أخبار رئيسيةترجماتشؤون دولية

التصعيد المذهل لأزمة أوكرانيا

حرب نووية تدق أبواب العالم

ترجمة الهدهد
جلوبس/ يوآف كارني

بطبيعة الحال، فإن السؤال عن المدة التي ستستمر فيها الحرب الروسية في أوكرانيا يتعلق أولاً وقبل كل شيء بـ 44 مليون أوكراني، ورفاههم الجسدي، ورفاهية مدنهم وقراهم، ووجود بلدهم.

ولكن من الجواب يأتي تقييم لحالة العلاقات الدولية، واعتبارا من اليوم الحرب في يومها السابع، يوما بعد يوم، تتدهور العلاقات بين روسيا والغرب، هذا الصباح، أغلق الرئيس جو بايدن سماء أمريكا أمام الطائرات الروسية، وفعل الأوروبيون ذلك قبل يومين، ومنعوا وزير الخارجية الروسي من حضور مؤتمر الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في جنيف، وكان بإمكانه اختيار طريق بديل، عبر تركيا أو إسرائيل، لكنه بقي في المنزل، وجاء الإغلاق بعد 24 ساعة من طرد الولايات المتحدة 12 دبلوماسيًا روسيًا من وفد بلادهم لدى الأمم المتحدة.

علما بأنهم ممثلين بلادهم لدى الأمم المتحدة، والولايات المتحدة ملزمة بالسماح بوجود ممثلين من جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، بما في ذلك الدول المعادية، أو حتى الدول التي ليس لها علاقات دبلوماسية مع واشنطن، والترحيل من الأمم المتحدة نادر للغاية، والأندر هو طرد الدبلوماسيين من دولة عضو دائم في مجلس الأمن.

عقوبة جديدة يوميا

كل يوم يمر ينتج عنه عقوبة جديدة، الحصار المالي حول روسيا يزداد إحكامًا وتشديدًا، لا تزال هناك ثغرات تجارية كبيرة.

تواصل روسيا كسب مئات الملايين من الدولارات يوميًا من مبيعات الغاز والنفط إلى الغرب، وخاصة إلى أوروبا، ولا يزال بإمكان بعض بنوكها المشاركة في النظام المصرفي الدولي، لأنه لم يتم استبعادها بعد من SWIFT، غرفة المقاصة الدولية التي يمكن من خلالها تحويل الأموال بين المؤسسات المالية، لم تحظر الولايات المتحدة حتى الآن تصدير التكنولوجيا الفائقة إلى روسيا، وخاصة أشباه الموصلات والرقائق.

لكن كل يوم يمر يزيد الضغط على واشنطن والعواصم الأوروبية لتشديد العقوبة، لا يسع المرء إلا أن يخمن ما سيحدث، عندما ينقل البث المباشر صور المعركة فوق كييف، وسيرتفع صورة عش الغراب الدخاني من هذه العاصمة القديمة (ضربها بقنبلة نووية روسية)، ويتم إلقاء الجثث في الشوارع، وستمتلئ المستشفيات بأقصى طاقتها، وسيزداد عدد اللاجئين بشكل جنوني، وتقدر الأمم المتحدة أنها قد تصل إلى أربعة ملايين وأكثر، وسيكون لهذا الضغط عواقب لا محالة، الوحوش التي تسيطر على الرأي العام عبر وسائل الإعلام ستجبر الغرب على تجاوز الخطوط الحمراء.

ربما اقتربنا من اليوم الذي صدر فيه تحذير روسي عام 2015 بشأن عواقب إحدى العقوبات: سيتم فحص الطرد الكامل من نظام SWIFT.

رئيس الوزراء الروسي في تلك الأيام، دميتري ميدفيديف، المقرب من الرئيس بوتين (يشغل الآن منصب نائب رئيس مجلس الأمن القومي في عهد بوتين)، ثم أعلن بعد فترة وجيزة من احتلال روسيا لشبه جزيرة القرم وضمها والتحريض على الانتفاضة في شرق أوكرانيا، أن رد روسيا على الطرد من نظام سويفت “لا حدود له”، وقال عن هذا الطرد من نظام سويفت في 2019 بانه سيكون بمثابة “إعلان حرب”.

ماذا سيحدث إذا فرضت الولايات المتحدة المزيد من العقوبات ؟

لقد شهدنا في الأيام الأخيرة بوادر تحدٍ شديد من جانب روسيا، مع غزوها لأوكرانيا، حذر بوتين من أن أي دولة تقف في طريق روسيا ستعاقب إلى الحد الذي يجعلها “لم تر مثلها في كامل تاريخها”، ورأى المراقبون في هذا دليلاً محتملاً لاستخدام الأسلحة النووية، بعد أربعة أيام من الغزو، في مظاهرة للغضب ونفاد الصبر ومن يعرف ماذا بعد، لم يلمح بوتين أكثر من ذلك، لكنه أطلق اسمًا صريحًا، لقد جلس وزير دفاعه ورئيس أركان الجيش على أطول طاولة في العالم، وأمرهم أمام الكاميرات برفع جهوزية الأسلحة النووية الروسية إلى مستوى عالٍ من التأهب.

وقالت مصادر أمريكية في وقت لاحق إنها لم تلاحظ أي تغييرات أو تحولات في البرنامج النووي الروسي، لكن الشيطان خرج، على الأقل إلى حد ما، من القمقم، فجأة بوتين يتحدث ليس كديكتاتور روسي، ولكن كديكتاتور كوري شمالي، وبرر التهديد بـ”تصريحات معادية” صادرة عن قادة الناتو، وإذا كانت “التصريحات العدائية” تبرر التلويح بالأسلحة النووية، فلا يسع المرء إلا أن يخمن ما هي الأعمال الحقيقية التي ستبرر ذلك.

ماذا سيحدث، على سبيل المثال، إذا تم إحكام سويفت بالكامل حول أعناق البنوك الروسية؟

■ ماذا سيحدث إذا التزمت الولايات المتحدة بقرار الرئيس بايدن وأفرغت خزائن الحرب الروسية (لا نعرف بالضبط أين توجد احتياطيات روسيا من النقد الأجنبي البالغة 630 مليار دولار)؟

■ ماذا سيحدث إذا منعت الولايات المتحدة البنك المركزي الروسي من حماية الروبل واستمر في الهبوط في أعماق مجهولة؟

■ ماذا سيحدث إذا قطعت الولايات المتحدة طريق روسيا إلى التكنولوجيا المتقدمة لدرجة أنها ستؤدي إلى “تآكل اقتصادها وإضعاف جيشها لسنوات عديدة”، على حد تعبير بايدن؟

■ ماذا سيحدث إذا فضحت الولايات المتحدة جرائم “الأوليغارشية والقادة الفاسدين الذين استولوا على مليارات الدولارات”، وتعاونت مع حلفائها الأوروبيين، من أجل “العثور على يخوتهم وشققهم الفاخرة وطائراتهم الخاصة ومصادرتها” ووضع يدها على “أرباحهم المكتسبة عن طريق الاحتيال”، كما صرح بايدن؟

وماذا لو أرسلت الولايات المتحدة وحلفاؤها أسلحة إلى الأوكرانيين، حتى بعد سقوط مدنهم الكبيرة في يد روسيا؟ والذي سيأتي إليها من جيران أوكرانيا: بولندا ورومانيا وسلوفاكيا والمجر ومولدوفا أو من البحر الأسود، عبر بلغاريا وتركيا وجورجيا، ماذا سيفعل بوتين بهذه الدول، ستة منها أعضاء في الناتو، هل يمكن الوثوق به في عدم مهاجمتها بذلك؟

هل يمكن أن يستخدم السلاح النووي في حربه الحالية؟

فيونا هيل، التي شغلت حقيبة روسيا في مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض خلال العامين الأولين من رئاسة دونالد ترمب ، قالت هذا الأسبوع في مقابلة صحفية مع بوليتيكو إن بوتين همس في أذن ترمب، “كما تعلم دونالد لدينا هذه الصواريخ الهايبر سونيك (تتخطى سرعتها سرعة الصوت بخمس مرات على الأقل، ويطلق عليها لقب هايبر سونيك (Hypersonic) حيث إنها تفوق صواريخ (Supersonic) الأسرع من الصوت.

أجاب ترمب: “حسنًا، سنصنع ذلك أيضًا”، بوتين: “نعم، في النهاية سيكون لديك، لكننا سبقناك”.

وأضافت “هيل” إن هذه الأشياء “تنطوي على تهديد، وبوتين يعرضنا للخطر إذا حدث ذلك في واقع معادٍ ما، سيكون الخيار النووي مطروحًا على الطاولة، ومن الخطأ أن يعتقد شخص ما أن بوتين لن يستخدم شيئًا لديه، شيئًا غير عادي وقاسٍ.

سأل المحاور هيل: “يقول بعض الناس إننا على وشك الحرب العالمية الثالثة”، أجاب هيل: “نحن فيها بالفعل”، إذن ماذا يعني التصعيد؟ الجواب الصادم هو أننا في الحقيقة ليس لدينا أي فكرة.

كانت فرضية الحرب الباردة منذ عام 1949 بعد أن فجر السوفييت أولى قنابلهم الذرية، أن “توازن الرعب” قد نشأ في العالم، ولن يجرؤ أي من القوى العظمى على بدء حرب نووية مدركة أنها أيضًا سوف تدمر العالم، وأخطر اللحظات في تاريخ الحرب الباردة، التي استمرت ما يزيد قليلاً على 40 عامًا، إلى مخاوف إحدى القوى العظمى من أن يتمكن منافسها من تدميرها في الضربة الأولى.

تربط إحدى النظريات حول انهيار الاتحاد السوفيتي إفقارها في الثمانينيات، بمحاولتها الفاشلة لخوض سباق تسلح مع الولايات المتحدة، كان السوفييت على وشك اليأس عندما بدأ الأمريكيون يستمتعون بتطوير أسلحة باليستية، والتي سيتم وضعها في الفضاء الخارجي (حرب النجوم)، ربما لأن كابوس انهيار الاتحاد السوفيتي ما زال ماثلا أمامهم، ما دفعهم إلى البدء بالإصلاحات خوفا من التعجيل بنهاية إمبراطوريتهم.

ساعة “يوم القيامة” تقترب من منتصف الليل

لقد تحدث بوتين عدة مرات في السنوات الأخيرة علنًا عن صواريخه ” الهايبر سونيك” التي لا مثيل لها، بحيث لا يمكن لأحد أن يشك في أنه خلص إلى أن روسيا قد طورت قدرتها على كسب حرب غير تقليدية، علاوة على ذلك، إذا كان يعتقد، وفقًا لفيونا هيل، أن الأمريكيين سوف يكتسبون القدرة على إنتاج هذه الصواريخ “في نهاية المطاف”، فقد يكون لديه سبب لبدء الحرب قبل وصولهم لهذ الصواريخ.

وهذا أبعد ما يكون عن احتمال معين أو حتى احتمال معقول، لكن يبدو أن إحساس بوتين بالقوة والثقة يكمن وراء المخاطرة الهائلة التي يواجهها بشأن غزو أوكرانيا، وكثيرًا ما سمعنا في الأيام الأخيرة، خاصة من الولايات المتحدة، أن بوتين أجرى صفقة خاطئة: أنه لم يقدر تصميم الأوكرانيين، وأنه استخف بوحدة الغرب، وأنه بالغ في تقييم كفاءة الجيش الروسي، وهذا ما قاله جو بايدن بشكل أو بآخر صباح الأربعاء.

لكن العكس هو الصحيح أيضًا: الغرب لم يقدّر وجود بوتين، ولم يفسر الغرب بشكل صحيح عملية تراكم القوة للجيش الروسي منذ سلوكه الجامح في الحرب ضد جورجيا (2008)، ولم يفهم مقدار المرارة التي يشعر بها بوتين في أعماقه تجاه الغرب، ومن الممكن أن يستمر الغرب في عدم الفهم، هذه المرة لا يفهم حجم المخاطر التي يرغب بوتين في تحملها في طريقه نحو الهدف.

إن “الهدف” بلا شك هو تجديد الحدود الاستراتيجية لروسيا، حتى أوروبا الوسطى، وربما أبعد من ذلك، ويشير “ما وراءهم” إلى الطلب الأخير في الأيام الأخيرة من وزارة الخارجية الروسية بأن تقوم الولايات المتحدة بإجلاء جميع قواتها النووية من القارة الأوروبية، حيث تمركز نووي أمريكي في أوروبا منذ 70 عامًا أو أكثر.

ربما حان الوقت للنظر في إمكان أن النظام الدولي لم يعد في زمن السلم، ولكن في حالة اللاحرب واللاعنف، أو حتى في حالة نصف حرب، إنه مثل هذا التغيير الكاسح، بحيث يصبح العقل ببساطة غير قادر على استيعابها، تم تقصير المسافة إلى أسفل الهاوية إلى الحد الذي كان نموذجيًا للتحذيرات المروعة في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، عندما تم ابتكار “ساعة يوم القيامة” (Doomsday Clock) التي ركبها الفيزيائيون بحساب المسافة إلى “منتصف الليل”، (ساعة رمزية تم إحداثها عام 1947 من قبل مجلس إدارة مجلة علماء الذرة التابعة لجامعة شيكاغو، تُنذر هذه الساعة بقرب نهاية العالم بسبب السباق الجاري بين الدول النووية، حيث إن وصول عقارب الساعة إلى وقت منتصف الليل يعني قيام حرب نووية تُفني البشرية، ويُشير عدد الدقائق التي قبل منتصف الليل إلى احتمال نشوب حرب نووية، أما توقيتها الآن فهو دقيقتين قبل منتصف الليل)، في بعض الأحيان فقط في ثوان، كل ما يتطلبه الأمر الآن هو سلسلة صغيرة جدًا من الخطوات وسوء الفهم لعبور تلك المسافة.

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي