أخبارالشرق الأوسطترجمات

مصالح الإمارات ما بين أموال بوتين الكبيرة وطائرات بايدن

ترجمة الهدهد
معاريف/ جاكي حوجي

من المثير للاهتمام متابعة “السلوك الإسرائيلي” في الأسابيع الأخيرة تجاه الأزمة في أوكرانيا، في المشي بين القطارات والسعي إلى عدم إغضاب الروس من جهة، وإرضاء بايدن من جهة أخرى، لكن لم يكن أقل إثارة للاهتمام مراقبة سلوك الإمارات العربية المتحدة، فعلى عكس “إسرائيل”، أبو ظبي عضو في مجلس الأمن الدولي، وفي يوم الجمعة الماضي بعد يوم من اندلاع الحرب، اجتمع المجلس للتصويت لصالح إدانة روسيا.

يمكن أن يوفر توزيع المصوتين في مثل هذه المنتديات في بعض الأحيان صورة مثيرة للاهتمام لتوازن القوى، هذه المرة كانت مثيرة للاهتمام بشكل خاص، أولاً: لأنه كشف مرة أخرى التناقض المتأصل في مجلس الأمن، لن يعمل المجلس أبداً كمنبر لإدانة أحد أعضائه الدائمين، لسبب بسيط وهو أن لديه حق النقض “الفيتو” وهناك 15 دولة أعضاء في هذه الهيئة، منها خمس دول دائمة، وعشر دول متناوبة، الأعضاء الخمسة الدائمون هم الذين أسسوا مجلس الأمن، روسيا والولايات المتحدة والصين والمملكة المتحدة وفرنسا، ولكل منهم حق النقض ضد أي قرار، حتى لو كانت تلك الدولة في قلب الأحداث الجارية، أي إذا أرادت الصين، خوض الحرب فلن يتمكن مجلس الأمن أبداً من إدانتها، لأنها هي نفسها ستستخدم حق النقض ضد الاقتراح.

عندما تتمكن أي قوة من تخطي هذه العقبة، فإنها تقبل ضمنياً “بشرعنة لأفعالها”، بل إن مجلس الأمن قد يعطي الضوء الأخضر لشن الحرب، فعلت ذلك في حالة القذافي في ليبيا، التي سمحت لتحالف الجيوش الغربية والعربية بالإطاحة به، وفي حالة صدام عام 1991، التي تشكل ضده تحالف عربي وغربي بقيادة الولايات المتحدة.

اليوم إذا كانت موسكو في خطر فهي تكمن في المبادرة المستقلة لدول حلف شمال الأطلسي، لكن هذا موضوع للنقاش منفصل.

دولة الإمارات عضو مؤقت في مجلس الأمن لمدة عامين، وفي أبو ظبي كان محمد بن زايد يناقش ما يأمر سفيره في مجلس الأمن بما يجب فعله، فالتصويت لم يكن مفاجأة له، ومثل أي شخص آخر، فقد أخذ في الاعتبار أن فرص الحرب كبيرة، وأن الإدانة ستعرض على الفور على مجلس الأمن، كان لديه قدر معقول من الوقت ليقرر ما يجب القيام به، وكان على علم بالفيتو المتوقع، لكن النتيجة النهائية أقل أهمية في هذه الحالة، الأهم من ذلك هو طريقة وصولهم إلى هناك، وقد أدانت إحدى عشرة دولة روسيا، ولم تكن الإمارات العربية المتحدة من بينها، فقد قررت أن تمتنع عن التصويت.

 

بن زايد يلمح لبوتين

في تصويت الأمس في الجمعية العامة للأمم المتحدة، والذي أدينت فيه روسيا، سمحت أبو ظبي لنفسها بإزالة الصمت والحيادية وصوتت ضد موسكو، فالغالبية العظمى من 141 دولة قالت “لا” للغزو الروسي، لكن الجمعية العامة ليست سوى منصة توضيحية، منصة لمجرد توزيع القوات، ومجلس الأمن أكثر أهمية وموثوقية من الاثنين، فعدد أعضائه محدود، وأي تحرك أو قرار لأي ممثل يتم إعطاؤه أهمية كبيرة.

وقد اختلف محللون في شؤون العالم العربي في مختلف البلدان والأوساط الأكاديمية والإعلامية هذا الأسبوع حول الأسباب التي دفعت بن زايد إلى الجلوس على الحياد، مثل هذه القرارات في معظمها تحجب شرنقة من الحجج المتشابكة، فقد تم طرح العديد من التفسيرات وكلها على الأرجح صحيحة.

في العام الماضي شهد الشرق العربي تراجعاً أكبر في الوجود الأمريكي في المنطقة، وتركت واشنطن سوريا تحت سيطرة موسكو، وهربت من أفغانستان، فيما يرى معظم قادة الخليج أن البيت الأبيض هو الراعي الأساسي لهم، لكن في السنوات الأخيرة غرست الشكوك في قلوبهم حول رغبة أمريكا في مواصلة ممارسة نفوذها في المنطقة، فهم يرون كيف أن الاهتمام الأمريكي بالشرق الأوسط يضعف تدريجياً لصالح التحديات العالمية القوية مثل الصين ومشكلة المناخ، وطوال هذا الوقت، تسعى روسيا جاهدة لدق أوتاد نفوذها في المنطقة، كما أن هذه الإمارات، على الرغم من أن بعضها غني وقوي، وتحتاج إلى داعم قوي وصلب، إذا كانت روسيا هي هذا الداعم الصلب، فمن الأفضل النظر بحذر نحوها.

محمد بن زايد لو كان له الحق في التصويت، لكان قد دفع بايدن إلى حجره، ولكن من وجهة نظره، وكذلك من وجهة نظر جيرانه، فإن “أمريكا بايدن” تتراوح من التصميم إلى التأتأة، فهي تتحدد عندما يتعلق الأمر بحقوق الإنسان وغزو دولة واحدة من قبل قوة مجاورة، لكنها تضعف في رغبتها في لعب دور مركزي في المنطقة، كما أن على الطاولة توجد الصفقة نفسها المعروفة لبيع طائرات مقاتلة متطورة من طراز F35، والتي وعدت به كجزء من اتفاقيات أبراهام التطبيعية.

علقت إدارة بايدن الصفقة بسبب الاتصالات الوثيقة بين الإمارات والصين، خشية من انكشاف الأنظمة المتقدمة للطائرة لخبراء المخابرات الصينيين، في حين أن الإمارات بحاجة إلى هذه الطائرات، ولا تنوي حرق علاقاتها مع بايدن على وجه التحديد، بينما هي ضمن المحادثات والاتصالات الحساسة بخصوص الطائرات، لكنها من ناحية أخرى متأثرة جداً من الإغراء الروسي.

فقد وقع هذا الإغراء فجأة على الجميع بسبب الحرب، كان بوتين ورجاله يستعدون للمعركة منذ شهور، قد يقول البعض سنوات، لقد أخذوا في الاعتبار أي سيناريو متطرف، حتى الصدام مع جيوش الناتو، وعلى وجه الخصوص، تم وضع في الاعتبار أن الغرب سيعمل على عزلهم عن غرفة المقاصة الدولية للاتصالات المالية، هذه الآلية والمختصرة باسم SWIFT، هي حالياً أكثر الوسائل أماناً والأكثر شيوعاً لتحويل الأموال بين البلدان والقارات.

إن إزالة روسيا منها تقلل بشكل كبير من الاتصال بين المستثمرين والبنوك الروسية وسوق العملات العالمية، وسرعان ما أدرك قادة الإمارات الإمكانات الكامنة في ذلك، يحتاج سوق رأس المال الروسي إلى نظام مصرفي ليعمل ضمنه، استثمر وادخر المال وقم بأعمال تجارية، هذه عشرات المليارات من الدولارات التي ستبحث عن منزل في المستقبل القريب.

في هذا السباق تعتبر الإمارات وجهة مفضلة على جيرانها الخليجيين، فلديها أقوى جهاز حكومي وأكثره تنظيماً، ومستوى البيروقراطية فيها منخفض نسبياً، وبنوكها خالية من القيود الشرعية، وعلى رأسها حظر أخذ الفائدة، وابن زايد يعرف كل هذا ومستعد لاستيعاب الأموال الطائلة.

وإذا قامت بعض الشخصيات في واشنطن بالتعبير عن امتعاضها، كما قال “مناحيم بيغن” “في سياق آخر – حسناً – عندها سيكون لديهم مقدرة على التعبير عن امتعاضهم وليس هذا فقط، قد تكون هذه البطاقة بمثابة رافعة ضغط على البنتاغون والبيت الأبيض للإفراج أخيراً عن الطائرات المقاتلة المطلوبة”.

وكان الامتناع عن التصويت يوم الجمعة يهدف إلى الإيحاء لبوتين بأن هناك شيئاً للحديث عنه، وليس من قبيل المصادفة أن سعر النفط الخام ارتفع هذا الأسبوع، مسرعاً نحو 120 دولاراً للبرميل، فروسيا مورد للغاز والنفط إلى الدول الغربية، وبمعزل عن هذه الدول تحتاج هذه الدول إلى مورد بديل -بغباء- أطاح الغرب بالقذافي في عام 2011، على الرغم من أنه زود 16 دولة أوروبية بالنفط عالي الجودة بسعر منخفض ودون الحاجة إلى نقل طويل المدى جعله أكثر تكلفة.

لكن القذافي في عالم آخر الآن، في حين أن ليبيا منقسمة ومتشرذمة والتي أصبحت مثل أوكرانيا وسوريا والعراق واليمن، ساحة صراع بين القوى الإقليمية التي تثيرها من بعيد، كل حسب احتياجاتها.

 وعادت كلمة “التأثير”، وهي الكلمة نفسها التي تضاءل استخدامها منذ سقوط الستار الحديدي، لتتصدر الخطاب بأول رصاصة أُطلقت في أوكرانيا.

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي