، أو أنها لم تكن من الحُمرة بالدرجة التي تردع الطامع وتصد المعتدي، فيقع فريسة الحسابات الخاطئة والقراءات المنقوصة، ثم يتعلل بعدم فهمه أنه بعمله ذاك دخل حمىً لا يجب أن يدخله ورعى في مرعىً لا يجب أن يرده.
  5. صناعة الظروف الموضوعية قبل القيام بالاجراءات التعبوية:
    ومن الدروس الأوكرانية للمقاومة الفلسطينية ذاك الدرس المعني بصناعة الظروف المحلية والإقليمية والدولية قبل الإقدام على خطوة عملية أو تنفيذ خطة تعبوية، لقد صنعت روسيا قبل بدء حربها على أوكرانيا ظروفاً تناسبها، فمدت عرى الصداقة مع الصين، ووثقت عرى الصداقة – حتى التبعية – مع بيلاروسيا، وزار وزير دفاعها سوريا قبل العمليات، وراكمت من العملة والدولارات – 620 ملياراً منها ما يقارب 320 في بنكها المركزي – ما يكفيها للصرف على نفسها لشهور عدة، وطار مبعوثوها في أركان الأرض الأربعة لشرح وجهة نظرهم، وجهدت وسائل إعلامهم وتلك الموالية لهم في تكرار سردية مظلومية أهل إقليم دونباس، حتى ظن المتابع أن أوكرانيا توشك أن تهاجم روسيا، كل هذا الجهد يأتي في سياق تهيئة البيئة وإعداد مسرح العمليات جغرافياً وسياسياً لليوم (ي) والساعة (س).
  6. الحسابات الدقيقة بناءً على المعطيات وليس التمنيات:
    قيل في القديم رحم الله امرأً عرف حدّه فوقف عنده، وقيل في القواعد الشرعية إن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، وإن المفسدة الكبيرة تدفع بقبول المفسدة الصغيرة، وإن السياسة الشرعية قائمة على درء المفاسد وجلب المصالح، وكل هذا خاضع لحسابات شرعية وسياسية، وليست مبنية على رغبات وتمنيات قلبية، لذلك فإن ما يلي صناعة الظرف المطلوب للقيام بالإجراء المرغوب هو عمل تلك الحسابات واخضاعها للفحص والتدقيق القائم على المعطيات الحقيقية والمعلومات الصلبة، قبل تجشم عناء الفعل واقتراح العمل، إنها عملية بحاجة إلى رؤوسٍ باردة وحديثٍ منبعه الرأس وليس البطن، فقد أجيب قديماً عن سؤال متى تقع الحرب؟
    بجواب مختصره، إنها تقع عندما يبالغ الساسة، ويخطئ الجواسيس (اقرأ ضباط المعلومات والاستخبارات)! 
  7. جرأة القرار وتحمل المخاطر:
    إن امتلاك القدرة دون امتلاك جرأة اتخاذ قرار تفعيلها وتحمل مخاطر تشغيلها يعني (إخصاءها) وتركها بلا فائدة، فمركب القوة مكون من القدرة والقرار، لا يغني أحدهما عن الآخر، إن أهم ما يميز فصائل المقاومة الفلسطينية والعربية هو امتلاكها قرار تشغيل ما لديها من قدرات، وإن من أهم عوامل (إخصاء) القدرات العربية التي يُصرف عليها مليارات الدولارات هو غياب إرادة اتخاذ قرار التشغيل عند الحاجة – ما لم يكن الطرف الآخر عربيا – فترى هذه الدول تراكم القدرات وتجمع التقنيات، وتجند الجنود وتحشد الحشود، ولكنها في المحصلة، دود على عود، لا تغني ولا تسمن من جوع، ولا تُرى إلا في الاستعراضات الموسمية أو في فض المظاهرات والاعتصامات الداخلية.
  8. حسم الخيارات والتحالفات قبل وقوع الملمات:
    آخر الدروس المستفادة من أزمتنا – فنحن متأثرون بتداعياتها حتى العظم، زيتاً ونفطاً وغازاً – الأوكرانية هو: مع من؟ وكيف؟ وبأي ثمن؟ ولأجل أي هدف؟ نبني العلاقات ونفتح الممثليات، ونرسل الوفود والبعثات، ونعقد الندوات والمؤتمرات، وهل أن جدوى علاقاتنا تساوي أكلافها؟ إن من يبني علاقة أو ينسج صداقة مع كائنٍ من كان، من الدول والأشخاص دون إخضاعها وفحصها وقياسها بناء على تلك الأسئلة والاستفسارات، كمن يبني على غير أساس أو ينقش على ماء أو على رمال الصحراء، لا يلبث أن يُنقض غزلُه وتنطمس كتابته، فيصحو وإذا به واقف على ماء، يخوض حربه بلا أصدقاء، لا يمدونه إلا بالصلاة والدعاء – مع أنها مهمة ـ ولكن لا قطران عندهم يلأم جرح، ولا خيل عندهم يهدونها ولا مال، فيترك المستغيث ليغوص وحيداً في الرمال.

هذه ثمانٌ من الدروس رأيناها بين شقوق حرب الروس الضروس، علها تكون مفيدة في الأزمة الأوكرانية للمقاومة الفلسطينية.

“والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون”

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي