أخبارترجمات

وأن تُسمع صوتاً حاداً وواضحاً ضد العدوان الروسي

يجب على “إسرائيل” التخلي عن الحياد

ترجمة الهدهد
N12/ الجنرال عاموس يادلين

في بعض الأحيان تقع الدول في حالة تعارض بين القيم والمصالح، ومن الواضح أن الأزمة العالمية بين روسيا والغرب قد أوقعت “إسرائيل” في معضلة بين الحاجة إلى الحفاظ على مصالحها مع موسكو، وبين الواجب الأخلاقي في الوقوف إلى جانب العالم الغربي الديموقراطي، الذي يوحده العدوان الروسي والدوس على المعايير الدولية من قبل الرئيس بوتين.

أخلاقياً ومعنوياً ليس هناك شك في أي جانب ينبغي أن تكون “إسرائيل”، مكانها الطبيعي هو مع الغرب والولايات المتحدة كدولة تفتخر بطابعها الديمقراطي النابض بالحياة، وسيادة حكم القانون وحقوق الإنسان والصحافة الحرة، ومن ناحية مصالحها فيجب على “إسرائيل” أن تستمر في الوقوف إلى جانب حليفها الرئيسي، وأحياناً الوحيد الولايات المتحدة الأمريكية.

إذن فلماذا تتردد “إسرائيل”؟

هي تتردد لاعتبارات أمنية استراتيجية، وعلى رأسها ضرورة ضمان حرية العمل في سوريا لمنع إيران من بناء “آلة حربية هناك كما بنتها في لبنان، ومنع استخدام أراضي سوريا كممر لنقل منظومات الأسلحة والمعدات إلى حزب الله وخاصة القدرات الهجومية الدقيقة.

هذه حاجة استراتيجية أساسية لأمن “إسرائيل” ولا ينبغي الاستخفاف بها، ومع ذلك، فإن الفحص المتعمق للتوازن العام للمصالح يكشف أن قضية حرية العمل في سوريا تتضاءل أمام المصالح الإستراتيجية الأكبر بكثير.

على رأس هذه المصالح تقف العلاقات الخاصة مع الولايات المتحدة، فبينما يواجه الرئيس بايدن أكبر اختبار للغرب في العقود الأخيرة، ويسعى إلى منع تصعيد الصراع العالمي بأبعاد نووية واحتمال التدهور إلى حرب عالمية، يجب على “إسرائيل” التركيز في المقام الأول والوقوف إلى جانب الولايات المتحدة.

روسيا خصم أكثر مما هي صديق

ومن المهم أن نتذكر أن “إسرائيل” تتمتع منذ عقود بالدعم السياسي والاقتصادي والتكنولوجي الأمريكي في جوانب ضرورية لأمنها القومي، دعم السياسي بدونه يمكن أن تقع في عزلة دولية، وضمانات ومساعدة في بناء القوة للتعامل مع التهديدات الخطيرة على أمنها، وضمان تفوقها العسكري النوعي وغير ذلك.

تحافظ الولايات المتحدة على تفوقنا العسكري، الذي هو رصيد استراتيجي من الدرجة الأولى يضمن الاستقرار الإقليمي، في حين قوة أن “إسرائيل” وتفوقها النوعي في المنطقة إلى جانب تحالفها القوي مع الولايات المتحدة يعززان من صورتها الرادعة في بيئة معادية، وقد أدى الحفاظ على هذه الصورة على مر السنين إلى غرس الاعتراف تدريجياً لدى الدول العربية بأنها “وجدت لتبقى”، وكان هذا الاعتراف عنصراً أساسياً في قرارهم إقامة علاقات معها والسعي من أجل السلام.

والمثال الحالي على احتمال المساس بجهوزيتنا العسكرية هو “رزمة” المساعدات الإضافية لـ”إسرائيل” والبالغة مليار دولار لصالح استكمال مخزون صواريخ القبة الحديدية الاعتراضية بعد “عملية حارس الأسوار”، إن الموافقة على الصفقة التي تأخرت على أي حال مدرجة على جدول أعمال مجلس الشيوخ الأمريكي، وقد تلغيها في حال أثارت سياسة “إسرائيل” في الأزمة في أوكرانيا انتقادات ضدها في الكونجرس.

من المصالح الاستراتيجية الحيوية الأخرى ل”إسرائيل” مكانتها الدولية الإيجابية، ومن بين أصولها الرئيسية في هذا الصدد في واشنطن وفي العواصم الأوروبية المهمة هي صورتها على أنها “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”.

يمكن لسياسة مترددة في أزمة أوكرانيا أن تضر بهذه الصورة، وتعود بالسلب على علاقات “إسرائيل” الخارجية.

هذه الاعتبارات المهمة تواجهها قدرة روسيا على التأثير في حرية العمل” الإسرائيلية” في سوريا، إن مجرد الخوف الشديد من تحدي التحركات “الإسرائيلية” في سوريا من جانب روسيا يوضح أنها ليست حليفة لـ”إسرائيل”، على العكس من ذلك؛ تعتبر روسيا خصماً أكثر منها صديق.

على المستوى الاستراتيجي تسعى روسيا إلى إعادة أمجادها السابقة وترسيخ وجودها في الشرق الأوسط بعد أن طُردت من المنطقة في منتصف السبعينيات، هذا إلى جانب انتقاصها من الهيمنة الأمريكية في المنطقة والتي هي مصلحة “إسرائيلية” واضحة.

في ظل هذه الخلفية من الممكن فهم علاقات روسيا ودعمها المبدئي لإيران ومواقفها، بما في ذلك في جولات المفاوضات حول القضية النووية في العقود الأخيرة.

تبيع روسيا أحدث أنظمة الأسلحة لأعداء “إسرائيل” في المنطقة، مثل صواريخ كورنيت المضادة للدبابات، وصواريخ بر بحر الاستراتيجية، وأنظمة الدفاع الجوي المتطورة 400-S، وطائرات سوخوي وغيرها.

إن ضعف السيطرة الروسية على المستخدمين النهائيين لهذه الأسلحة وتجاهل موسكو قد سمح لبعض هذه الأسلحة (أكبر مثال هو صواريخ الكورنيت) بالوصول إلى المنظمات الإرهابية مثل حزب الله وحماس والتي استخدمتها بشكل مميت ضد “إسرائيل”.

وفي النظام الدولي تصويت روسيا في مجلس الأمن دائما كان إلى جانب القرارات المعادية لـ”إسرائيل” التي قدمها أعداء “إسرائيل”.

للروس أيضاً مصالح..

وماذا بخصوص التهديد بحرية العمل؟ صحيح أن روسيا لا تمنع “إسرائيل” من العمل ضد الوجود العسكري الإيراني في سوريا، حتى لو كان هذا الوجود يفرض قيوداً معينة، إلا أنها في الوقت نفسه تسمح لإيران ووكلائها بنقل القدرات العسكرية للدولة على نطاق واسع وترسيخ وجودها هناك، بما في ذلك في المناطق القريبة من “إسرائيل”، وهذه طريقة عمل تشتهر بها روسيا جيداً، في التعاون مع الأحزاب المتنافسة من أجل خلق قوة ضغط وتأثير على كليهما وإرساء مكانتها كقوة.

إن الاصطفاف الواضح لـ”إسرائيل” في المعسكر الغربي في أزمة في أوكرانيا لن يؤدي بالضرورة إلى ضرر فوري لحرية العمل في سوريا:

  • أولاً: الروس منشغولون في الحرب في أوكرانيا وفي صراع عالمي.
  • ثانياً: على خلفية المنافسة مع إيران على الموارد والنفوذ في سوريا، لدى روسيا مصلحة عميقة في ألا تصبح إيران قوية جداً في البلاد.
  • أخيراً: سوف يفكر الروس مرتين” فيما إذا كانوا سيهددون الطائرات “الإسرائيلية” ويخاطرون بالأعمال الدفاعية “للطيارين الإسرائيليين” الذين حيدوا الأنظمة الروسية قبل ذلك.

هذه لحظة الحقيقة بالنسبة لبايدن وللغرب بأسره..

خلاصة القول، ليس هناك تعارض بين قيم “إسرائيل” ومصالحها، وتسمح الظروف المحيطة بحرية العمل في سوريا لـ”إسرائيل” بإدارة المخاطر المحسوبة، وعلى أي حال فإن القضية لا تتناسب مع المصالح الكبيرة التي تتطلب منها بأن تظل حليفة مخلصة للولايات المتحدة، وأن تحافظ على مكانتها الدولية في المعسكر الغربي الديمقراطي.

في ظل هذه الظروف، يجب على “إسرائيل” أن تجعل صوتها مسموعاً بوضوح وبشكل قاطع، وأن تنتهج سياسة تتماشى علناً مع الغرب والولايات المتحدة، والانضمام وحتى التصويت على قرارات الإدانة في المنظمات الدولية، وإدانة العدوان والغزو دون استفزاز، مع الإعراب عن الأمل في حل النزاعات بالوسائل السياسية.

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي