أخبار رئيسيةالاستيطان الاسرائيليمقالات إستراتيجية

من "عين إيتمار" إلى "بئر عزياهو"

احتلال آبار المياه بالضفة الغربية مُستمر حتى الآن

ترجمة الهدهد
هأرتس/ إيتان ليشم

إن عملية التسمية ليست فقط هي إحدى العمليات الأولى التي قام بها الإنسان، ولكنها أيضاً أهمها، فالتاريخ كما هو معروف يكتبه المنتصرون، ويبسط العديد من الغزاة قبضتهم على الأرض بفرض لغتهم على الأماكن التي غزوها للتو، من روما وإيليا كابيتولين إلى المستوطنين الإنجليز في العالم الجديد ونيويورك خاصتهم، يسعى كل مُحتل إلى تثبيت نقاط على الخريطة وجعلها ملكاً له، وذلك بمساعدة تغيير أسمائها.

المُحتل الإسرائيلي” لا يختلف

 منذ بداية نشأتها والمملكة اليهودية المتجددة تعمل على تغيير الأسماء بشكل محموم، من أجل نزع الصلة العربية بالمواقع الجغرافية والتاريخية وبالتالي تعزيز الارتباط اليهودي بها، وفي السنوات الأخيرة وبالتوازي مع ظهور الخرائط التعاونية والشبكات الاجتماعية، انتقلت عملية التسمية الصهيونية من الدولة إلى الأفراد، وهم لا يترددون في تجاوز أو الدوس على أي تلميح لاسم عربي، بل وحتى اختراع مصادر توراتية في بعض الأحيان، والكل باسم تهويد الطبيعة.

رسالة بالتوصيات التي أقرتها لجنة التسميات الحكومية الرسمية المختصة بتغيير أسماء المناطق الفلسطينية وتحويلها ليهودية

بدأت رغبة “الدولة” في تحويل كل اسم عربي إلى عبري حتى قبل قيام الدولة في محاولة تحديد الأسماء العبرية لكل قطعة أرض عربية تم شراؤها، فالاسم الصهيوني أصبح رسمياً أو حكومياً في عام 1950، عندما تم تعيين لجنة التسمية الحكومية، والتي أخذت على عاتقها مهمة واضحة – تهويد كل شيء، وتحويل كل ظل جديد وإنشاء أو خلق ما يشبه – الدولة العبرية الأولى.

يقول “يوآف نيغيف” رئيس ومؤسس نادي عشاق الكهوف “الإسرائيلي”: هذه هي أكبر قصة حُبكت في الخمسينيات من القرن الماضي، “نيغيف” يلقي بعض الضوء على الأسباب التي دفعته إلى البحث في الصفحات الصفراء (في نسختها على الإنترنت بالطبع) لأرشيفات لجنة التسمية الحكومية التي تحكي كيف أصبحت الدولة الفتية دولة متجددة بأسماء يهودية حسب الشريعة اليهودية، والتي في كثير من الحالات تكون خاطئة وتختلف عن مصدره الاسماء الأصلية.

في الأشهر الأخيرة كان نيغيف يفحص الأرشيف لإنشاء فهرس بأسماء المواقع التي غيروا اسمها في السنوات الأولى للدولة، وهكذا يوضح “نيغف” قائلاً: يمكن اكتشاف أشياء كثيرة حول تاريخ الموقع والحفاظ على مكانته التاريخية.

في الواقع إنه يتصرف الآن في الاتجاه المعاكس لما حاولت لجنة التسمية الحكومية القيام به، صحيح أنها جاءت بقصد الحفاظ على التاريخ، لكنها لم توفر أي طريقة تغيير اسم كل موقع، بل وأحياناً تعطيل معناه الأصلي، سواء كان ذلك نتيجة لخطأ في الترجمة أو بقصد تحويله أو تبديله.

تم تعيين اللجنة لتهويد المنطقة الكبيرة التي كان فيها وجود يهودي ضئيل قبل عام 1948، -النقب على سبيل المثال- يمكن رؤية ذلك بوضوح في خطاب التفويض الذي حصلت عليه، والذي ينص على أن “اللجنة ستتعامل مع تهويد الأسماء الجغرافية والطبوغرافية على جانبي الأردن، وسيكون هدفها الأول تهويد “دولة إسرائيل”.

من بين أعضاء اللجنة الستة عشر كان هناك بعض أعظم علماء الآثار والجغرافيين في تلك الفترة، بما في ذلك الدكتور “أبراهام بيران” وعالم الآثار “ميخال آفي يونا” وأيضاً “يشعياهو بيريس”، الذي لمع اسمه لاحقاً في الجدل حول تحديد اسم مستوطنة جديدة، عندما طالب ابنه باحترام الوعد الذي أعطي له لتخليد ذكرى والده بينما طالب أنصار البارون “هيرش” أيضاً بتخليد ذكراه.

أخيراً تم تخليد ذكرى البارون “هيرش” في مستوطنة “نير تسفي” ورأى بيريز اسم والده مخلداً في مستوطنة “جفعات يشعياهو”، وهكذا بالضبط كما قلنا، إنها تمثيلية محبوكة.

ولكن ليس فقط الصراعات العاطفية والمشاعر المليئة بالأنانية ما كان يميز اللجنة، ولكن أيضاً كان يميزها العمل الدؤوب الذي أقر تسمية الآلاف من المواقع التاريخية والجبال والتلال وكذلك المستوطنات في مناطق الصحراء الجديدة التي تم ضمها إلى “إسرائيل” بعد عام 48.

اكتشف “نيغيف” العديد من الاضطرابات في التسمية من قبل اللجنة، على سبيل المثال “ناحال تسياليم”، التي أُشتق اسمه من سوء فهم لاسمه العربي وهو – وادي السيال، وخلص أعضاء اللجنة إلى أن اسم الواد يشير إلى أشجار السنط، بينما يشير اسمه الأصلي إلى فيضاناته الكثيرة، وكان من الممكن أن يكون اسم “واد الفيضانات” اسماً أكثر ملاءمة لأحد الجداول الأكثر صلة بارتفاع المياه على ضفافها.

و “وادي حصاصة” الذي يشير اسمه العربي إلى “اندفاع أو هجوم الماء، حولته اللجنة إلى “وادي حتستسون” وهو ما يشير إلى اسم مستوطنة توراتية، لا صلة ولا رابط بينها وبين الواد وهو اسماً عرضياً وليس توارتياً على الإطلاق، و”وادي حافاه” في النقب كان يسمى في الأصل من قبل السكان الذين سبقوا الحقبة الصهيونية “وادي الهوى” – وأما “وادي الرمان” فقد أصبح “مكتاش رامون” تحريفاً لاسمه العربي، لكن الاسم الأصلي يشير عموماً إلى مرور طريق تجارة التوابل الروماني في المنطقة – ومن هنا جاء “الطريق الروماني” بدون علاقة لا بريمون” ولا برام “.

ووادي “بيريس” حصل على اسمه أيضاً عن طريق الخطأ، بدلاً من وادي “الفرش” الذي يشير إلى مسار الجدول الذي يمر عبر مضيق واسع، حصل على اسم عبري قريب جداً من حيث النبرة، ولكن دون الحفاظ على معناه.

بعد ما يقرب من 70 عاماً من انتهاء وظيفتها وتحويلها إلى لجنة لتسمية مواقع جديدة، بدأت لجان أخرى في العمل، ليست رسمية أو حكومية لكنها تتكون من حركات متدينة تحاول ترسيخ الحقائق الصهيونية على الأرض، على عكس اللجنة الحكومية التي يمكن أن تُعزى أخطاء التسمية إلى حسن النية والرغبة الواضحة في الحفاظ على التراث التاريخي للمواقع التي تعاملت معها، إلا أن مُطلقي الأسماء العبرية الجديدة يحاولون فعل العكس – محو كل ذكر عربي من الخريطة.

يقوم أشخاص بتحميل ما يريدون على الخرائط عبر الإنترنت مثل الصفحات السحابية، وفجأة تظهر أسماء جديدة لمواقع، عادة لينابيع في شمالي الضفة، ويبرز من هذا رائحة سياسية في محاولة لفرض الحقائق على الأرض.

يقول “نيغيف”: “صحيح أن الأسماء لا تصبح رسمية أو معترف بها من قبل الدولة، إلا أن جمهور المتنزهين يبدأ ببطء في التعرف على هذه المواقع بأسمائها الجديدة المخترعة، وفي بعض الأحيان عندما أمتلك القوة، أقوم بتغيير الأسماء مرة أخرى إلى الأسماء الأصلية، هذا يصيبني بالجنون”.

تراوح إطلاق الأسماء في السنوات الأخيرة ما بين مبادرات خاصة لتسمية مواقع تحمل اسماً عربياً بأسماء عبرية إلى مساعدة المجالس الاستيطانية في وضع لوحات بأسماء جديدة، والتي غالباً ما تكون مصحوبة بعلامة تذكارية أو تخليداً لذكرى شخص ما، وهكذا أصبحت “العين الكبيرة” “عين كفير”، و”عين العريك” أصبحت “معيان هغبورا”، و”عين المحيبار “عين عوز، و”عين الغنم “عين جانيم، كل شهر يضاف نبع آخر إلى قائمة الينابيع التي يتباهون بها شمالي الضفة، بل ويتم الترويج لها على صفحات السياحة على الفيسبوك لعامة الناس.

دير مار سابا في النهار

هكذا ولد بئر مياه “تاريخي”

أصبح عام 2020 عام الذروة في كل ما يتعلق بالسياحة الداخلية، “الإسرائيليون” المسجونون في “وطنهم”، تحت رعاية الكورونا، أصبحوا متنزهين على مضض، تُرجمت سنة الذروة هذه إلى “اكتشاف” العديد من المواقع، وبالتالي نشأ مجال جديد للتسمية.

حاولت لجنة التسمية الحكومية الحفاظ على الأهمية التاريخية، وحاول “فتية التلال” محو التاريخ من خلال تسمية المواقع القديمة بأسماء جديدة، وبدأت الموجة الثالثة من التسمية في اختراع أماكن وبسهولة. هذه هي الطريقة الوحيدة لحل لغز “بئر عزياهو” إنه حفرة أو بئر صغير لتجميع المياه أصبح قبلة للرحلات الصهيونية والمشي إليه لمسافات طويلة في عام 2021، فقط ليتم الكشف انه خدعة استعمارية.

غلاف كتاب “كينيون عزازيل” لأساف حزاني الذي يكشف كيف زورت الحكومات الإسرائيلية الأسماء الفلسطينية للمواقع الأثرية في فلسطين

يعود كتاب “عزازيل مول” “لأساف حزاني”، الصادر عن دار النشر العبري، إلى بعض أحداث بداية خلق مواقع التنزه الجديدة و “السرية” في صحراء جنوب الضفة الغربية، تم “اكتشاف” معظمها بواسطة هواة قيادة سيارات الجيب، وتبناها عشرات الآلاف من “الإسرائيليين” المتعطشين لرحلة برائحة تاريخية وهكذا تحولت ليلة الشموع في دير مارسابا في صحراء يهودا من حدث متواضع تضاء فيه بعض الشموع، إلى مهرجان لمدة ثلاث ليال حضره آلاف المتنزهين “الإسرائيليين”.

كل هذا بفضل تقرير بثه استوديو الجمعة حول السر الدفين لشوق هواة “الجيبات الإسرائيليين” في إسعاد العديد من المرشدين السياحيين في المنطقة، لكن تقليد “مارسابا” القديم الجديد يتضاءل مقارنة بالقصة الغريبة “لحفرة عزياهو:”، رعنان شاكيد نشر عن تجارب البئر في ملحق اليوم السابع في يديعوت أحرونوت، واستند إلى ما قيل في كتاب حزاني.

دير مار سابا والطريق مليء “بالجبات الإسرائيلية” التي تزوره

تبدأ قصة حفرة المياه كما ذكرنا في عام 2020، من بين جموع “الإسرائيليين” المتنزهين كان مرشد سياحي نشر على فيسبوك عن بئر مياه قديم وجده وأطلق عليه اسم بئر “عزياهو”، على اسم الملك الذي أقام بئر كبيرة في المنطقة، لكن سرعان ما أصبح واضحاً أن البئر لم يكن له علاقة “بعزياهو” ولم يكن مرتبطاً على الإطلاق بالعصر الملكي، ولكنه من الفترة البيزنطية، يبدو أنه كان يستخدم كمصدر لشرب الحيوانات وتم تصميمه من قبل الفلسطينيين وفي العقود الأخيرة يتم استخدامه لري الأغنام.

كل هذا لم يمنع تصنيف الحفرة بأنها “توارتية” وتوجيه الآلاف من الزوار إليها في محاولة لجعلها “لنا” بما في ذلك كتابة مقالات على مواقع وسائل الإعلام التي سارعت أيضاً إلى تبني الاسم التوراتي وغير الصحيح.

الآن وبعد أن اتضح أنه لا يوجد صلة “بعزياهو”، لا يزال الكثيرون إلى اليوم يسمون الموقع ” ببئر الأعمدة “و لا يزال يظهر تحت اسمه الذي تم تناقله في العديد من صفحات المواقع السياحية داعين المتنزهين للعودة إلى البئر “من زمن الملوك”.

يبدو أن مهنة التسمية مستمرة حتى الآن والغرض منها واحد – تهويد المواقع الأثرية والجغرافية ومحو كل ذكر عربي منها

بئر فؤاد من قرية زعترة قضاء بيت لحم، الذي حوله اليهود إلى “بئر الملك عزياهو”، وبعد اكتشاف قصته حولوه “لبئر الاعمدة”.

يقول “حزاني” الذي دخل إلى أعماق تاريخ الحفرة بعد مقال آخر احتوى على تناقضات داخلية وأخطاء تاريخية، لقد تم اكتشاف الحفرة أو البئر من قبل احد المتنزهين في رحلة، وقام المكتشف الأول بكسر القفل عند المدخل ومن هناك بدأ الموقع في التناقل على الالسن في البداية من فلان إلى فلان ثم ظهر في برنامج الملاحة Cloud Pillar باسم بئر “عزياهو” ثم ظهر في صفحة حصة التوراة الأسبوعية التي تم توزيعها في الكنس اليهودية على شكل توصية للقيام برحلة إلى البئر اليهودي القديم.

يجب أن نفهم أن الآبار في هذا البلد شيء أساسي، من يتحكم في الماء يحكم المكان، ثم فجأة طرح مرشد سياحي تدوينة تقول “وليطلق اسمه بئر عزياهو”، مما يعني كما هو الحال في الختان أن هذا البئر يعود لجماعة “اليهود الإسرائيليين”.

لقد كان هنا أيضاً مسألة سيطرة على المنطقة وفرض لحقائق، يقول هكذا اكتشفت أن الفلسطينيين قاموا بالفعل بتوسيع البئر في بداية سنوات الألفين، والذي وسعه هو نفس الشخص المسمى فؤاد الذي أمره والده بفتح البئر لصالح جميع المتنزهين في المنطقة وقد قام بتجديد البئر على فترتين أو دفعتين، ربما بسبب نفاد المال لديه في وقت ما.

ربما يكون البئر قديم لكن فؤاد أجرى تجديداً كبيراً عليه ووسّعه ونظفه، بعد مواجهتي للمرشدين السياحيين الذين يرغبون في جني الأرباح أو المتدينين المهتمين بالعثور على صلة بالمنطقة التي اخترعوها ومناقشتهم هم تراجعوا بالفعل من قصة “بئر عوزياهو ” Uziyahu”، وهو يظهر اليوم تحت اسم “بئر العمدان أو الأعمدة ” بعبارة أخرى إنها قصة مفتوحة تتغير يتدخل فيها عدد غير قليل من ذوي أصحاب المصالح المتضاربة.

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي