تقدير موقف

العدو الهجين كــ (السَّفُود) في العجين

الهدهد/  عبد الله أمين

بداية حتى يستقيم الحال ولا يقع الجدال ؛ لا بد لنا من تعريف ( السَّفود ) ، حيث ورد في معناه أنه: عود من حديد ينظم فيه اللحم ليشوى، يحوي أسناناً يقال لها الشعب يغرز فيها اللحم لشوائه ، كما أنه يطلق على قضيب الحديد الذي يستخدمه منجدي الفرش التقليديين لنفش الصوف وتفريقه عن بعضه البعض قبل وضعه في الفرش .
إما لماذا كان العدو الهجين ك ( السفود ) في العجين ؛ لأن السفود بما يحوي من أسنان وشعب تجعل منه جسماً غير منتظم السطح ، فإن دخل في عجين أو صوف، وأردت إخراجه ، فإنك لا بد ستمزق السطح المنتظم لعجينك ، كما ستُطاير صوفك في كل الاتجاهات .
ومن هنا فإن الدول المستقرة والجيوش النظامية ، غاية مُناها أن تواجه جيوشاً مثلها نظاماً وهيكليات ، فيسهل عليها فهمها وتحديد مراكز ثقلها ونقاط قوتها وضعفها ، فتضربها في مكامن ضعفها ومراكز ثقلها ، فتكون الغلبة لمن ملك قدرات أكبر وإرادات أكثر تصميماً . ومن هنا نفهم تصريح الجنرال غيورا آيلند عندما قال أن أكبر هدية تقدمها لنا حماس وحزب الله هي : تحولهما إلى جيوش نظامية ،لها مراكز ثقل مشخصة ومعروفة ، نستطيع من خلال استهدافنا لها ، أن نضغط عليهما ــ حماس حزب الله ــ فنحقق ما نصبو له من أهداف وغايات .
فإن كانت هذه هي الحالة ، وذاك هو الموقف ، فما على قوى المقاومة إلا أن تخرج من الحالة الكلاسيكية النظامية ، لتغدو عدواً هجيناً تصعب قراءته ومعرفة مراكز ثقله ونقاط قوته وضعفه ، فتصبح ـ قوى المقاومة ــ سفوداً في عجين عدوهاً لا يمكن أن ينزعه ما لم ينزع معه لحمه وخلايا جسمه وعظمه .
فما هي معايير ومتطلبات ( الهجانة ) تلك ؟ وهل يمكن أن تتحول قوى المقاومة إلى عدو هجين يرهبها أعداؤها ؟ للإجابة على هذه الأسئلة ، دعونا نعرف العدو الهجين شكلاً ومواصفات ، فنقول :
العدو الهجين هو ذلك العدو القادر على الانتقال من الحرب غير النظامية أو حرب العصابات إلى الحروب التقليدية للغاية بحجم سرية فما فوق عند الحاجة .
أما عن المتطلبات التي تساعد على تحول حركات المقاومة والتحرر إلى ( الهجانة ) بحيث تجعل التعامل معه من معاضل العمل العسكري غير النظامي؛ فهناك ثلاثة معايير رئيسية يتفرع منها عشرة فرعية ، نبدأ بعرضها واحدة وحدة :
المواصفة الأولى : القدرات : وفي هذا المضمار ما نقصده من قدرات هي تلك القدرات التي يستطيع مالكها تفعليها عند الحاجة لها ، وليس ما يكدسه منها ، فليس القيمة في الكم وإنما في النوع . وهذه المواصفة حتى يكتمل الحديث فيها لا بد من التطرق إلى ما يشتق منها من معايير فرعية ، وهي على النحو الآتي :
1. التسليح :
قد يظن البعض أن مطلق التسليح يفيد في كبح التهديدات ، وهذا فهم خاطئ ، فالتسليح ومراكمة السلاح ، لن يجدي نفعاً إن لم يكن متناسب مع طبيعة التهديدات التي سوف يواجهها ، والأرض التي سيناور عليها ، فما قيمة سلاح البحرية لدولة لا تشاطئ بحراً ، أو سلاح المظليين لدولة لا تملك ما تحملهم عليه إلى خلف خطوط العدو ، وفي هذا تفصيل يطول شرحه .
2. التدريب :
التدريب مرتبط ارتباطاً رئيسياً بالتسليح ، فما لم تتقن الجهة التي تملك السلاح العمل عليه والمناورة فيه ؛ فإنه ــ السلاح ـ سكون عبئاً إضافياً عليها ، ومصدر حسرة على مالكه ، فهو يملكه ولكن لا يستطيع تفعيله . وعملية التدريب هي مسار لا يتوقف عن الحركة ، فما ينفع من طرق عمل اليوم قد لا يصلح غداً ، وإذا نجح تكتيك العمل في سلاح ما في معركة ما ، فهذا لا يعني أن نفس التكتيك بنفس السلاح ، قد يصلح لكل المعارك .
3. الاستدامة :
كما أن التسليح والتدريب أمران مهمان ، فإن عملية استدامة توفير هذا السلاح لا بد لها من الاستمرارية ، ولا بد من توفر أماكن آمنة لتخزين ما يؤمن ، وطرق إيصال مضمونة لإيصاله لمن سيشغلونه عند الحاجة .
هذه الثلاثية توفر حالة من الاستقرار والثبات والمضاعفة للقدرات مع الضمان والثقة اللازمة للتفعيل عند الحاجة لذلك .
المواصفة الثانية هي النضج : والمقصود بالنضج هي الحالة التي تصل إليها الحركة أو المجموعة المقاومة بحيث تتحول من البحث عن المكاسب القصيرة المدى إلى حالة الترويج لمبادئها وقيمها وما تؤمن به من مثل وترجوه من أهداف وغايات . وحتى تبلغ الجهة محل البحث النضج لا بد أن يتوفر فيها المواصفات الآتية :
1. الاستراتيجية :
فما لم تملك الجهة أو الحركة أو المجموعة استراتجية واضحة ، تعرف من خلالها بيئة عملها وما تملكه من قدرات حالية وما تطلبه من أمور مستقبلية ، محددة بذلك الفجوة بين حاضرها ومستقبلها ومراحل التقدم من الحاضر إلى المستقبل ومتطلبات كل مرحلة ، فإنها ستبقى تسير على غير هدى ، حتى لو انتصرت مرحلياً ، فإنها ستخسر مستقبلاً ، فخطأ التكتيك تعوضه الاستراتيجية الواضحة ، أما خطأ الاستراتيجيات ، فلا ينفع معه أي نوع من النجاحات .
2. الترابط والتنظيم :
وحتى تستطيع الحركة أو المجموعة النمو بشكل آمن ، وقطع مسافة الفجوة بين حاضرها ومستقبلها ، فإنها بحاجة إلى ترابط بين عناصرها ومكوناتها الداخلية ، كما حاجتها للتواصل والترابط مع بيئتها الحاضنة ، وهذه أمور لا يمكن أن تتوفر ما لم يكن هناك تنظيم واضح يتم فيه تحديد مساحات العمل المختلفة ، فيمنعها من التداخل والتكرار وهدر القدرات . كما أن الترابط والتنظيم يعد من أهم متطلبات طي مراحل التطور المطلوبة ليصبح التهديد ذو مصداقية على الجهة التي يتوجه لها .
3. الاستجابة الداخلية والخارجية :
ومن فوائد الترابط والتنظيم ؛ القدرة على الاستجابة ، الداخلية والخارجية ، فالحركة والمجموعة المقاومة ، ما قامت إلى استجابة لمتطلبات بيئتها الداخلية التي قامت وانتفضت في وجه عدوها أو الجهة التي يصدر عنها التهديد ، فما لم تُحقق الاستجابة الداخلية ، فإن حركة المقاومة تفقد حاضنتها الشعبية بشكل مباشر ، فإذا فقدت هذه الحاضنة ، فإنها ستفقد أهم مبرر من مبررات وجودها ، فالصراع في حروب العصابات والتحرير؛ صراع على الديموغرافيا وليس على الجغرافيا . كما أن حركات المقاومة لا بد لها من تحقيق نوع من الاستجابة الخارجية ، والمقصود هنا الحلفاء والأصدقاء ، فهم الجهات التي توفر لها بيئة إقليمية أو دولية تساعدها على التحرك بحرية وترجمة انتصاراتها الميدانية إلى انتصارات سياسية ، ففي غير هذه الحالة ، تبقى تزع زرع الدم ولا تحصد حصاد السياسية ، الأمر الذي يعد عبثاً لا يرجى منه شيء . وليس المقصود بالاستجابة الخارجية الارتهان السياسي ، وإنما بذل الجهد في إيجاد مشتركات مع الآخرين حتى يروا جدوى من علاقتهم معها ، فالدول ليست جمعيات خيرة ولا نوادي رياضية .
4. عُمق القيادة :
أما عن عمق القيادة ، فالحديث يطول ، وهنا مربط فرس حركات المقاومة والتحرر ، فما لم تكن القيادة التي تقود مركب المقاومة والتحرر والمواجهة عميقة في :
1. تعريف الأعداء والتهديدات والمخاطر .
2. معرفة وتخصيص ما تملك من قدرات .
3. وتحديد وترتيب الأوليات .
4. ووضع الضوابط والسياسات .
فإنها ـ القيادة ـ سوف تقود جموع منتسبيها ومحبيها إلى المجهول الذي لا تعلم مآلاته ، حتى لو انتصرت في معركة من المعارك ، فالنصر ليس نصر في معركة ، وإنما نصر في الحرب .
أما المواصفة الثالثة والأخيرة فهي التضاريس : والمقصود هنا ليس التضاريس الجغرافية فقط ، على أهميتها ، إنما نعني بالتضاريس :
1. التضاريس الجغرافية : وقديماً قال العرب ، قتلت أرض جاهلها ، وقتل أرضاً عالمها ، فالتضاريس الجغرافية والتماهي معها ومراعاتها أثناء العمل ، هي من أهم عوامل النجاح والفوز على الخصوم ، ففيها تتم الحركة والمناورة ، وفيها يتم نشر القدرات وتفعيلها ، وعليها تخاض المعارك والحروب ، فكلما عُرفت أكثر سخرت أكثر ، وكلما تُجاهلت وأهملت ، قتلت .
2. التضاريس البشرية : فحركات المقاومة والتحرر هي وليدة بيئتها ، جاءت تلبية لحاجة أهلها وناسها ، وعليه كلما عرفتهم أكثر خدموها وأمنوها أكثر ، وكلما غض الطرف عنهم وعن معاناتهم ، جاءت الضربة منهم ؛ حتى ولو بدون قصد . إن أكثر ما يزعج العدو هو العمل في بيئة يتحول فيها السؤال من : أين العدو ؟ إلى من هو العدو ؟ ولا يجب أن ينسى أن الصراع هنا على الديموغرافيا وليس على الجغرافيا .
3. التضاريس السيبرانية : وحيث أننا نعيش في زمن الجيل الخامس من الحروب ، فقد دخل معطىً مهم مرتبط بالبيئة الافتراضية التي يخوض العدو حربه من خلالها ، فيحرك جنوده الافتراضيين تثبيطاً وبثاً للشائعات ونقل الأكاذيب والخزعبلات عبر ما يملك من وسائل ناعمات ، قبل أن يعبئ ما يمكن من قدرات خشنة في الميادين والجبهات ، فتفعل فعلها قبل أن تطلق رصاصة واحدة . وهنا لا بد من سبر غور هذه التضاريس ، آخذين بعين الاعتبار أن مالك ناصية هذا العالم هو عدونا وهو صاحب السبق فيه ، فإن جئنا لنجاريه حذو النعل بالنعل ، فلن نصل له وسننفق كثير من القدرات دون أن نصل إلى مسافة قريبة منه ، هذا لا يعني أن لا يطرق هذا الباب ، ولكن ضمن ضابطة عمل مهمة هي : أن أتمتة الحرب والصراع بشكل كبير سيصب في النهاية في صالح الأعداء وليس في صالحنا ، فالأتمتة عالية الوتيرة ثغرة كبيرة يمكن أن ينسل منها العدو دون أن نشعر فيه .
هذه هي المتطلبات التي تساعد على ( الهجانة ) ، وهي الطريق التي تحول المقاومة وحركات التحرر من خصم نظامي إلى عدو هجين كالسفود في العجين لا يرتاح معه ولا يؤمن نزعه، فهو دائم التنغيص، فإن أُريد نزعه نزع معه اللحم والجلد، و ( العدو ) الهجين لا ينم لعدو له ولو كان نمله .

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي