أخبار رئيسيةشؤون دوليةمقالات إستراتيجية

غزو ​​أوكرانيا: سياسة بوتين في اختبار الواقع

ترجمة الهدهد

بقلم الدكتور شاي هار تسفي / باحث أول في معهد السياسات والاستراتيجيات (IPS) – جامعة رايخمان

في نهاية حوالي أسبوع منذ بداية الغزو لأوكرانيا، وعلى الرغم من الثغرات والنقص في المعلومات والتضليل فيما يتعلق بالوضع على الأرض، يبدو أن التطورات على الساحة الدولية إلى جانب تقدم القتال على الأرض تتعارض مع تقديرات وتوقعات الرئيس بوتين المبكرة التي سبقت الغزو.

من الواضح أن الضائقة الاستراتيجية والصعوبات التشغيلية دفعت بوتين إلى النشر في وسائل الإعلام عن التعليمات التي أصدرها لوزير الدفاع ورئيس الأركان لرفع مستوى الاستنفار في النظام النووي، لإيصال رسالة إلى الدول الغربية بشأن حدود تدخلها في الأزمة، في ظل تصعيد الجيش الروسي في استخدام القوة؛ وهو الأمر الذي سيؤدي إلى سقوط العديد من القتلى.

من صورة المعركة التي تظهر في الوقت الحالي يمكن التقدير أن هناك تأخيرات في تنفيذ الخطط العملياتية للجيش الروسي، والتي تتمثل في الاستيلاء السريع المبكر على العاصمة كييف وتغيير الحكومة.

وفي ظل الغموض حول ما يجري في ساحة المعركة، ومرور أيام قليلة على بدء المعركة، من الصعب الإشارة إلى عمق الفجوات بين الخطط التشغيلية وتطبيقها.

سوء تقدير لتماسكالغربيين وعزمهم

عشية غزو أوكرانيا، يبدو أن الرئيس بوتين قدر أن الظروف الاستراتيجية لتصعيد الأزمة مع أوكرانيا مواتية له، فالدول الغربية غارقة في ضائقة داخلية في ظل وباء كورونا وارتفاع نسبة التضخم، وصورة القيادة الغربية في أزمة، والرئيس الأمريكي يُنظر إليه على أنه ضعيف، ويتجنب استخدام القوة ويركز على الساحة الداخلية، إلى جانب القيادة الأوروبية الضعيفة (المستشار الألماني شولتز عديم الخبرة، والرئيس ماكرون على أبواب الانتخابات الرئاسية، ورئيس الوزراء جونسون منشغل بشؤونه الداخلية)، بالإضافة إلى الاعتماد الكبير للدول الأوروبية على واردات الغاز الروسي، وتوطيد روسيا المحور الاستراتيجي مع الصين.

كل هذا إلى جانب وضع اقتصادي أفصل من ذي قبل على شكل احتياطيات من النقد الأجنبي تقدر بأكثر من 630 مليار دولار، أضف إلى ذلك معارضة محطمة من الداخل.

يبدو أن بوتين كان محقًا في تقييم عدم رغبة بايدن في استخدام القوة العسكرية، لكنه أخطأ في تقييم إصرار الرئيس الأمريكي وقدرته على تشكيل جبهة واسعة ومتماسكة مع الدول الغربية، وجعل روسيا تدفع ثمناً باهظاً لعدوانها.

ومن المحتمل أيضًا أن تكون كلمة بايدن العفوية بأن التحرك العسكري الروسي المحدود سيواجه برد مشابه محدود، عزز من تقييم بوتين للرد المتراخي المتوقع من الولايات المتحدة.

على عكس تقديرات بوتين يبدو أن بايدن نجح من خلال مفهوم القيادة الذي عرّفه الرئيس أوباما قبل عقد من الزمان بالقيادة من الخلف” (Leading From Behind) في تشكيل تحالف واسع من عشرات الدول في أوروبا وآسيا وأستراليا.

تصريحات بايدن في خطاب الأمة التي قال فيها إننا تعلمنا من التاريخ  أنه عندما لا يدفع الطغاة ثمن عدوانهم، فإنهم يتسببون في مزيد من الفوضى، تعبر عن مفهومه وعزمه على جعل روسيا تدفع ثمنا باهظا عقابا لها على تصرفاتها.

علاوة على ذلك، بعد فترة طويلة بدا فيها أن الناتو قد فقد أهميته تمكن بايدن من إحياء الحلف وأهميته في توفير مظلة حماية لجميع أعضائه، حتى إن الولايات المتحدة وبريطانيا أرسلتا قوات وأسلحة إلى دول أوروبا الشرقية الأعضاء في الناتو، معلنين التزامهم بحماية كل دولة عضو في الحلف.

وموقف كل من فنلندا والسويد اللتين حافظتا على الحياد لسنوات بإظهارهما استعدادًا للتعاون مع الناتو يعكس التماسك الذي نشأ بين الدول الغربية خلال الأزمة في ظل الشعور بالتهديد من جانبها بشأن النوايا الروسية.

سوء تقدير لقوة العقوبات الاقتصادية

تشكل العقوبات الاقتصادية التي تمكن بايدن والزعماء الغربيون من صياغتها أقسى إجراءات عقابية اقتصادية تُفرض على الإطلاق على بلد بحجم روسيا.

والحديث هنا يدور أولاً وقبل كل شيء عن فصل المؤسسات الروسية عن منظومة المقاصة:

  • تأخير تشغيل مشروع خط أنابيب الغاز الاستراتيجي “نورد ستريم “2.
  • فرض عقوبات على البنك الوطني الروسي، وعمليًا على قدرته على استخدام جزء كبير من احتياطيات النقد الأجنبي لدى روسيا.
  • إغلاق المجال الجوي للعديد من البلدان بما في ذلك الولايات المتحدة أمام رحلات الطيران الروسي.
  • إلى جانب العقوبات الشخصية على بوتين نفسه، وسلسلة طويلة من الهيئات والأوليغارشية الروسية.

أدت هذه الإجراءات بالفعل إلى: انخفاض في سوق الأسهم الروسية، وهبوط حاد في سعر الروبل بطريقة أجبرت النظام على اتخاذ تدابير احترازية لوقف الانهيار.

سوء تقدير للجدية في تحويل المساعدات العسكرية إلى أوكرانيا

بالإضافة إلى ذلك، تعمل الولايات المتحدة وكندا وأستراليا والدول الأوروبية على تقديم مساعدات عسكرية واسعة النطاق لأوكرانيا، بما في ذلك الصواريخ المضادة للدروع وأنظمة الدفاع الجوي والذخيرة وأسلحة أخرى.

كما أعلن الاتحاد الأوروبي عن استعداده لتمويل شراء طائرات قتالية شرقية لأوكرانيا، على الرغم من أنها ليست عضوًا في الاتحاد الأوروبي.

وتواصل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة تزويد أوكرانيا بمعلومات استخبارية محدّثة حول النوايا العملياتية الاستراتيجية لروسيا والانتشار التكتيكي للقوات على الأرض.

علامات استفهام بخصوص الالتزام الصيني؟؟؟

في السنوات الأخيرة عمل بوتين على تعزيز العلاقات مع الصين، بهدف إنشاء محور يوازن الهيمنة الأمريكية، ومع ذلك فإن سلوك الصين حتى الآن يثير تساؤلات حول قوة إحدى الدعائم الأساسية لبوتين.

وكان أبرز تعبير عن ذلك قرار الصين الامتناع عن التصويت وعدم استخدام حق النقض الفيتو في تصويت مجلس الأمن على مطالبة روسيا بسحب قواتها.

يبدو أنه على الرغم من تعميق العلاقات بين موسكو وبكين إلا أن غزو أوكرانيا، وخاصة حدة الصراع ورد الفعل الغربي، قد وضع الصين في معضلة.

إلى جانب المبدأ الصيني المتمثل في عدم التدخل في سيادة الدول الأخرى (هي لا تعتبر تايوان دولة ذات سيادة)، من وجهة نظر بكين فإن نتائج الصراع قد يكون لها أيضًا انعكاسات عليها، وذلك لأن فشل روسيا في المعركة قد يكون له تأثير أيضا على موقعها على الساحة الدولية وتطلعاتها في الساحة الآسيوية.

من ناحية أخرى ستسعى الصين جاهدة إلى تجنب وضع تجرها فيه روسيا إلى مواجهة واسعة النطاق مع الغرب، ما سيعرضها لعقوبات اقتصادية من الولايات المتحدة والدول الأوروبية.

سوء تقدير لتصميم الرئيس زيلينسكي والشعب الأوكراني على القتال

إحدى المفاجآت الرئيسية للمعركة بالنسبة لبوتين حتى الآن هي درجة تصميم وعزم الجيش والشعب الأوكرانيين على محاربة الروس، هذا إلى حد كبير سببه التغييرات السياسية والاجتماعية التي حدثت في أوكرانيا في السنوات الأخيرة، والتي تستند إلى الرغبة في الانفصال عن روسيا والاقتراب من الدول الغربية.

من الناحية العملية، يبدو أن القيادة الروسية قد أخطأت في تقدير أن الغزو والدعوات للإطاحة بزيلينسكي ستؤدي إلى معارضة ضعيفة من جانب المواطنين وتسهل الاستيلاء على كييف.

كما يتضح أن بوتين قد قلل من قدرة الرئيس زيلينسكي على القيادة، وتصميمه الذي رفض مرارًا وتكرارًا عروضات من الولايات المتحدة لمغادرة البلاد، بل وحرص على نشر ذلك في وسائل الإعلام من أجل توضيح استعداده للتضحية بحياته.

ويحرص زيلينسكي أن يوزع أيضًا صور سيلفي له من شوارع كييف، ويدعو إلى الوحدة والقتال بلا هوادة من أجل استقلال أوكرانيا.

علاوة على ذلك يقوم الرجل بحملة دبلوماسية واسعة مع القادة الغربيين، ويجري محادثات هاتفية منتظمة معهم، ويحرص على التعبير عن ذلك على وسائل التواصل الاجتماعي.

سوء تقدير للمعارضة من الداخل

أخيرًا تثير مدة المعركة، وصور الدمار من أوكرانيا، والعقوبات القاسية تعبيرات الاحتجاج والاستياء في روسيا نفسها.

صحيح أنه في الوقت الحالي هناك عدد قليل من الأصوات، ويبدو أنهم لا يشكلون في هذه المرحلة تحديًا لبوتين، ولكن إجراءات حجب الشبكات الاجتماعية ووسائل الإعلام المختلفة، واعتقال الآلاف من المعارضين كافية أيضًا لتدل على انزعاج النظام من هذه الأصوات.

وقد يؤدي تصعيد المواجهة مع الغرب، وخاصة الضرر الاقتصادي المتوقع إلى تكثيف التحدي الذي يواجه بوتين، وتحديدا من دائرة المقربين منه.

توصيات “لإسرائيل”

خلاصة القول: أظهر تطور الصراع حتى الآن أنه بينما كانت المخابرات الأمريكية والبريطانية محقة بشأن نوايا بوتين لغزو أوكرانيا، أخطأ الرئيس الروسي نفسه في تحليل ردود الفعل المتوقعة من النظام الدولي وفي القدرات العسكرية الروسية لتحقيق الحسم السريع.

يجب أن تنتهج “إسرائيل” السياسة الصحيحة المتمثلة في الموازنة بين الاعتبارات الاستراتيجية والأخلاقية والقيود الأمنية.

في ضوء ذلك، إلى جانب إدانة الغزو الروسي واستمرار المساعدات الإنسانية ونظرًا لحيوية التنسيق الأمني ​​مع روسيا للحفاظ على نشاطات المعركة التي بين الحروب في سوريا، وأهمية العلاقات معها في القضايا الأخرى، يجب على “إسرائيل” تعزيز حوار سري مع الولايات المتحدة وروسيا للتوصل إلى تفاهمات هادئة في القضية.

في الوقت نفسه يوضح الرد الغربي “لإسرائيل” حدود الدعم المتوقع من واشنطن والدول الأوروبية، خاصة أثناء الصراع العسكري؛ لذلك، عليها مواصلة العمل على تطوير قدرات العمل المستقل للتعامل مع التهديدات التي تواجهها، ولا سيما في ظل احتمال أن يؤدي اتفاق نووي جديد إلى تكثيف التحديات من جانب طهران وحلفائها في المنطقة.

في هذا السياق نظرًا لاحتمال تجميد المفاوضات في فيينا للفترة القادمة يجب على “إسرائيل” أن تحاول الاستفادة من فترة الوقت هذه، لإقناع الأمريكيين والأوروبيين بتشديد المواقف بشأن القضايا الجوهرية كأحد الدروس المستفادة من سلوك روسيا العنيف.

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي