أخبارترجمات

عندما يتحدث أصدقاؤنا في الشرق الأوسط فإنهم يتحدثون بحذر

ترجمة الهدهد
موقع ذا هيل/ جون ب. ألترمان

في محادثة أخيرة مع “مسؤول إسرائيلي” كبير، سَألتُ عن الرؤى الاستراتيجية التي اكتسبها من المناقشات مع نظرائه الإماراتيين، فقد أمضى الإماراتيون عقوداً من السفر بسهولة في جميع أنحاء المنطقة، في حين أن “المناقشات الإسرائيلية” مع الجيران غالباً ما كانت سرية ومركزة على الأمن وغير موثوقة إلى حد ما، ومع تعمق العلاقات “الإسرائيلية” والإماراتية، كانت إحدى المزايا لـ “إسرائيل” هي الوصول بشكل أفضل إلى تقييمات الإماراتيين للشؤون الإقليمية والقادة الإقليميين، وخاصة الرؤى حول أنواع المعلومات والأحكام التي يصعب استخلاصها من الوسائل التقنية.

فاجأتني إجابته حيث قال إن الإماراتيين أمروه بالتحوط، وربما كان الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أنه أشار إلى أن “إسرائيل” تأخذ هذه النصيحة على محمل الجد.

قد يجادل المرء في أن التحوط هو بالضبط ما تفعله البلدان الأصغر، غير القادرين على التحكم في البيئة الأوسع، فهم يسعون إلى أن يكونوا أذكياء ويتركون لأنفسهم عدة خيارات، ويعكس التحوط عدم اليقين وتواضع سلطة الفرد، ما زلت أتذكر دهشتي عندما بدا أن وزير خارجية خليجي يتجاهل احتمال وجود سلاح نووي إيراني، حيث سأل: “إذا كان لديهم سلاح بالفعل يصوبوه على رأسك، فماذا يهم إذا وجهوا مدفعاً إلى ظهرك؟”

هذان البلدان – من بين أقوى شركاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط – لم يتحوطوا لبعض الوقت، على الرغم من ذلك، تحوطت “إسرائيل” في عقودها الأولى، غير متأكدة من كيفية تطور الحرب الباردة وتحرص على وجود شركاء أينما وجدتهم، كما تحوطت الإمارات العربية المتحدة في سنواتها الأولى، حيث تعلمت من تجاوزات جيرانها الأثرياء، ولكن لأكثر من خمسة عقود في “الحالة الإسرائيلية”، وحوالي عقدين في الحالة الإماراتية، كانت الدول على استعداد للقيام بمراهنات جريئة، كلاهما ألقى نصيبهما بقوة مع الولايات المتحدة، لقد كانوا غير واثقين من الربيع العربي، وكانوا يعارضون بشدة خطة العمل الشاملة المشتركة لأنها أعطت إيران الكثير بينما في المقابل حصلوا على القليل، وكان لكل منهما أزمات دبلوماسية خاصة به مع تركيا، حيث وجد أن التعبيرات الإقليمية للإسلاموية الشعبوية لرئيس الوزراء أردوغان تشكل تهديداً عميقاً لمصالحهم.

ومع ذلك أخبرني “الإسرائيلي”، أن الإماراتيين نصحوه بأنه من المستحيل هزيمة إيران في ظل الظروف الحالية، ويبدو أن تصميم الولايات المتحدة غير واضح.

وقال إن ذلك دفع الإمارات إلى السعي لإجراء حوار هادئ مع إيران، وكذلك السعي لإصلاح العلاقات المشحونة مع تركيا، فقد زار الحاكم الفعلي لدولة الإمارات العربية المتحدة محمد بن زايد، تركيا في نوفمبر ووعد باستثمارات، فيما زار رئيس الوزراء أردوغان الإمارات الأسبوع الماضي، وعكست الزيارات حسابات الإماراتيين تجاه إيران والرغبة في التحوط.

بالتأكيد ليس من قبيل الصدفة، أن “الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ” سيزور تركيا الشهر المقبل، في محاولة مماثلة لتعزيز العلاقات المتوترة، حيث تربط العديد من التقارير الإعلامية الجهود بالاقتصاد، وخاصة استغلال احتياطيات الغاز في شرق البحر المتوسط​​، لكن إيران بالتأكيد ستكون في أذهان القادة، حتى لو لم تكن على جدول الأعمال.

كما تحدث “الإسرائيلي” عن تحوط الإماراتيين مع الصين، فربما يعيش ربع مليون صيني في الإمارات الآن، وتمر غالبية تجارة الصين مع أوروبا وأفريقيا عبر الموانئ الإماراتية، وقد سعت الصين إلى مشاركة أعمق في بناء البنية التحتية الإماراتية، وتواصل الإمارات العمل مع هواوي، الشركة الصينية المصنعة لمعدات الاتصالات 5G، ولم تنجح جهود الولايات المتحدة لإقناع الإماراتيين بالتخلي عن التكنولوجيا الصينية تماماً، وقد أدت إلى تعقيد الجهود الإماراتية لشراء الطائرة المقاتلة F-35، إن لم تكن قد انتهت.

وبينما سارع المسؤول إلى القول إن “إسرائيل” لا تتحوط مع الصين، وإن علاقات “إسرائيل” مع الصين كانت مصدر توتر خطير في العلاقات الثنائية مع الولايات المتحدة، فاستجابةً لمخاوف الولايات المتحدة، تبنت “إسرائيل” على مدى السنوات الخمس الماضية عملية رسمية بشكل متزايد لمراجعة مشاريع البناء والبنية التحتية الصينية للتأكد من أنها لا تفتح الباب أمام التجسس الصيني، وهي قضية تزداد تعقيداً ولن تختفي.

إن الولايات المتحدة غير معتادة على عالم من شركاء التحوط، فخلال معظم فترات الحرب الباردة، سعى الشركاء إلى تشكيل مجموعة مع الولايات المتحدة لحماية أنفسهم من العدوان السوفيتي، خلال “لحظة القطب الواحد” لأمريكا، بدا العداء للولايات المتحدة متهوراً، وسعى العالم بأسره إلى تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة، في العقد الماضي عمل الشركاء في غرب المحيط الهادئ المهتمون بالهيمنة الصينية على تعميق علاقاتهم مع الولايات المتحدة، وتجمع الحلفاء الأوروبيون الذين يخشون نفوذ روسيا حول القيادة الأمريكية في أوكرانيا.

ومع ذلك في كثير من أنحاء العالم، أصبح هناك أمران واضحان، الأول هو أن لحظة الولايات المتحدة أحادية القطب لن تعود، هذا جزئياً نتيجة حربين طويلتين وغير حاسمتين للولايات المتحدة في آسيا، وجزئياً نتيجة الإنهاك الذي أحدثته تلك الحروب في الولايات المتحدة، حيث تدرك حكومة الولايات المتحدة أنها لا تستطيع فرض إرادتها على العالم، مع قلة اهتمام الشعب الأمريكي بمحاولة القيام بذلك.

والثاني هو أنه على عكس الحرب الباردة، لا تشعر الدول بالحاجة إلى اختيار معسكر أو آخر، وتسعى الحكومات إلى تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة ومنافسيها من القوى العظمى في وقت واحد، حتى إن الولايات المتحدة تسعى في وقت واحد لاحتواء العدوان الصيني وتعميق الروابط الاقتصادية، فلم يكن من المتصور أن تحل الصين محل كندا كأكبر شريك تجاري لأمريكا، لكنها فعلت، والولايات المتحدة ليست وحدها حذرة من الصين في حين أن لديها علاقات اقتصادية عميقة مع جمهورية الشعب.

تعد أزمة أوكرانيا بمثابة تذكير بأنه لا تزال هناك أشياء يمكن للولايات المتحدة فقط القيام بها، وعلى الأقل في الوقت الحالي، سوف تلتف الدول حول القيادة الأمريكية عندما تريد ما يمكن للولايات المتحدة فقط تقديمه.

ولكن بالنسبة للعديد من أقرب شركاء الولايات المتحدة، تتطلب البيئة العالمية مزيداً من المرونة أكثر من أي وقت مضى، سيظلون يدعمون الولايات المتحدة، لكنهم في الوقت نفسه سيتحوطون، بينما قد يستنتج البعض أن الوحدة المحيطة بأوكرانيا تعني أن شيئاً لم يتغير، فإن المحادثات الهادئة بين “الإسرائيليين” والإماراتيين تشير إلى عكس ذلك.

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي