أخبارمقالات

الكيان يسرق الطاقة الفلسطينية.. هل حان وقت كف اليد؟

شبكة الهدهد
✍? أحمد المحسيري

يعيش العالم صراع السيطرة على مصادر الطاقة، ومع التطور الهائل في حياة البشرية والرفاهية التي وصلت لها، بدءًا من الإضاءة في داخل البيوت واحتوائها على عشرات الأجهزة الكهربائية والإلكترونية التي تحتاج لإمدادات الطاقة بشكل يومي، وصولا لمنظومات البيع وتحويل الأموال والعملة الرقمية أصبحت “الطاقة” كلمة السر التي تبحث الدول الإجابة عنها في صراعات جيوسياسية تؤسس لمرحلة جديدة قد يكون فيها نفوذ الطاقة وامتلاكها يوازي نفوذ السلاح.

تعيش دول العالم تحدي الحفاظ على إمدادات الطاقة وخاصة الكهربائية منها، والتي أصبح التحول نحوها في العشر سنوات الأخيرة كبيرا، ومع تزايد الحاجة للطاقة الكهربائية، وزيادة الاعتماد على الغاز الطبيعي في توليدها، لكونه أخف ضررا على البيئة من الفحم والنفط والسولار والبنزين، بدأت كفة قوة ملف الطاقة العالمي تميل نحو الجهات التي تمتلك مخزونات غاز كبيرة وقادرة على تزويد العالم الأول وخاصة أوروبا بالغاز لتوليد الطاقة والتدفئة وهو ما جعل منطقة شرق المتوسط أحد المناطق ذات الأهمية الجيوسياسية والتي تحتوي على احتياطي غاز يصل لـ 123 تريليون متر مكعب من الغاز بالإضافة إلى 107 مليارات برميل نفط.

إن أهمية الطاقة في حياة الدول الأوروبية وفي ظل العولمة تعني استمرار الخدمات التي أصبحت الحكومات ومنظوماتها الاقتصادية تعتمد عليها بشكل كامل، مثل الأنظمة المحوسبة للإنتاج في المصانع والتي تعتمد في كثير منها على الذكاء الصناعي، بالإضافة إلى الأنظمة المحوسبة للبيع والشراء أو عمليات تحويل الأموال التي تتم عبر البنوك بأنظمة الحساب الإلكترونية، وصولاً إلى منظومة المواصلات الحديثة وخاصة القطارات وأنظمتها المحوسبة التي تعتمد بشكل كامل على التوفر الدائم للطاقة، ليس ترفا أن تحتفل ألمانيا قبل عدة أشهر بمرور 30 عاماً على عدم انقطاع الكهرباء بشكل مطلق، وهو مؤشر على أهمية الطاقة وقوة إنتاجيتها، ولذلك ابتكرت مصطلحاً سياسياً للتعبير عن أهمية الطاقة يعرف “أمن الطاقة”.

الغاز الفلسطيني وشرق المتوسط

يعتبر حقل مارين قبالة سواحل غزة، أول حقل تم اكتشافه في شرق المتوسط عام 2000، وتقدر قدرته الإنتاجية بـ 30 مليار متر مكعب.

لكنّ الاكتشافات الكبيرة التي حولت شرق المتوسط إلى منطقة صراع بدأت في العام 2009، بعد اكتشاف العدو الصهيوني قرابة 10 حقول غاز موزعة قبالة سواحل فلسطين المحتلة، وهو ما دفع دولة العدو إلى المسارعة في رسم الحدود البحرية مع دول المنطقة التي تتحالف معها “مصر، واليونان، وقبرص”، في حين بقيت غزة وسوريا ولبنان وتركيا خارج معادلة شرق المتوسط، وحرمان هذه الدول من حقها في استخراج ثرواتها، وهو ما أعطى دولة الكيان حرية رسم حدودها البحرية، وأخذها 850 كلم مربع من المنطقة الاقتصادية للبنان، والتي تعتبر غنية جدا بالبترول والغاز، ويوجد فيها أحد أهم حقول الغاز التي تدعي دولة الكيان ملكيتها.

سعت روسيا إلى الدخول لمياه المتوسط من أجل الوصول لمصادر الطاقة خاصة الغاز، وذلك عبر سوريا ولبنان، وتتخوف الولايات المتحدة من سيطرة روسيا عبر شركاتها على حقوق التنقيب في الدولتين، وبالتالي سيعطي روسيا مزيدا من السيطرة على مصادر الغاز في العالم، وهو ما سيعزز من قوة روسيا وتأثيرها على أوروبا، وبينما فشل لبنان في استخراج الغاز أو منح الشركات الروسية حق التنقيب عن الغاز بسبب عدم استقراره السياسي المدفوع بشروط الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها لقبول أي حكومة لبنانية، يلوح في الأفق حديث جديد عن ترسيم الحدود بين دولة الكيان ولبنان مدفوعا بإمكان اتخاذ رئيس الجمهورية قرارا في ترسيم الحدود بدل الحكومة، وتصريح قائد الجيش بدعم الخطوة، وتسعى الدول التي ترعى عملية المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، لمحاصرة الشركات الروسية التي يمكن أن تأخذ مهمة التنقيب عن الغاز في حال كان القرار بيد الحكومة التي يشارك فيها حزب الله.

على أن تزايد الأهمية الجيوسياسية لشرق المتوسط وحقول الغاز قبالة شواطئ فلسطين المحتلة يشكل فرصة للمقاومة، لتكون عامل ضغط على الاحتلال في أي مواجهة قادمة، وتعطيلها لأن ذلك يعني الإضرار بإمدادات الغاز من دولة الكيان، وبالتالي فرض معادلات سياسية جديدة في المواجهة، يمكن أن تساعد المقاومة في تحقيق شروط سياسية ليس أقلها استخراج الطاقة قبالة شواطئ غزة، ووقف العدوان على القدس، وإعمار وتعويض غزة عن الدمار الذي لحق بها نتيجة الحروب.

تعد الطاقة واحدة من أهم الموارد الطبيعية لفلسطين، والعبث بهذا المورد، هو انتهاك للسيادة الوطنية الفلسطينية، ويعتبر  في العرف والقانون -على حد سواء- بأنه جريمة موصوفة.

إن سكوت الجانب الفلسطيني، طوال فترة الاحتلال الصهيوني لفلسطين، يُوضع في خانة انتفاء القدرة على ردع الاحتلال عن التمادي في سرقة هذا المورد الوطني المهم، والشعب الفلسطيني؛ اللاجئون والذين ما زالوا داخل “أرض فلسطين التاريخية” أولى باستثمار هذا المورد والاستفادة من مردوده الضخم الذي يقدر بمئات مليارات الدولارات.

صحيح أن القيادة الرسمية للشعب الفلسطيني، لم تعلن موقفاً وطنياً رسمياً، تجاه هذا العدوان الصارخ، تُحمّل فيه الكيان مسؤولية أفعاله المنفلتة، وصحيح أيضاً أن السلوك الرسمي للسلطة الفلسطينية، لم يرقَ إلى مستوى كف يد العدو، أو البدء باستثمار مواردها.

لكن على صعيد القيادة الثورية للشعب الفلسطيني -أي على صعيد قيادة المقاومة- التي بادرت إلى معركة سيف القدس، ضمن استراتيجية حماية المقدس والدفاع عن أركان الأمن الوطني الفلسطيني، والطاقة هي عنوان رئيس في هذه الاستراتيجية. فقد بدا ملف الطاقة والغاز حاضرا على طاولتها، حيث بادرت قيادتها في “معركة سيف القدس” إلى ضرب وتعطيل ملف الغاز الفلسطيني الواقع تحت نير الاحتلال رافعةً الكرت الأحمر في وجه المحتل الغاصب، تحذيرا له من التمادي في انتهاك هذا الحق وغيره، وأن ذلك سوف يكلفه أثمانا باهظة يصعب عليه تحملها.

إن التخطيط لتوظيف ملف الطاقة في الصراع يعبر نقطة قوة لصالح المقاومة، وهو ما يجعلها صاحبة كلمة فيما يدور في هذه المنطقة الجغرافية، التي أصبحت تعني للعالم وخاصة أوروبا الكثير، وعلى قيادة المقاومة التخطيط لأن تكون ضمن استراتيجيتها القادمة في المواجهة مع المحتل.

فقادة الكيان يدركون أن ما بعد سيف القدس -على مستوى المقاومة الفلسطينية ومن معها- ليس كما قبله، ويبدو أن الطريق إلى القدس أقرب مما نتو قع، بإذن الله.

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي