أخبارمقالات إستراتيجية

المسيَّرات .. “سلاح الفقراء الفتاك”

✍️ بقلم أدهم أبو شوقـة

تتلخص القدرات العسكرية اليوم لدى الدول في تفوق سلاحها الجوي كسلاح إستراتيجي ومدى قدرته على توجيه النيران الدقيقة.

ففي ظل التطور الهائل في القدرات الصاروخية، ودخول ما يعرف باسم المسيرات على خط المواجهة والتي أصبحت بمثابة أسلحة يمكنها أن تؤدي دور الطائرات الحربية وقاذفات القنابل في العصر الحديث؛ تجد “إسرائيل” نفسها في مواجهة هذا السلاح الجديد بيد تنظيمات ودول كانت على الدوام تشكل حالة عدائية لها وتحدياً منقطع النظير، ما ينذر بأسراب كبيرة من المسيرات التي قد تطلقها هذه الأطراف خلال أي حرب مستقبلية.

ضمن جملة الاستعدادات “الإسرائيلية” لهذا التهديد دشنت وزارة الدفاع بالتعاون مع وكالة الدفاع الصاروخي الأمريكية (MDA)، في الثالث من نوفمبر 2021 منظومة متطورة على الحدود الشمالية محمولة بواسطة منطاد ضخم أُطلق عليها اسم تل شمايم (טל שמיים)، تهدف للكشف عن تهديد المُسيرات والصواريخ الجوالة (كروز)، حيث وصفها وزير الدفاع بيني غانتس بأنها “جزء من الجدار الدفاعي الذي تبنيه “إسرائيل” في مواجهة التهديدات الجوية البعيدة والوشيكة التي يبنيها أعداؤها”.

كما أشار غانتس مؤخراً خلال تجربة منظومة القبة الحديدية البحرية إلى مجابهة خطر المسيرات بالقول: “التكنولوجيا التي نطورها في المنظومة الدفاعية متعددة الطبقات تسمح لنا بحرية عمل ضرورية ضد أذرع إيران في المنطقة والوسائل التي بحوزتهم الآخذة في التطور”.

يعكس السعي “الإسرائيلي” نحو امتلاك هذه المنظومات حجم قلقها من قدرة تلك الوسائل على اختراق حصونها وإحراز تقدم نوعي خلال المواجهة، إذ تعتبر هذه الأسلحة من وجهة النظر “الإسرائيلية” كاسرة للتوازن بفضل دقة الإصابة والسفر لآلاف الكيلومترات.

ويعبر عن هذا القلق المتزايد ايتسك هوبر المدير التنفيذي لشركة SKYLOCK Systems المتخصصة في انتاج أنظمة الكشف عن المسيرات، والذي يرى بأن: “إسرائيل تشعر بقلق متزايد إزاء تكرار تسلل الطائرات غير المأهولة، حيث يصعب اكتشاف طائرات مثل تلك التي شاهدنا يوم الجمعة”.

حديث هوبر جاء بعد مرور أيام على حادثة تسلل المسيرة التي أطلقها حزب الله فوصلت إلى بحيرة طبريا وعادت إلى لبنان دون أن يتمكن سلاح الجو وأنظمة الدفاع “الإسرائيلية” المتعددة من إسقاطها.
يضيف هوبر: “يمكن لطائرة غير مأهولة كتلك أن تحمل 1.5 إلى 2 كيلو غرام من المتفجرات، هذه الكمية لن تحدث ضرراً كبيراً ولكنها تظهر قدرات أحد الأطراف وتحرج الطرف الآخر”.

يُعد التسبب بالحرج نقطة لصالح الطرف الأول ما يقودنا إلى بُعد آخر في قضية المسيرات وهو الحصول على صورة النصر من خلال تنفيذ عملية نوعية بواسطتها.

وعلى الرغم من صغر حجم هذه المسيرات وقدرة تأثيرها المحدودة إلا أن خطورتها تكمن في وصولها إلى الهدف المنشود بدقة متناهية كأن تنفذ عملية اغتيال أو تصيب منشأة نفطية أو بتروكيماوية لتؤدي بذلك دور صاعق التفجير لعبوة كبيرة الحجم، على غرار ما حدث في منشأة كاتسا بمدينة عسقلان خلال عدوان مايو 2021 حين أصابها صاروخ فلسطيني، ما أدى لاندلاع حريق هائل فيها استمر عدة أيام وأثار حالة من الذعر في أوساط “الإسرائيليين” خشية أن تطال النيران منشأة أخرى في الجوار كون المنطقة تحوي مجمعاً صناعياً، ولدى “إسرائيل” الكثير مما تخشاه على هذا المنوال.

ميزة إضافية لحجم تلك المسيرات وهو ما يؤثر على التقاط بصمتها الرادارية فضلاً عن سرعتها المنخفضة التي تقترب من سرعة الطيور، والحرارة الطفيفة المنبعثة منها فلا يتشكل خلفها مساراً يمكن تتبعه.
جهات في المنظومة الأمنية دعت مؤخراً للبحث عن وسائل أقل تقنية يمكنها التصدي لهذا النوع من الطائرات وذلك عبر تفعيل مجالات استخدام أسلحة أخرجت من الخدمة سابقاً مثل صواريخ الكتف ومدافع فولكان.

من بين ما تهدف إليه الطلعات الجوية للمسيرات هو التقاط الصور وتوثيق ما يدور خلف الحدود وجمع المعلومات الاستخبارية حول تحرك القوات وأماكن تَحشُّدِها، علاوة على التدرب على مسارات الطيران المحتملة خلال المواجهات العسكرية.

لم تكن هذه المرة الأولى التي تنجح فيها طائرات المقاومة باختراق الأجواء “الإسرائيلية” وإتمام مهمتها والعودة بسلام دون أن يفلح الجيش باعتراضها:

* في نوفمبر2004 أطلق حزب الله طائرة مسيّرة، تمكنت من وصول نهاريا والعودة بسلام إلى الأراضي اللبنانية دون أن يكتشف الجيش أمرها إلا بعد إبلاغ “الإسرائيليين” عن ملاحظتهم لها في الأجواء.

* وفي يوليو 2005 تكرر المشهد وحلقت طائرة أخرى لحزب الله في المناطق الشمالية ولم يتم اعتراضها رغم استنفار مقاتلات ومروحيات سلاح الجو.
تموز 2017 تسللت مسيّرة إلى المنطقة الشمالية، وتمكنت من العودة بسلام رغم إقلاع المقاتلات الحربية لاعتراضها وإطلاق عدد من صواريخ الاعتراض باتريوت كما حدث مع مسيرات أخرى أطلقت من غزة.
*حسب معطيات الجيش الإسرائيلي للأنشطة الجوية التي تنفذها المقاومة في غزة ولبنان فقد شهد العام 2019 أكثر من 54 طلعة جوية وفي 2020 ما لا يقل عن 94 طلعة بالإضافة إلى 74 طلعة جوية خلال 2021.

*كما رُصدت العديد من حالات الاستنفار في سلاح الجو الإسرائيلي على إثر رصد أنشطة للقوة الجوية التابعة للمقاومة الفلسطينية، بل تطور الأمر لاستهداف تلك المسيرات واسقاطها بعد الاقلاع بلحظات وقبل اجتيازها المنطقة الحدودية بواسطة النسخة المطورة من منظومة القبة الحديدية.

المخاوف “الإسرائيلية” من المسيرات لا تقف عند هذا الحد بل تمتد إلى التأثير المعنوي إذ يشرح ليؤر سيغال ذلك بالقول: “إن هذا السلاح هو سلاح نفسي ووجود إنذارات في الشمال بشكل دائماً أمراً يصب في مصلحة حزب الله، ومن ناحية أخرى لديها ميزة حقيقية من حيث الاستطلاع”.

ليؤر سيغال المدير التنفيذي لشركة Third Eye System المختصة في برمجيات التعرف على الأنظمة العاملة بالذكاء الاصطناعي، يضيف قائلاً: “لا يرغب أحد برؤية طائرة بدون طيار تحلق فوقه كل يوم وتشغلها منظمة “إرهابية”.

الكاتب والمحلل العسكري يوآف ليمور يتساءل أيضاً: “هل يُعقل أن يدخل إلى الملاجئ نصف سكان المنطقة الشمالية في كل حالة تتسلل فيها حوامة إلى “إسرائيل”؛ لأن هذا يعطي “حزب الله في الشمال” أو “حماس في الجنوب” سبيلاً سهلاً لإفقاد “إسرائيل” صوابها كلما تاق لهم ذلك”.

مزاحمة “إسرائيل” ميدان تفوقها الجوي يصيبها بالجنون، خاصة بعد تراجع دافعية القتال لدى جمهورها وتقلص الفرصة لدى جيشها في خوض مناورات برية، كل ذلك يفسر قيامها برد اعتبار فوري عبر اختراق جدار الصوت على ارتفاعات منخفضة فوق العاصمة بيروت.

ما يزيد من تعقيد المشهد، محاولة خداع الجمهور الذي أفسدت صافرات الإنذار عطلته الأسبوعية، من خلال التصريحات المتضاربة حول الحدث، ما دفع الجنرال يتسحاق بريك للقول: “إن ثقافة الكذب في الجيش تلحق ضرراً كبيراً بالروح القتالية وبدون الروح القتالية هزمت القوة التكنولوجية الفائقة للولايات المتحدة في كل من فيتنام وأفغانستان من قبل الدول الفقيرة ذات الجيوش البدائية، الثقافة الزائفة التي تضر بالروح القتالية تعرض وجود “دولة إسرائيل” للخطر”.

مع تبدل الظروف الدولية والإقليمية وزيادة فرص المواجهة، يسعى الكيان من خلال التحالفات التي أنشأها مؤخراً مع بعض الدول إلى تشكيل منظومة إنذار قليمي، يهدف من خلالها إلى الاستفادة من أنظمة الإنذار المبكر في تلك الدول لخدمة مصالحه بالدرجة الأولى أمام تهديد الصواريخ والمسيرات.

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي