أخبارترجمات

“إسرائيل” تتوسط وإيران تتسلح

ترجمة الهدهد
“إسرائيل اليوم”/ يواب ليمور

أخرت الحرب في أوكرانيا توقيع الاتفاق النووي مع إيران، ربما يكون هذا هو الشيء الجيد الوحيد الذي ظهر من هذه الحرب الشريرة التي تهدد السلام العالمي، وهذا لا يعني أن الرفض سبب للاحتفال، فلا توجد علامة في الأفق تشير بأنه في هذا الوقت سيكون من الممكن إقناع الولايات المتحدة بالتوقيع على اتفاقية أقل سوءًا.

لقد تخلى الأمريكيون عن كل شيء، هم بالطبع سيزعمون خلاف ذلك، لكن الحقائق تظهر أن واشنطن استسلمت ورفعت الراية البيضاء، من بين كل وعودهم باتفاق “أطول وأقوى لم يتبقَ شيء، فالاتفاقية المجددة هي تمديد تقني للاتفاقية السابقة، مع اختلاف كبير واحد، إذا كانت الاتفاقية السابقة قد مر عليها سنوات عديدة حتى انتهت صلاحيتها، فالاتفاقية الحالية سيكون انتهاء صلاحيتها سيكون أقرب كثيراً.

سيحدث هذا جزئياً في نهاية عام 2025، عندما تستطيع إيران العودة إلى تخصيب اليورانيوم كما تشاء، وبشكل كامل في نهاية العقد الحالي، عندما يتم تحرير إيران من جميع العقوبات المفروضة عليها بموجب الاتفاقية، لكن منذ التوقيع الأصلي في عام 2015، قطعت إيران شوطاً طويلاً يتجاهله الاتفاق المتجدد، حينها هي خصبت باستخدام أجهزة طرد مركزي قديمة وهو الأمر الذي تطلب وقتاً أطول لتجميع الكمية اللازمة للقنبلة، أجهزة الطرد المركزي الجديدة التي طورتها وركّبتها منذ ذلك الحين ستتيح لها التخصيب بشكل أسرع.

بموجب الاتفاق المتجدد، تتعهد إيران بإخراج كل اليورانيوم المخصب الذي تراكم لديها في أراضيها خلال العامين الماضيين منذ أن بدأت انتهاك الاتفاقية، وهذا هو الشرط الوحيد الذي أصر عليه الأمريكيون – لإعادة إيران إلى الصفر من حيث الكمية – تماماً كما في الاتفاقية الأصلية، فيما يتعلق بالجودة استسلموا.

وهذا يعني أنه إذا قررت إيران انتهاك الاتفاقية، أو عندما تنتهي صلاحيتها ستكون قادرة على استخدام أجهزة الطرد المركزي الجديدة لتخصيب الكمية المطلوبة للقنبلة في غضون شهرين تقريباً.

من هو القوي..

كلما تقدمت المفاوضات في فيينا شعرت “إسرائيل” باليأس، فالإيرانيون جردوا الأمريكيين من كل المعاني والنوايا، للحظات كان من الممكن الخلط بين من هو القوي هنا ومن هو البلد المنهار تحت وطأة العقوبات، وستتلقى إيران سبعة مليارات دولار مجمدة في حسابات مصرفية مختلفة، وستُعفى من العقوبات المفروضة على عدد من المؤسسات والأفراد من بينهم المرشد الأعلى علي خامنئي.

هذا الأمر غريب ومدهش بشكل خاص: خامنئي – زعيم الدولة رقم 1 في نشر الإرهاب في العالم، والمحرك الرئيسي للقنبلة النووية الإسلامية، سيتم تحريره من كل القيود، بينما محمد بن سلمان ولي العهد السعودي والحليف المقرب للولايات المتحدة هو من يُمنع من دخول واشنطن بسبب تورطه المزعوم في عملية الاغتيال الصحفي جمال خاشقجي.

صحيح أن لأمريكيين في هذه الأثناء في المفاوضات يصرون على بقاء الحرس الثوري تحت العقوبات، ولكن كل من يتابع الاتصالات يجد أن الشكوك في مكانها، وفي هذا الشأن أيضاً قد ترفع واشنطن الراية البيضاء، حتى لو كان ذلك فقط للتخلص من هذا الصداع.

في الطريق إلى الاتفاقية المتجددة، تخطى الأمريكيون أيضاً كل الثغرات التي كانت في الاتفاقية الأصلية، لا يوجد فيها إشارة إلى عناصر أخرى في البرنامج النووي الإيراني ضرورية للوصول إلى القنبلة ولا تشير إلى الصواريخ والقذائف الصاروخية التي تطورها إيران لحمل القنبلة (وأيضاً لمضايقة كل خصومها في المنطقة)، وبالتأكيد لا توجد إشارة إلى الإرهاب الإقليمي الذي تنشره إيران، بما في ذلك الإرهاب ضد الأمريكيين أنفسهم.

هذا الأسبوع فقط قُتل ضابطان من الحرس الثوري في هجوم نُسب إلى “إسرائيل” بالقرب من دمشق، ودخل “الجيش الإسرائيلي” في حالة تأهب: وكانت إيران تتطلع إلى إلحاق الأذى “بإسرائيل” وإيلامها منذ فترة طويلة، والآن هذا أصبح سبعة أضعاف، وتعتقد أن لديها المرونة للقيام بذلك بالتزامن مع المحادثات النووية.

في الماضي حاولت الهجوم باستخدام طائرات بدون طيار، وهذا أيضاً هو النمط الرئيسي للعمل المطروح حالياً على الطاولة نظراً لعدد الطائرات بدون طيار التي توزعها على وكلاءها في المنطقة.

في الهجوم الأخير – بعد يوم من اجتماع بينت بوتين في موسكو – أوضحت “إسرائيل” أنها مصممة على مواصلة العمل ضد النشاط الإيراني في المنطقة، فحرية العمل هذه ضرورية للحفاظ عليها حتى داخل إيران نفسها، على الرغم من أن “إسرائيل” بموجب الاتفاقية المتجددة لن تكون قادرة على العمل ضد أي شيء يتعلق بتخصيب اليورانيوم حتى لا تؤلب كل العالم عليها، ولكن جميع مكونات النووي الأخرى، وبالتأكيد الصواريخ والقذائف الصاروخية والطائرات بدون طيار والقضايا الإرهابية ستكون عرضة للمهاجمة، يجب أن تحدث هذه الحرب في إيران نفسها.

هناك أسباب عديدة لذلك، أهمها عدم التناسق في حقيقة أن “إسرائيل” تتعرض للضرر من قبل وكلاء إيران، بينما تبعد طهران التهمة والخطر عن نفسها، حتى لو كان هناك عمل هجومي في إيران، من المفترض أن يكون الموساد المشغل الرئيسي له، ويعرض “إسرائيل” لخطر الرد فإنه سيخلق معضلة في طهران ويوضح لقادتها وشعبها أنهم لا يستطيعون البقاء خارج اللعبة (أو كما تعرفها إسرائيل: هاجم رأس الأخطبوط، لا تهاجم ذراعيه).

إن افتراض العمل لدى المنظومة الأمنية هو أن إيران لن تكبح نفسها فحسب، بل ستسبق وتبادر، كما ذكرنا فهي لا تنقصها الجرأة ولن ينقصها المال، وهذه ليست فقط المليارات التي ستحصل عليها الآن، ولكن أيضاً الأموال الضخمة التي ستأتي من النفط: إذا كانت إيران قبل عام تنتج حوالي 600000 برميل يومياً وتبيعها بربع السعر، بموجب الاتفاقية سيسمح لها إنتاج 2.7 مليون برميل في اليوم، والحرب في أوكرانيا تضمن أسعاراً قياسية.

بعبارة أخرى ستكسب إيران الآن 16 ضعفاً أكثر من مبيعات النفط، وهي أموال ضخمة سيتم تحويل بعضها على الأقل إلى أهداف شريرة.

المصالح تحكمنا..

هذه الاتجاهات المتوقعة تهز الشرق الأوسط، فكل دولة تستجيب بطريقتها ومخاوفها: الإمارات (وليس هي فقط) تحاول الاقتراب من طهران، وزار مستشارها للأمن القومي الشيخ طحنون بن زايد طهران مؤخراً مرتين، وصرح بأن بلاده تفكر في استثمار عشرات المليارات فيها، وهذا لا يعني أن الإمارات تبتعد عن “إسرائيل: “إنها تسعى إلى شراء الحماية لنفسها من العدوان الإيراني”.

من ناحية أخرى ترى تركيا في “إسرائيل” مركز قوة إقليمي، وتسعى إلى الانضمام إليها، ولا يوجد قصة حب من جانب أردوغان هنا، فقط المصالح في الشرق الأوسط الجديد – الخالي من الحماية الأمريكية وفي ظل الوجود الساخر للروس – هذا هو اسم اللعبة.

عندما تنظر البحرين إلى هشاشة الغرب في مواجهة الوحشية الروسية في أوكرانيا، فإنها تدرك جيداً أنها قد تكون الدولة التالية في الدور، لذلك فهي تسعى إلى الحفاظ على نفسها من بين أمور أخرى من خلال تعزيز التحالف العلني مع “إسرائيل”، فهذا الأسبوع، زار “رئيس الأركان كوخافي” المنامة بعد زيارات قام بها رئيس الوزراء ووزير الدفاع، وهذا دليل آخر على العلاقات الوثيقة بين البلدين، ولكن أيضاً على قلق ومخاوف البحرين من إيران.

تحاول  “إسرائيل” أن تلعب هذه اللعبة دون أن تسقط الكرات، وهذا معقد على أي حال، وسيكون أكثر تعقيداً من لحظة توقيع الاتفاق النووي المتجدد، لذلك من الضروري أيضاً الحفاظ على الطرق المفتوحة والمتوازية المؤدية إلى واشنطن وموسكو، هذا لا يعني أنه كان على “إسرائيل” ألا تفعل المزيد لأوكرانيا في المحور الإنساني، ولكن من منظور أوسع هي تحاول أن تفعل المستحيل: التوسط وعدم الخلاف مع أي من الأطراف المباشرة وغير المباشرة في الصراع في الوقت الحالي هو ناجح، لكن الاختبار الرئيسي لا يزال أمامنا، بالتأكيد على خلفية التغييرات المتوقعة على الجبهة الإيرانية والتي ستضمن بقاء ساحة واحدة على الأقل مفتوحة ودموية في المستقبل.

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي