أخبار رئيسيةمقالات إستراتيجية

النظام العالمي في أزمة.. فما تأثيره على “إسرائيل”؟

ترجمة الهدهد
معهد السياسات والاستراتيجيات (IPS) بقيادة اللواء (احتياط) عاموس جلعاد

تسعى روسيا إلى تغيير قواعد اللعبة في أوروبا والنظام العالمي الذي تشكل بعد انتهاء الحرب الباردة، ولم يكن الهدف من الهجوم الشامل على أوكرانيا استبدال النظام بـ “نظام دمى” تتحكم في روسيا فحسب، بل كان يهدف إلى إيصال رسالة إلى الغرب وخاصة إلى الولايات المتحدة مفادها أن روسيا لن تتردد في استخدام القوة للحفاظ على “حدودها الاستراتيجية”.

مع استعدادها  لخوض حرب هدفها بعيد المدى هو إنهاء الهيمنة الأمريكية العالمية، وإنشاء نظام عالمي متعدد الأطراف يعبر بصدق عن أهمية ومركزية روسيا، ينتهج الغرب بقيادة الولايات المتحدة سياسة الضغط الشامل الهادفة إلى كبح العدوان الروسي وتدفيع روسيا ثمناً اقتصادياً باهظاً وتحويلها  إلى دولة “مجذومة” منبوذة من الجميع، وتعمل الولايات المتحدة التي تتفوق على التحالف الغربي دون عتبة الحرب المباشرة مع روسيا، لكنها تستخدم أدوات ضغط سياسية واقتصادية غير مسبوقة.

التوازن الاستراتيجي المؤقت

دخل الرئيس بايدن الأزمة وهو يواجه العديد من الصعوبات في الداخل والخارج – تراجع شعبيته بين الجمهور، وانتقاد متزايد للوضع الاقتصادي، والانسحاب الفوضوي من أفغانستان والاتفاق النووي الناشئ مع إيران، وقبل كل شيء الضرر الذي لحق بصورة القوة الأمريكية وقوة ردعها  في العالم.

الفهم السائد في واشنطن هو أن الأزمة في أوكرانيا ستؤثر بشكل مباشر على  استمرارية فترة ولاية الرئيس بايدن وبقائه السياسي، وإرثه كرئيس، ومكانة الولايات المتحدة كقوة عالمية مهيمنة والسياسة المستمدة من هذا الفهم.

أوضحت واشنطن حتى قبل بدء المعارك أنها لن تساعد عسكريا  أوكرانيا التي ليس لديها معها تحالف دفاعي عسكري، وأنها لن تنجر إلى معركة ضد روسيا يمكن أن تتدهور إلى حرب عالمية ثالثة.

وفي الوقت نفسه، نجحت الولايات المتحدة في توحيد الناتو وتشكيل تحالف فعال يضم الاتحاد الأوروبي وأستراليا ونيوزيلندا وتايوان واليابان، وقيادة تحركات غير مسبوقة تهدف إلى إلحاق أضرار اقتصادية جسيمة بروسيا وعزلها في الساحة العالمية مع وصفها لها بأنها قوة رجعية عالمية تقوض الاستقرار العالمي، في هذه المرحلة يركز رد الغرب على فرض عقوبات اقتصادية غير مسبوقة، وتعزيز القوات العسكرية في أوروبا، وإغلاق المجال الجوي الأوروبي (والبحري لاحقًا) أمام الطائرات الروسية، والمساعدات  العسكرية لأوكرانيا.

إلى جانب حملة دبلوماسية تهدف إلى تشويه صورة روسيا ونزع شرعيتها في النظام الدولي، وقيادة تحركات الإدانة في مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، يتم تنسيق تحركات الغرب لتعزيز فعاليتها، ويتم إدراجها  بطريقة توضح لموسكو الثمن الذي من المحتمل أن تدفعه مستقبلاً.

تنسق الصين مع روسيا وتسعى إلى تفكيك النظام العالمي الأمريكي وإلى تعزيز استراتيجية “الطريق والحزام” كوسيلة لتوسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي.

ومع ذلك، هذا لا يعني أن الصين ستستفيد من الأزمة وتتحدى الولايات المتحدة والغرب بشكل مباشر من خلال التصعيد على جبهة أخرى، إن استراتيجية الصين طويلة الأمد وتسعى بالتدريج إلى تأسيس نفوذ عالمي لها، وبذلك امتنعت عن التصويت على إدانة مجلس الأمن لروسيا وعدم استخدامها حق النقض بما اعتُبر نجاحًا غربيًا في عزل موسكو.

ومع ذلك إذا أظهرت الولايات المتحدة ضعفًا وسمحت لموسكو بتحقيق أهدافها الاستراتيجية، فمن المحتمل ألا تتردد بكين في الاستفادة من ذلك، وتعزيز تحركات قوتها في بحر الصين الجنوبي.

هل العقوبات الاقتصادية فعالة؟ 

تشمل العقوبات الاقتصادية التي يقودها الغرب عقوبات على معظم القطاع المالي والمصرفي الروسي، مع استثناء في هذه المرحلة قطاع الطاقة بسبب التبعية الأوروبية، كما تم فرض عقوبات شخصية على الرئيس بوتين ووزير الخارجية لافروف وكبار أعضاء القيادة السياسية الروسية.

لم تفقد روسيا استقرارها المالي حتى الآن بسبب فائض العملة الأجنبية واحتياطيات الذهب (حوالي 630 مليار دولار)  وتقديرات وتوقعات الدولة المسبقة لسيناريو العقوبات، وأيضًا على ضوء تعزيز علاقاتها الاستراتيجية مع الصين، لكن تأثير العقوبات هو تأثير طويل الأمد، وسيُختبر تأثيرها على ضوء قدرة الغرب على الحفاظ عليها بمرور الوقت وتعزيز عزلة الاقتصاد الروسي بشكل فعال.

سلاح “يوم القيامة” وهو فصل الاقتصاد الروسي عن نظام المقاصة الدولي (SWIFT) تم تفعيله جزئيًا من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة معلنين فصل البنوك المهمة عن النظام، إلى جانب تشديد القيود على البنك المركزي الروسي.

ستجعل هذه الخطوة من الصعب على موسكو استخدام احتياطيات النقد الأجنبي وإجراء الصفقات الدولية، ويضعف قدرتها على التصدير والاستيراد، ويقلل من دافع اللاعبين للقيام باستثمارات فيها وعقد صفقات تجارية معها، ويضعف بشكل كبير من مؤسساتها المالية، من ناحية أخرى  أظهرت روسيا بالفعل صمودا أمام العقوبات والقدرة على تحويل الاموال عن طريق دول غير مدرجة في العقوبات.

البعد التاريخي:

يتم تقديم المعركة الروسية في أوكرانيا في موسكو وكييف بمصطلحات تاريخية، ويوضح الاستخدام المتكرر لرموز واستعارات من حقبة الحرب العالمية الثانية لدى جانبي الصراع أهمية اللحظة التاريخية وقدرتها على أن تصبح نقطة تحول في ميزان القوى العالمي.

تلتزم روسيا بالمعركة العسكرية في أوكرانيا، والتي تعتبرها معركة على أسلوب الحياة الروسي وكبح النفوذ الغربي واقتراب الناتو من حدودها ورغبتها في استعادة موقعها ومكانتها المركزية في نظام عالمي متعدد الأقطاب.

وتخوض الولايات المتحدة والغرب معركة احتواء تهدف إلى تطويق الحرب في أوكرانيا، وجعل موسكو تدفع ثمنًا باهظًا من اقتصادها ومكانتها العالمية، وإنشاء قوة ردع فعالة تمنع روسيا من توسيع  القتال إلى ساحات أخرى، تدرك واشنطن التداعيات التاريخية للتحرك الروسي على النظام العالمي، وتدرك كذلك ثمن فشل الغرب في التنافس الاستراتيجي مع الصين.

الأهمية:

تنظر روسيا إلى الحرب في أوكرانيا على أنها جزء من استراتيجية طويلة المدى للعودة إلى مركز المسرح العالمي كقوة عظمى وكمنصة لإظهار القوة العسكرية وتأسيس ردع فعال ضد الناتو والولايات المتحدة.

ومع ذلك يمكن أن يصبح غزو أوكرانيا “نصرًا باهظًا” لموسكو على المدى المتوسط ​​إلى الطويل، نظرًا للأثمان الباهظة التي سيتعين عليها دفعها في الساحة السياسية والاقتصادية والساحة المحلية.

إن تعليمات بوتين للقوات النووية بالانتقال إلى حالة التأهب القصوى في مواجهة تصريحات الناتو العدوانية دليل على الضغط الذي تواجهه موسكو في مواجهة فاعلية وتأثير التحركات الغربية التي تكلفها أثماناً غير مسبوقة، فيما تم اتخاذ قرار إجراء مفاوضات غير مشروطة بين أوكرانيا وروسيا على الحدود مع بيلاروسيا على خلفية فشل روسيا في حسم المعركة في “بيليتس” على الرغم من أن ميزان القوة العسكرية يميل بوضوح إلى جانبها.

ويعكس وجود المفاوضات إنجازاً حققته الحكومة الأوكرانية التي تمكنت حتى الآن من الصمود في وجه الهجوم العسكري، لكنه لا يشير بالضرورة إلى فرص لنجاحها، وعلى أي حال لن يؤدي النصر العسكري الروسي في ساحة المعركة إلى انتصار استراتيجي طويل المدى  في ظل المقاومة  الشعبية الواسعة للاحتلال الروسي وفقدان الشرعية الدولية.

تهدف الاستراتيجية الغربية التي تقودها الولايات المتحدة إلى جبي ثمن باهظ من روسيا، الأمر الذي سيؤدي في النهاية إلى سحق اقتصادها وتحويلها إلى دولة منبوذة على الساحة الدولية، وإقامة قوة ردع عسكرية فعالة في أراضي الناتو.

يحاول الغرب تجنب المواجهة العسكرية المباشرة والانجرار  إلى حرب شاملة، لكنه يدرس الحرب في أوكرانيا كجزء من المعركة الشاملة للنظام العالمي.

لذلك لن يرتدع من الاستمرار في ممارسة الضغط الشامل تحت عتبة الحرب، في هذا السياق فإن الأزمة في أوكرانيا هي اختبار لقيادة الرئيس بايدن الذي اجتازها حتى الآن بنجاح.

بالإضافة إلى ذلك، تطلب الولايات المتحدة من حلفائها في جميع أنحاء العالم “التوافق” مع السياسات العقابية والإدانة التي تنتهجها، وبمرور الوقت ستكون قدرة الدول على الحفاظ على الحياد في المعركة المتصاعدة بين الغرب وروسيا صعبة، وستكون لها أيضًا أثمان، وفي ظل هذا الوضع تزداد احتمالية توسيع حدود المعركة  واحتمالية سوء التقدير المتزايد.

تعامل إسرائيل مع الأزمة

تحاول إسرائيل حاليا تبني سياسة الحياد والحذر في مواجهة التهديد الذي تشكله روسيا على حرية إسرائيل في العمل في  معركتها  لوقف التمركز الإيراني في سوريا.

مع ذلك بالنظر إلى المطلب الواضح الذي تفرضه عليها الولايات المتحدة وأوروبا سيتعين على تل أبيب “التوافق” مع سياسة حليفها الاستراتيجي وتقديم الدعم الكامل لواشنطن، على الرغم من التكاليف التي قد تترتب على ذلك في المعركة التي  بين الحروب والنظام الإقليمي.

من الآثار الجانبية الأخرى للحرب في أوكرانيا احتمال تأخير صياغة الاتفاقية النووية في فيينا، قد تتعطل المفاوضات التي هي في المراحل الأخيرة للتوقيع عليها من جديد بسبب عدم قدرة القوى على العمل معًا والتوافق عليها.

من ناحية أخرى، فإن السيناريو الخطير لخطوة أمريكية تهدف إلى التخلص من المشاكل “تنظيف الطاولة” وتوقيع اتفاق نووي سريع وبطريقة تسمح بالتركيز على روسيا سيشكل تحديًا عميقًا لمصالح إسرائيل الأمنية – الاستراتيجية، في مثل هذا الوضع، يتعين على إسرائيل تعزيز تعاونها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، والاستثمار في بناء قوة تسمح لها بالعمل مباشرة ضد إيران في يوم اتخاذ القرار بمهاجمتها، إلى جانب استمرار الاستثمار في وقف تمركز إيران عسكريا في سوريا.

تسلط الحرب في أوكرانيا الضوء مرة أخرى على أهمية القوة العسكرية وضرورة ترسيخ التفوق العسكري في الحرب الحديثة.

إذا تم التوقيع على الاتفاق النووي سيستغرق لإسرائيل عقدًا من الزمن للتحضير لمعركة ضد إيران، إلى جانب الحاجة إلى صد وكلاء طهران الإقليميين مطلوب من الجيش الإسرائيلي تطوير استراتيجية تمكنه من التغلب على التهديدات في الدائرة الأولى، إلى جانب الاستثمار في بناء قوة مخصصة وتعميق العلاقات السياسية والأمنية مع العالم العربي، ما سيمكنه من العمل بفاعلية في الدائرة الثالثة.

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي