أخبار رئيسيةمقالات إستراتيجية

قراءة في خلفيات الموقف ومآلات المستقبل

تحالف التطبيع مع الكيان

شبكة الهدهد
⁩⁩✍️ عبد الله أمين الخبير الأمني والإستراتيجي

أولاً: مقدمة:

شكلت اتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية و”الكيان الإسرائيلي المؤقت” (مبرراً) لكثير من الدول لإعادة النظر في علاقتها مع ذاك الكيان، انطلاقاً من أنه إذا كان أصحاب العلاقة – الفلسطينيون- قد عقدوا اتفاقيات (صلح) و(سلام) و(علاقات طيبة) مع من كانوا يناصبونهم العداء، فإنه من باب أولى أن نعيد نحن الدول تقييم علاقتنا معه، انطلاقاً من مصالحنا القومية ومنافع شعوبنا الاقتصادية.

فالهند مثلاً اعترفت بـ(الدولة) الفلسطينية التي أعلنتها منظمة التحرير في عام 1988 في سنة الإعلان تلك، ورفعت تمثيل المنظمة فيها إلى مستوى تمثيل الدول، بحيث أصبحت لها سفارة معترف بها في الدولة الهندية، وتتعامل معها تعاملها مع الدول المستقرة والمستقلة، ولقد أضحت الهند تسير في مسار تصاعديّ في توثيق علاقاتها مع الكيان الغاصب بعد أن وقّعت معه م.ت.ف اتفاقية أوسلو لتصبح – الهند – من أهم شركاء (دولة) الاحتلال في جنوب شرق آسيا.

وحذت حذو الهند دولٌ أخرى، عرباً وعجماً، بل إن بعض الدول كانت تنقل عن الراحل ياسر عرفات – والعهدة على الراوي – أنه كان يشجعهم لعمل علاقات مع الكيان المحتل المؤقت، يجب أن نتعود أن نلحق باسم الكيان هذا صفة المؤقت، علّهم بتلك العلاقات يملكون دالة عليه يُستفاد منها في تحصيل بعض الحقوق الفلسطينية!!

إلى أن وصلنا إلى العقد الثاني من هذه الألفية التي شهدت تسارعاً كبيراً في التقرّب من (دولة) الاحتلال المؤقتة، فتهافت العربان على هذا الكيان تهافت الفراش على النيران، فالإمارات لحقتها البحرين، والسودان لحق بالمغرب، والأردن له معه علاقات قديمة قِدم أوسلو – إن لم تكن أقدم – ولكن ما جعل هذه العلاقة تطفو على السطح وتصبح رسمية اندفاعة الجهة الفلسطينية الرسمية لتوقيع تلك الاتفاقية، هذا في المقدمة وباختصار شديد، فإنه إذا أصحاب القضية وأهل الدم (رضوا) فلا يلام غيرهم إن قبلوا.

هنا نصل إلى أصل هذه المقالة التي ستأتي على توصيف الموقف الذي جاء كعنوان لها – تحالف العربان .. ثم سنجتهد في أن نفهم ما وراء هذا الموقف، عسى أن نستطيع تقدير مآلات مستقبل هذه العلاقات، ثم نختم بالمناسب من التوصيات، لكن دعونا نُذكّر بأهم ما يجمع الكيانات ويدفعها نحو التحالف مع بعضها بعضا، دون الخوض في تفصيل هذه الدوافع والمحركات، حيث كنا قد تطرقنا لها في مقالات سابقة، ولكن ذكرها في هذا المقام يفيد في فهم الخلفيات والمآلات، حيث يعد التشارك في التهديدات والمصالح، أو طلب الحماية، أو عجز القدرات والإمكانات عن الإيفاء بالمتطلبات، من أهم تلك المحركات التي تحمل الدول والكيانات السياسية على عقد التحالفات والصداقات.

ثانياً: الموقف:

تسارعت خطى التقارب بين بعض دول الخليج العربي، الإمارات العربية والبحرين بشكل رئيسي وعلني، وعُمان بشكل أبطأ، والسعودية بشكل مخفي وتحت الطاولة، تسارعت في بناء علاقات وتحالفات مع (دولة) الكيان المؤقتة بطريقة غير مفهومة، أو على الأقل يمكن القول أنها غير مسبوقة في تاريخ هذا الكيان مع أي دولة أعادت علاقتها معه، فلا يكاد يوم يمر دون أن نقرأ أو نسمع عن خطوة للأمام في هذه العلاقات، ففي شقّها العسكري، طورت البحرين هذه العلاقة إلى مستوى أن الكيان خصّص ضابطاً بحرياً كضابط ارتباط مستقر بشكل دائم في مقر قيادة الأسطول الخامس الأمريكي، مبررة ذلك بأنه يأتي ضمن تحالف دولي لتأمين حرية الملاحة في المنطقة، كما وقع وزير دفاع هذا الكيان المؤقت “غانتس” مذكرة تفاهم عامة وصفت ب- (التاريخية) لتأسيس علاقات أمنية رسمية بين الطرفين.

كما كشف موقع “إسرائيل ديفنيس” عن شراء البحرين أنظمة رادارات مضادة للطائرة المسيرة من طراز BATS GR12 من شركة bats.be التابعة “للصناعات الجوية الإسرائيلية”، ولم يتلعثم نائب وزير خارجية البحرين عندما صرح بأن “الموساد” موجود في بلده، وأن وجوده جزء من شراكتهم مع دولة الاحتلال!!

وقد كشف موقع “أكسيوس” الأمريكي أن “وفداً أمنياً إسرائيلياً” زار الإمارات العربية لبحث تقديم دعم عسكري وأمني للإمارات بعد الضربات التي تعرضت لها أبو ظبي من قبل “أنصار الله” رداً على العمليات العسكرية الإماراتية في مأرب، كما ذكرت المواقع الإخبارية أن الدعم الذي تريده أبو ظبي يأتي في مجال الدفاع الصاروخي والتصدي للطائرات بدون طيار، وشاركت “شركات إسرائيلية” في معرض أبو ظبي للأنظمة الأمنية غير المأهولة.

كما انضم سلاح البحرية الصهيونية في مناورة IMX/CE 2022 التي أجريت في مياه الخليج العربي بقيادة أمريكية وبمشاركة مجموعة دول عربية وإسلامية منها مصر والأردن والإمارات والسعودية والبحرين والمغرب والسودان واليمن والباكستان وبنغلادش.

أما عن السودان ففي وقت سابق قال رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني عبد الفتاح البرهان في مقابلة مع التلفزيون الرسمي السوداني أن التعاون الأمني والاستخباراتي بين السودان و(إسرائيل) لم يتوقف منذ لقائه الأول مع نتنياهو.

أما عن المغرب فقد ذكرت “صحيفة جلوبس الإسرائيلية” أن (دولة) الكيان المؤقت زودت الجيش المغربي عبر شركاتها للصناعات الجوية والفضائية بنظام دفاع جوي صاروخي من نوع “باراك 8 “.

هذا غيض من فيض مفردات المواقف الطافية على السطح، وما خفي تحت الطاولات وخلف الستائر لا بد أنه أعظم.

كان هذا هو الموقف بعد مقدمته، فما هي خلفياته وما ورائياته؟ والدوافع التي حملت هؤلاء القوم على التهافت السريع والمتسارع وغير المفهوم حتى من دولة مثل مصر تقيم علاقات مع الكيان منذ 1978، ناهيك عن غيرها من الدول والمراقبين؟

 ثالثاً: ما ورائيات الموقف:

  1. التهديد المشترك:
    تعتقد هذه الدول أنه يجمعها مع هذا الكيان الغاصب المؤقت مصالح أمنية واقتصادية، وحتى لا يظن القارئ أننا نتحدث عن التهديدات الخارجية فقط؛ فإن التحليل والمعطيات تذهب بنا أكثر من ذلك، فهذه الدول أو بعضها – خاصة الخليجية – وإن كانت ترى في إيران عدواً مشتركاً يمكن أن يتم التنسيق والعمل مع هذا الكيان المؤقت على التصدي ل- (تهديده) المفترض، فإنها ترى أيضاً في الحركات السياسية داخل بلادها وبشتّى تلاوينها وأيدولوجياتها تهديداً على عروشها وكراسيها، وقد فضحت المواقع المختصة تعاون تلك الدول مع هذا الكيان الغاصب في التجسس على تلك المعارضات والحركات السياسية، وقضية استخدام برنامج التجسس بيغاسوس ليست عنا ببعيدة، فقد أزكمت رائحتُها أنوفنا و (طبل) صوتها رؤوسَنا.
  2. المصالح المشتركة:
    وحيث إن العلاقات لا تتوقف على المشاركة في التهديدات، حيث يمكن أن تبنى على قاعدة المصالح المشتركة المختلفة، بدءًا بالسياسية والاقتصادية، وليس انتهاءً بالأمنية والعسكرية، لذلك فهذه الدول ترى أن لها مصالح مع هذا الكيان المؤقت، ففي السياسية، ترى فيه مصلحةً وجسر عبورٍ إلى (مختار) العالم وكبير (أعضاوات) الحارة الكونية، عنيت به أمريكا، وفي الاقتصاد فهذا الكيان يمتلك قاعدة اقتصاد قوية قائمة على التكنولوجيا العالية والذكاء الاصطناعي وما يندرج تحت هذا العنوان من فروع وأقسام تساعد في تقوية البنية الاقتصادية، لذلك فهؤلاء الحلفاء الجدد يزعمون أن هذه الصداقات تساعد في تمتين وتقوية وتطوير اقتصادهم كمّاً ونوعاً، وفي الأمن والعسكري، ترى هذه الدول أن هذا الكيان بما يملك من قاعدة صناعات عسكرية وأمنية قادرٌ على تأمين متطلبات (تأمين) أمنهم ضد التهديدات الداخلية والخارجية، فيشترون منه ما يتمنّع (مختار) الكون عن بيعهم إياه، ويتدربون عنده على ما تُحجم الدول الأخرى عن تقديم يد العون لهم فيه، وبعلاقات هذا الكيان بعوالم السلاح والأمن السفلية، يؤمّنون صفقاتٍ، ويحيدون معارضين ومعارضات.
  3. الخلافات البينية:
    كما نعتقد أن الخلافات البينية بين هذه الدول من الدوافع المهمّة التي حملت هذه الدول لنسج علاقات مع هذا الكيان، فخلافات دول الخليج فيما بين بعضها البعض أكثر وأشد من خلافاتها مع إيران، وإن بدا للرائي أن علاقاتهم سمن على عسل، فالسعودية لها أطماع في الكويت التي سبق وأن طمع فيها العراق، والإمارات لها مع عُمان خلاف حدوديّ، أما قطر في نظر آل سعود فهي محافظة سعودية اقتطعت منها في غفلة من زمن، مصر والسودان بينهما حلايب، والمغرب العربيّ مع موريتانيا بينهم مشكلة الصحراء الغربية، لذلك فالعلاقة مع هذا الكيان يرى أصحابها أنها تخدم في تقوية سردياتهم وحجمهم ضد بعضهم البعض أمام زعيم (الحارة) وعقيدها وباقي ال(الأعضاوات)، لذلك يجتهد هؤلاء المطبعون الجدد في نسج عرى الصداقة مع هذا الوسيط علّه يشفع لهم عند سيدهم.
  4. الحماية الضمنية:
    وفي هذه العلاقة ما يعتقد أصحابها أنه يشكل حماية ضمنية لهم من غضبة (زعيم) الحارة الكونية، كيف لا ووسيطهم عنده ومعقب معاملاتهم، صاحب الحظوة والطفل المدلّل لهذا (الزعيم) فلا يضاروا من هذا الزعيم إن (طحش) بعضهم على بعض أو سحقت أجهزتهم الأمنية عظام معارضيهم وأذابتها في الحمض، نعم فالمحامي (شاطر) وقادر!!

هذه كانت من أهم الدوافع التي تقف خلف هذا التهافت والركض المحموم خلف العلاقة مع هذا الكيان المؤقت المأزوم، أما عند تقدير مستقبل هذه العلاقة فنأتي عليه تحت العنوان التالي.

رابعاً: مآلات المستقبل والتقدير:

إذا كان أصل الهدف من هذه العلاقة هو تلك الشفعة والشفاعة لدى زعيم (الحارة) والجماعة؛ فالناظر في المسألة يرى أن هذا الزعيم وإن بدا أنه مسيطر ومشرف وقابض على زمام الأمور، فإنه يعاني من أعراض الشيخوخة وأمراضها المزمنة، وها هم (أبناؤه) و(أحفاده) ومخاتير (أحيائه) يتفلتون من قبضته، ويخرجون عن طوعه، بل أكثر من ذلك، فإن هذا (الزعيم) أصبح يرى في محظيه في (حارته) أنه عبءٌ عليه، وأن الجدوى من تدليله له أصبحت أقل بكثير من أكلافها، وعليه نعتقد أن مسار علاقات (فتيان) الحي هؤلاء لن تجدي نفعاً كثيراً فيما يخص تقربهم وتوددهم من (الزعيم)، وأن بقاء حال علاقتهم هذه مع هذا (المحظي) ستكون لها ارتدادات على علاقاتهم مع شعوبهم وسكان (أحيائهم) حتى ولو بعد حين، وفي التاريخ شواهد كثيرة، فشاه إيران لم تجلب له تلك العلاقة نفعاً! وسعد حداد من بعده جيش لحد، أغلقت في وجوههم باب (الحارة) عندما اشتدت عليهم الغارة، وحاضر الزعيم وماضيه فيه من الشواهد ما فيه، من فيتنام سابقاً إلى أفغانستان لاحقاً رأينا كيف ينسل منها هذا (الزعيم) واضعاً ذيله بين أسنانه لا يلوي على شيء، مخلفاً (صبيانه) خلفه وأعوانه، ناشداً سلامة رأسه! كما أن هذه العلاقة لن تنفع هؤلاء من تعدي جارهم القريب – هذا لو فرضنا وجود نية عداوة بينهم وبينه -، فإن اشرأبت أعناقهم لعداوة بعضهم بعضاً أو لعداوة جارهم القريب؛ فسيجدون أنفسهم في الساحة وحدهم، بلا حبيب أو قريب، يصارعون الموت فرادى، وإن أرغى (الزعيم) و (أعضاوات) حارته وأزبدوا وما مثال أوكرانيا الحالية عنا ببعيد. لذلك نوصيهم وغيرهم بالآتي:

خامساً: توصيات:

  1. أن ينحازوا إلى شعوبهم وأبناء أوطانهم، فهم الحصن الحصين والركن المكين.
  2. أن يحلّوا ما بينهم، فيما بينهم ولا يدعوا للغرباء مدخلاً عليهم.
  3. أن يبحثوا بينهم وبين جيرانهم عما يجمع ولا يفرق، في السياسة والاقتصاد والأمن.
  4. أن ترصد الجهات المتضررة من هذا التقارب، مسار هذه العلاقة ونموها أولاً بأول وساعة بساعة.
  5. فضح ما خفي من هذه العلاقة وتبيان ضررها وما يترتب عليه من خراب في العمران والأوطان.
  6. أن تحشد الجهات المتضررة نفسَها – حكومات وحركات، في صف واحد وكتلة واحدة لمواجهة هذا المجموع، فالمجموع لا يجدي معه سوى التصدي بالمجموع.

“والله غالبٌ على أمره ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون”

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي