أخبار رئيسيةمقالات إستراتيجية

لا يوجد معاهدة دولية تنظم النشاط الهجومي في الفضاء السيبراني

ترجمة الهدهد
الرائد إحتياط “نتان ليست” خدم 15عاماً في الرقابة العسكرية على وسائل الإعلام

إن الثورة التكنولوجية التي حلت على العالم نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين غيرت الواقع البشري، وكلما زادت قوة معالجات الحواسيب وازدادت تعقيدات وصعوبة الاتصالات بينها أصبح العالم قرية عالمية تتلاشى فيها أهمية الحدود المادية الدولية وأثر هذا الواقع الجديد بشكل كبير على عمل الدولة – على الساحة الداخلية تجاه مواطنيها وعلى الساحة الخارجية في العلاقات بينها وبين الدول الأخرى.

نتيجة لذلك تم قياس مراكز الجاذبية في الدولة ليس فقط من خلال الموارد المادية التقليدية مثل المساحة والموارد الطبيعية، ولكن أيضاً من خلال مجالات القوة الناعمة مثل التكنولوجيا والعلم.

لقد جلب هذا الواقع الجديد معه العديد من الفوائد أهمها الوصول اللامحدود إلى المعلومات وما يترتب على ذلك من تحسن كبير في مستوى المعيشة، ومن ناحية أخرى أنتج التطور التكنولوجي فئة جديدة من الأسلحة -مخيفة وسرية- والتي غيرت ساحة المعركة وسمحت لأول مرة، للاعبين الضعفاء بتهديد الدول الكبيرة والأقوى منهم بكثير.

أُطلق على هذا الشكل الجديد من الحروب الاسم العام “حرب السايبر” وأدت مزاياها العديدة إلى دمجها من قبل العديد من البلدان في الأبعاد المختلفة للحرب وحتى الاعتراف بها كنظام، ولكن على الرغم من انتشار استخدام السايبر كركيزة وكوسيلة قتالية، وعلى الرغم من التقديرات التي تشير إلى أن استخدامه على مر السنين سيزداد، على عكس الأسلحة الأخرى بقيت ساحة الحرب هذه دون معاهدة دولية تنظم ما هو الجائز فيها وما هو الممنوع، في ضوء ذلك فإن استخدام هذه الوسيلة يطرح سلسلة من الأسئلة الأخلاقية والقانونية الجديدة، من بينها تطبيق القانون الدولي على النشاطات التي تتم في إطارها والتي تحدث من خلالها، وفي ضوء هذا الواقع مطلوب أن نفحص سؤالان أساسيان وهما.

ما هي أسباب عدم وجود معاهدة دولية تنظم تطبيق قواعد القانون الدولي على النشاط الهجومي في الفضاء السيبراني؟

بناءً على الأحداث الماضية في أي الظروف يمكن صياغة مثل هذه المعاهدة والتصديق عليها؟

يتعلق السؤال الأول بالفرضية العملية لهذه المقالة، والتي تنص على أن الدول التي تستخدم السايبر كسلاح هجومي لا مصلحة لها في التوقيع على معاهدة دولية وذلك للأسباب التالية:

  • السايبر هو أداة متعددة الاستخدامات والأبعاد و يمكن تنظيم قوته، و لهذا السبب هو بمثابة أداة مهمة في “صندوق الأدوات” المتاحة لصناع القرار في الدولة ومن الصعب رؤية القادة الذين سيكونون مستعدين للحد من هذه القدرة المتنوعة التي تسمح لهم بمجموعة واسعة من الإجراءات، بداية من نقل الرسائل السرية إلى مهاجمة البنية التحتية الوطنية.
  • التعقيد التكنولوجي والصعوبة في الربط بين الطبقات العديدة للبعد السيبراني ينتج عنه تشابك قانوني يجعل صياغة أي معاهدة حول هذا الموضوع مهمة شبه مستحيلة.
  • تتحدى طريقة تفكير مدرسة ما بعد الحداثة التعريفات القديمة والمألوفة لمصطلحي “الحسم” و “النصر”، وأحياناً إلى حد المس بتعريف أهداف الحرب.
    في رأيي يسمح الاستخدام الذكي للسايبر كسلاح من قبل الدول بتحقيق نفس الأهداف صعبة التحقيق من العالم القديم دون الإضرار بالرواية الجديدة.

فيما يتعلق بالسؤال الثاني، يمكن افتراض أن الهجوم السيبراني الذي سيتسبب في أضرار مادية كبيرة للبنية التحتية المدنية أو بدلاً من ذلك خسارة لا تطاق في أرواح المدنيين الأبرياء سيكون بمثابة حافز لصياغة وتوقيع ومصادقة على معاهدة دولية تقيد استخدام الأسلحة السيبرانية.

لفحص افتراضات العمل، تم إجراء مقارنة بين الردود على ثلاث اعتداءات تم تنفيذها بوسائل حركية، والردود على ثلاث اعتداءات تم تنفيذها باستخدام وسائل إلكترونية، باستثناء الحالة الروسية، فإن المهاجمين والضحايا المختارين متطابقين من خلال دمج الإنترنت في العقيدة العسكرية للدول التي نُسبت إليها الهجمات.

في عام 2018 أصدرت وزارة الدفاع الأمريكية وثيقة استراتيجيتها المحدثة والتي يمكن من خلالها معرفة أن الولايات المتحدة ترى في السايبر كساحة قتالية مثل أي ساحة قتالية أخرى حيث يمكن منه جمع المعلومات الاستخباراتية وتفعيل آليات الدفاع وحتى القيام بعمليات هجومية.

في عام 2010، نشرت روسيا على موقع الكرملين على الإنترنت عقيدتها العسكرية المحدثة، وتنص على أن السايبر هو جزء من مجموعة أدوات الدولة المصممة لحماية مصالح روسيا وحلفاؤها، وتجدر الإشارة إلى أن هذا الرأي يتوافق جيداً مع العقيدة الروسية المعروفة باسم “عقيدة غيرسيموف”، والتي تنص على أنه من أجل تحقيق أهداف الحرب يجب في حرب الجيل الرابع استخدام مجموعة متنوعة من التكتيكات المدنية حيث التركيز من بين أمور أخرى هو على استخدام السكان المحليين الموالين للسوفييت والتكنولوجيا والمعلومات والدبلوماسية والاقتصاد والثقافة.

رغم امتناع إيران عن نشر عقيدتها العسكرية إلا أن تحليل عدد كبير من أقوال وتصريحات وخطب قادتها إلى جانب فهم طبيعة مهام الأقسام والهيئات التي تتكون منها منظومتها الأمنية يوفر نظرة للمبادئ التي تتكون منها هذه العقيدة.

في مارس 2012 أعلن المرشد الأعلى علي خامنئي عن إنشاء “المجلس الأعلى للمجال السيبراني” والذي من مسؤولية تنفيذ استراتيجية عمل موحدة وشاملة للساحة السيبرانية واستندت الخطة الإيرانية على ركيزتين، -الدفاع والهجوم- وكان للطبقة الدفاعية هدفان: حماية النظام وحماية البنية التحتية الحاسوبية الإيرانية.
وأما المستوى الهجومي فمن خلال التهديدات التي سُمعت من قبل المتحدثين الإيرانيين الرسميين على مر السنين، يمكن فهم أن القيادة الإيرانية تعتبر السايبر جزءاً من مجموعة الأدوات غير المتكافئة لدى الدولة التي يمكنها من خلالها جمع المعلومات الاستخبارية ومهاجمة أعداء أكبر وأكثر منها قوة بكثير.

مما سبق يمكننا التعرف على كيفية قيام الدول الثلاث (روسيا والولايات المتحدة لولايات المتحدة وإيران) كل منهما تمتلك قدرات متقدمة في المجال السيبراني) ترى في هذا البعد كسلاح رئيسي في أي صراع مستقبلي.

المعاهدات الدولية التي تتناول قوانين الحرب، ما هي ولماذا يجب التوقيع عليها؟

إن الغرض من القانون الدولي الإنساني هو حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية خلال النزاعات العسكرية، وتنقسم قوانين الحرب في القانون الدولي إلى نوعين يكمل كل منهما الآخر، وهما (bellum ad jus bello in jus).

بينما يحدد الأول معايير استخدام القوة كأداة لتعزيز سياسة الدولة، ويسأل متى يمكن للدولة استخدام القوة، يشير الثاني إلى كيفية استخدامها في مواجهة مسلحة، في جوهره قانون bello in jus) له غرضان رئيسيان الأول هو الرغبة في حماية المدنيين الأبرياء الموجودين في مناطق الصراع، والثاني هو الرغبة في تقليل مستوى العنف الذي يحدث أثناء النزاع المسلح من خلال حظر استخدام أسلحة معينة. ولهذه الغاية، تمت كتابة معاهدات مختلفة على مر السنين تناولت قوانين الحرب وصُممت لتحقيق التوازن بين الاحتياجات العسكرية والاعتبارات الإنسانية للحرب.

أدى الدمار الهائل الذي سببته الحرب العالمية الثانية إلى قفزة كبيرة في تعزيز القانون الإنساني على شكل اتفاقيات جنيف الثلاث الموقعة في عام 1949.

بعد ذلك استجابةً للأحداث التي وقعت خلال الحرب الباردة تمت صياغة العديد من الاتفاقيات والتصديق عليها، مثل اتفاقية الأسلحة الكيميائية واتفاقية حظر أسلحة تقليدية معينة ومعاهدة منع نشر السلاح النووي.

لفهم سبب رغبة البلدان في توقيع المعاهدات الدولية التي تستفيد منها من ناحية، ولكنها قد تقيدها من ناحية أخرى، عرض باحثون أكاديميون نظريات مختلفة، وتستعرض المحامية “إيفون داتون” في مقالتها جميع الأسباب التي تجعل البلدان مستعدة لتوقيع المعاهدات الدولية، وزعمت “داتون” بأن الباحثين يدعون أن الدول توقع على المعاهدات لسبب واحد أو سببين معاً من الأسباب الرئيسية وهما:

  • أسباب منطقية: الدول ستكون جاهزة للتوقيع على معاهدة دولية إذا كان “ثمن” الالتزام بها منخفضاً نسبياً مقارنة بالفائدة المتأتية من الوفاء بشروطها؛
  • أسباب الضغط الخارجي: حتى لو تضررت دولة من توقيع معاهدة وثمن تلبية شروطها “غير مربح”، يمكن إقناع قادتها بأن التصديق على الاتفاقيات التي تتعامل مع المعايير الدولية هو الشيء الصحيح والجدير الذي يجب أن يقوموا به في حال أرادوا بأن يُنظر إلى دولتهم على أنها لاعب شرعي في الساحة الدولية.

هذه الحجة عززها “جيوفاني” من أنطاليا في مقالته التي استعرض فيها أسباب توقيع الولايات المتحدة وبريطانيا على اتفاقية جنيف في عام 1949، وهو يدعي أنه كان هناك سببين متشابكين:

  • من أجل تحقيق أهداف تخدم مصالحهم.
  • من اجل الحصول على القيم الاجتماعية الدولية، ومن أجل قبولهما في الأسرة الدولية.

في مقال “تيريزا هيتشنز” و” نيلسو غورين”، قامتا الباحثتين بدراسة وفهرسة المعلومات المتوفرة حول اتفاقيات G2G” ” (اتفاقيات التعاون بين الحكومات) وعن الاتفاقيات الإقليمية (أي بين المنظمات الدولية الأعضاء في التحالفات الإقليمية) وكان هدفها مزدوجاً: تحديد أنواع المعلومات التي توافق الحكومات على مشاركتها بينها، وبالتالي فهم أنواع المعلومات التي تحتفظ بها لنفسها.

ووجدت الدراسة أنه في فئة (“G2G” التعاون بين الحكومات) هناك 196 اتفاقية للتعاون السيبراني بين 116 دولة مختلفة وقع عليه 2349 ممثلاً في المقابل، هناك 254.6 اتفاقية سيبرانية بين أعضاء التحالفات الإقليمية.

وتقوم ” هيتشنز” و “غورين” بتحليل المعلومات التي جمعنها من بين أمور أخرى حسب مواضيع الاتفاقات والبلدان الموقعة على الاتفاقيات والمنظمات الدولية التي في إطارها تم التوقيع على الاتفاقيات.

هنا يوجد جدولين

يوضح تحليل الجداول أنه على عكس الماضي، بينما كان عدد كبير من البلدان شركاء في توقيع معاهدة دولية واحدة على سبيل المثال (معاهدة لاهاي أو معاهدة جنيف) في المجال السيبراني كان التفضيل التوقيع على عدد كبير من الاتفاقيات لها العديد من الجوانب.

حسب فهمي هذا يعود لسببين: تعقيد المجال السيبراني، والاختلاف بين قدرات الدول المختلفة.

ونتيجة لذلك يسمح عدد كبير من الاتفاقيات لخبراء السايبر بالتفاوض مع كل شريك على حدة وجني أرباح مختلفة من كل اتفاقية، وإذا كان الأمر كذلك فيمكن الاستنتاج أن تعقيد وقدرات السايبر قد غيرت النموذج الدولي، وأن مستويات صنع القرار تعتبر كل اتفاقية فرصة لتعزيز المصالح الخاصة والفريدة.

 مزايا اتفاقية السايبر

  1. تبادل المعرفة حول المهاجمين وأنواع الهجمات ونقاط الضعف المحتملة (ينصب التركيز على التعاون في القضايا العامة دون الكشف عن معلومات محددة يمكن أن تعرض مصادر المعلومات الفريدة للخطر).
  2. تبادل المعرفة حول البنية التحتية للهجوم والفيروسات ونقاط الضعف المحددة غير المعروفة (ينصب التركيز على نقل المعلومات الاستخباراتية المركزة التي يمكنها الكشف عن مصادر فريدة للمعلومات).
  3. بناء وتشغيل الموارد المشتركة (غرف العمليات والبحث والتطوير وما شابه) من أجل تحديد الهجمات الناشئة والرد عليها بسرعة وفعالية.
  4. تهدئة النظام – يساعد توقيع اتفاقية في ضبط النفس المتبادل وتصفية الاتهامات التي قد تنشأ أثناء الهجوم أو بعده.
  5. استخدام السايبر كجزء من بناء علاقات تعاون وعلاقات عمل مع الدول والمنظمات الأجنبية، ليس بالضرورة في السياقات السيبرانية.

 عيوب اتفاقية الإنترنت

  1. وجوب إبلاغ الموقعين على الاتفاقية بشأن فايروس ضار تم اكتشافه قبل معالجته قد يؤدي إلى استخدامه بشكل سيئ.
  2. عدم نشر معلومات عن نقاط الضعف يساعد على تطوير الصناعة السايبر المحلي وزيادة التجارة في منتجات الحماية والحفاظ على سمعة الدولة وقدراتها في مواجهة المنافسين.
  3. قد تكشف مشاركة المعلومات المتعلقة بالفايروسات المكتشفة عن قدرات سرية وتسبب ضرراً لأمن المصادر وطرق جمع المعلومات الفريدة والخاصة.
  4. توقيع اتفاقية قد يؤدي إلى طلب إنشاء آليات رقابة دولية.
    سوف تشرف على القدرات السيبرانية الدفاعية والهجوم ولن ترغب الدول المطورة لهذه القدرات المخاطرة بكشف قدراتها وإمكانية استنساخها من قبل الآخرين.
  5. قد يُلزم توقيع اتفاقية تتناول قوانين الحرب الأطراف لتحديد أي الأعمال التي تعتبر “عملاً قوياً “ونتيجة لذلك يمكن اعتبارها” “سبباً للحرب” وتفضل العديد من الدول عدم الكشف عن “الخط الأحمر” الذي سيجبرها على الرد ضد المهاجم، بل ترك الأمر لتقدير القادة حسب الظروف والوقت.

دليل “تالين” الأول

لا يمكن كتابة مقال عن فن السايبر دون الرجوع إلى “دليل تالين”، وُلد الدليل في أعقاب الهجمات الإلكترونية ضد إستونيا في عام 2007، وعلى الرغم من أنه ليس معاهدة دولية، ألا أن أهميته تكمن في أنه أشمل محاولة من قبل المنظمة التي يرعاها الناتو لصياغة خطوط لصورة القانون الدولي في موضوع السايبر كوسيلة قتالية.

تمت كتابة الدليل بين عامي 2009 و 2012 من قبل 20 باحثاً وخبيراً مشهوراً عالمياً من الدول الأعضاء في حلف الناتو، بناءً على طلب مركز الامتياز المشترك لحلف الناتو في إستونيا، لفحص ما إذا كان القانون الدولي ينطبق على هجمات السايبر.

وعلى الرغم من أن مؤلفيه لم يعتبروه وثيقة قانونية ملزمة ولم يتم اعتماده كخطوط عامة لسياسة المنظمة إلا أن الدليل كان أول محاولة شاملة لفحص القضية وحظي باهتمام كبير من قبل المجتمع الدولي. 

روسيا.. هجوم السايبر ضد إستونيا أمام غزو شبه جزيرة القرم

هجوم سايبري على إستونيا في 27 أبريل 2007 وبضغط عام قررت الحكومة الإستونية نقل تمثال برونزي لجندي روسي منصوباً في وسط مدينة “تالين” بعد الحرب العالمية الثانية إلى المقبرة العسكرية في المنطقة.

بعد نقل التمثال والخلافات التي نشأت بين القوميين الإستونيين الذين أيدوا النقل وبين مواطنين روس من سكان إستونيا الذين عارضوه اندلعت مظاهرات عاصفة في إستونيا، قُتل خلالها متظاهر روسي، بعدها تعرضت البنية التحتية الاستونية للمؤسسات الحكومية على شبكة الإنترنت لسلسلة من الهجمات الإلكترونية، وتم خلالها حظر الوصول إليها، وحقيقة أن إستونيا تعتبر من بين البلدان المتقدمة في العالم في إتاحة المعلومات عبر الإنترنت لسكانها، تسبب ذلك في ضعف شديد في قدرة سير عمل الحكومة، وبسبب خطورة الهجمات استعانت الدولة بفرق إلكترونية من عدة دول في العالم من بينها “إسرائيل”.

بعد التحقيق في الموضوع وتجميع الأدلة والتي من بينها مسؤولية حركة الشباب الوطنية الروسية عن الهجوم وأن الأدوات الإلكترونية المستخدمة انطلقت من مواقع وغرف دردشة روسية، حيث أن بعض عناوين IP التي شاركت في الهجوم تعود لمؤسسات الحكومة الروسية، تم توجيه أصابع الاتهام إلى الكرملين، ورفضت الحكومة الروسية طلب إستونيا للتحقيق في الهجوم بشكل مشترك كجزء من الاتفاقية القانونية الموقعة بين البلدين.

وفي النهاية كانت نتيجة استيضاح المسؤولية إدانة طالب روسي وتغريمه بمبلغ 1064 دولار، وسارعت وسائل الإعلام العالمية إلى تسمية الهجوم “بالحرب الإلكترونية الأولى”، وتشير التقديرات إلى أنه من خلال الهجوم سعت روسيا للاحتجاج على ما كانت ترى أنه انتهاك لتراثها.

على الرغم من أنه كان واضحاً للجميع أن هذا كان هجوماً من قبل دولة إلا أن أعضاء منظمة حلف شمال الأطلسي لم يدينوا الهجوم السيبراني المنسوب إلى روسيا، وبحسب مصدر في حلف شمال الأطلسي بدون توجيه أصابع الاتهام إلى أحد لم تكن هذه الهجمات من فعل بعض الناس وأنه من الواضح أن هذا الهجوم يحمل بصمات شيء أكثر تركيزاً وأقوى بكثير.

 ومع ذلك كان رد المنظمة هو أنه في قمة بوخارست في أبريل 2008 اعتمد أعضاؤها سياسة موحدة بشأن الحماية في السايبر وأنشأوا سلطة حماية أعضاء المنظمة.

احتلال شبه جزيرة القرم

بعد فترة من عدم الاستقرار والتوتر بين أوكرانيا وروسيا في 1 مارس 2014 اعتمد مجلس الشيوخ بالبرلمان الروسي قراراً يطالب الرئيس بوتين بإرسال قوات عسكرية إلى أوكرانيا واحتلال أراض هناك.

وفي الواقع بعد أيام قليلة من فرار الرئيس الأوكراني “فيكتور يانوكوفيتش” من كييف بدأت القوات الروسية في الاستيلاء على شبه جزيرة القرم وبعد احتلال القوات الروسية للبرلمان، أُجري استفتاء مثير للجدل أعقبه ضم الاتحاد الروسي شبه جزيرة القرم.

كانت ردود الفعل في العالم على الخطوة الروسية قاسية للغاية، بأغلبية كبيرة أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً غير ملزم يلغي الاستفتاء الأوكراني، وفرضت الولايات المتحدة عقوبات على الأشخاص الذين تعتقد أنهم انتهكوا أو ساعدوا في انتهاك السيادة الأوكرانية.

كما رفض الاتحاد الأوروبي الاستفتاء وعلق المحادثات التي جرت في ذلك الوقت مع روسيا بشأن القضايا الاقتصادية، بل وفكر في فرض عقوبات أكثر صرامة على روسيا، وأوضحت بريطانيا أن التصويت في الاستفتاء في شبه جزيرة القرم غير شرعي “والتفاف كبير على الشرعية، وأعلنت اليابان فرض عقوبات على روسيا وعلقت المحادثات العسكرية معها في ذلك الوقت، وأدانت كتلة الدول الصناعية السبع الكبرى (G8) بدون روسيا “روسيا”، وأعلنت وقف الاستعدادات لعقد قمة (G8) في مدينة “سوتشي” الروسية خلال العام، وادان حلف الناتو التصعيد العسكري الروسي في شبه جزيرة القرم وأعلن أنه انتهاك للقانون الدولي.

من خلال مقارنة هذه الحالات يتضح سبب عدم اهتمام روسيا بالتوقيع على معاهدة دولية تساوي الهجمات السايبر بالهجمات المسلحة، فعلى النقيض من عدوانها العسكري على أوكرانيا الذي انتهك بوضوح القانون الدولي ودفعت مقابله ثمناً سياسياً باهظاً، فإن أفعالها ضد إستونيا على الرغم ما أنها تتعارض أيضاً مع القانون الدولي إلا أنها لم تواجه رداً مماثلاً.

ومن هنا يمكن أن نحدد أنه في حالة إستونيا أن المعاهدة الدولية التي تقارن الهجمات الإلكترونية عبر السايبر بالهجمات العسكرية بالأسلحة كانت ستقيد تصرفات روسيا وبالتالي فإن عدم وجود مثل هذه المعاهدة يخدم المصالح الروسية بوضوح.

مهاجمة برنامج إيران النووي بفايروس “ستوكسنت” أمام اغتيال قاسم سليماني

الهجوم بالفايروس على البرنامج النووي في يناير 2010،

زار مفتشون من الوكالة الدولية للطاقة الذرية مصنع تخصيب اليورانيوم في مدينة نطنز في إيران ولاحظوا أن أجهزة الطرد المركزي المثبتة في الموقع لغرض تخصيب اليورانيوم توقفت عن العمل، بعد خمسة أشهر طلب المسؤولون الإيرانيون من شركة لأمن المعلومات من بيلاروسيا التحقيق في سبب بدء تعطل أجهزة الحاسوب في البلاد، وإعادة تشغيل نفسها بشكل مستقل.

كجزء من التحقيق تبين أن عاملاً أجنبياً تمكن من إدخال فايروس هجومي ضار من نوع Stuxnet”” لجهاز الحاسوب الشخصي لمهندس إيراني كان يعمل في البرنامج النووي الإيراني، ويعتقد المحققون أنه أثناء توصيل جهاز الحاسوب الخاص به بأنظمة الحواسيب في مكان عمله انتقل الفايروس إليها.

بعد ذلك كشف تحقيق شامل في أضرار الفايروس أنه بين الفترة من يونيو 2009 إلى مايو 2010 أنه هاجم أنظمة التحكم والمراقبة الصناعية (كاميرات) من إنتاج شركة سيمنز الألمانية التي كانت تم تركيبها في خمس منشآت نووية في إيران، ونتيجة لهذه الهجمات بدأت أجهزة الطرد المركزي التي كانت في المصانع تدور بسرعة عالية حتى تفككت وتدمرت.

في يونيو 2012 نشرت صحيفة نيويورك تايمز مقالاً يزعم أن الهجوم الذي أطلق عليه اسم “الألعاب الأولمبية”، تم تنفيذه كجزء من عملية مشتركة بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” ضد البرنامج النووي الإيراني.

في العديد من المنشورات حول هذا الموضوع لم توجه إلى الولايات المتحدة و”إسرائيل” انتقادات حتى أن المقالات التي نُشرت في هذا الموضوع أثنت على البلدين لما تجلى في هذه الاعتداءات من قدرات متقدمة، وعلى الرغم من الأضرار الجسيمة التي لحقت ببرنامجها النووي والاتهامات التي وجهتها للولايات المتحدة و”إسرائيل” لم ترد إيران علناً على من تعتقد أنه هاجمها. 

اغتيال قاسم سليماني

في 3 كانون ثاني / يناير 2020: تم اغتيال قائد الحرس الثوري الإيراني اللواء قاسم سليماني بغارة جوية نفذتها القوات الجوية الأمريكية، بعد وقت قصير من الاغتيال أصدرت الولايات المتحدة بياناً قالت فيه أن الهجوم جرى بأمر من الرئيس ترامب رداً على الهجمات التي خطط لها سليماني ضد أهداف أمريكية في الشرق الأوسط.

بعد خمسة أيام من الاغتيال شن الحرس الثوري عملية “الشهيد سليماني” التي أطلقوا خلالها 15 صاروخاً على قاعدتين عسكريتين أمريكيتين في العراق، وأعلن الإيرانيون مسؤوليتهم عن الهجمات، بل وصفها الزعيم الإيراني علي خامنئي بأنها “صفعة على الوجه للولايات المتحدة”، من أجل منع تدهور الوضع توجه قادة الاتحاد الأوروبي إلى الرئيس ترامب يرجون عدم الرد على الهجمات.

من حادثتي الاختبار هاتين نتعلم أنه على النقيض من اغتيال سليماني وما تلاه من تولي المسؤولية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية عن الحادثة، كون أنه في الهجوم على المواقع النووية الإيرانية لم يكن هناك اعتراف بالمسؤولية سمح هذا للقيادة الإيرانية بضبط نفسها وتجنب التصعيد.

من هذا يمكن أن نستنتج أنه على الرغم من أن الإيرانيين لديهم أساس معقول للاعتقاد بأن الولايات المتحدة و”إسرائيل” كانتا مسئولتين عن مهاجمة البنية التحتية النووية الخاصة بهم إلا أن عدم وجود معاهدة دولية يمكن أن تساوي الهجوم السيبراني مع الهجوم العسكري خدم  مصالح جميع الأطراف، فمن جهة هاجمت الولايات المتحدة و”إسرائيل” البنية التحتية الوطنية لدولة أخرى كما ذكرنا دون تحمل العواقب ومن جهة أخرى تجنب الإيرانيون التورط في الدخول في مواجهة مفتوحة معهم.

إيران: هجوم على البنية التحتية للكمبيوتر مقابل هجوم على مصافي شركات النفط أرامكو السعودية

في 15 أغسطس 2012 بدأت أجهزة الحاسوب في شركة النفط السعودية أرامكو تعمل بشكل غير صحيح، وكشف تحقيق سريع أجراه موظفو الأمن السيبراني في الشركة عن أنه تم إدخال فايروس إلى شبكة الحواسيب المركزية للشركة مما أدى إلى مسح المستندات والمراسلات والمجلدات وأوراق العمل، وفي النهاية دُمر القرص الصلب لكل جهاز كمبيوتر تم اختراقه بحيث لا يمكن استخدامه في المستقبل.

كما أصاب الفايروس أجهزة الحاسوب في مقر الشركة في المملكة العربية السعودية وحول العالم ونتيجة لذلك تعرضت إمكانيات مركز الأبحاث المتقدم التابع الشركة والمسؤول عن تطوير تكنولوجيات جديدة للضرر، وأجبر الهجوم الشركة على شراء حوالي 50000 جهاز كمبيوتر جديد.

وكشف التحقيق في الحادث أنه قبل عدة أشهر من الهجوم أن مجموعة من الهاكر يسمون أنفسهم “of Sword Cutting Justice” كانت على علاقات مع النظام في إيران أرسلت بريداً إلكترونياً إلى موظف بإحدى الشركات مع ملف يحتوي على فيروس يعرف بـ “شمعون” “Shamoon” عندما فتح الموظف الملف اخترق الفايروس منظومة الحواسيب المركزية للشركة وانتظر حتى يوم استخدامه.

قبل ساعات قليلة من الهجوم قامت مجموعة من الهاكر بنشر مدونة على الإنترنت تفيد بأنهم هاجموا الشركة بسبب معارضتهم للعائلة المالكة السعودية وعن الأفعال التي ترتكبها بحق المسلمين حول العالم، رغم الأضرار الجسيمة التي لحقت بأرامكو لم نجد معلومات حول قيام السعودية بأي رد على المهاجمين.

الهجوم على مصافي النفط

في 14 أيلول / سبتمبر 2019 هاجمت عشرات الطائرات المسيرة وسبعة صواريخ موجهة مصافي النفط في حقلي “أبقيق وخريص” في السعودية التابعين لشركة أرامكو، وأعلن المتمردون الحوثيون في اليمن خلال فترة وجيزة بعد الهجوم عن مسؤوليتهم عن الهجوم، زاعمين أنه نُفِّذ انتقاما لتورط السعودية في الحرب الأهلية اليمنية.

وقال السعوديون إن الهجوم قلل من قدرتهم على إنتاج النفط بنحو 50% – وهي كمية تشكل حوالي 5% من إجمالي الطاقة الإنتاجية العالمية، وفي اليوم نفسه أدانت جامعة الدول العربية الهجوم بشدة ووصفته بـ “التصعيد الخطير”.

في 16 سبتمبر أدان الأمين العام لحلف الناتو “ينس ستولتنبرغ” الهجمات وادعى أن إيران تدعم العديد من المنظمات الإرهابية التي تقوض استقرار وأمن المنطقة بأسرها.

في 20 سبتمبر أعلن الرئيس الأمريكي ترامب عن فرض عقوبات اقتصادية إضافية على إيران وفي 23 سبتمبر أعلنت فرنسا وبريطانيا وألمانيا في بيان مشترك أن إيران عن تحميل إيران المسؤولية عن الهجوم.

تعزز حالة الاختبار هذه الادعاء بأنه حتى في الحالات التي يتم فيها استخدام لاعب وكيل لارتكاب هجمات واحداث أضرار فعلية ضد شركة بنية تحتية وطنية، بأنه طالما لم تكن هناك إصابات ومن الصعب قياس الضرر بدقة، فإن البلدان في جميع أنحاء العالم ستكون مستعدة لابتلاع ذلك وضبط النفس والامتناع عن إلقاء اللوم على المهاجم.

ومن هذا يمكن استنتاج أنه على عكس هجوم الطائرات بدون طيار، في حالة الهجوم السيبراني – على الرغم من أن الضرر الناجم كان حقيقياً وكبيراً ولم يؤثر على الشركة فحسب، بل أثر أيضاً على أسعار النفط العالمية إلا أنه لم يكن مرئياً بالعين مما سمح لإيران بتجنب دفع الثمن السياسي لذلك.

إن وجود معاهدة دولية من شأنها أن تساوي هجوماً الكترونياً بهجوم مسلح بموجب المادة 51 من اتفاقية الأمم المتحدة قد يدفع إيران إلى التردد قبل تنفيذها لمثل هذا الهجوم، ومن هنا عدم وجود مثل هذه المعاهدة خدم المصالح الإيرانية بوضوح.

الهجمات الإلكترونية كتعبير عن حروب ما بعد الحداثة

يرى الباحث “د.ديفيد دوشن” أنه على عكس الماضي، في الحرب الحديثة من الصعب تحديد مصطلح “الحسم” بدقة لأنه في عصر ما بعد الحداثة لا توجد حاجة لضرب العدو أو قتله من أجل كسب الحرب. يكفي تحقيق الأهداف المحددة مسبقاً (أثناء القتال) مهما كانت محدودة من أجل الإعلان عن النصر، حتى لو بقي العدو حياً وطليقاً، علاوة على ذلك ليس دائماً سيشعر الجانب المحسوم بالهزيمة وقد يدعي أن هو من انتصر.

 بعد حالات الاختبار المذكورة أعلاه أسعى إلى تعزيز ادعاءات “دوشن” وأرى أن استخدام السايبر هو تعبير عن هذا التصور أو المفهوم.

تطالب مدرسة ما بعد الحداثة قادة الجيش بالحد من العنف في ساحة المعركة وتقليل الأضرار العرضية وتقليل الضرر الذي يلحق بالقوات المقاتلة، ويسمح الاستخدام العسكري لتكنولوجيا السايبر وغيرها من التقنيات كثيرة الموارد المختلفة بتحقيق هذه المطالب.

أما بالنسبة للساحة المدنية صحيح أن السايبر يعرض الجبهة الداخلية للعدو للهجوم عن بعد (كما يتضح من حالات الاختبار الثلاث)، ولكن المفارقة أنه يحميها أيضاً من أضرار الهجوم المسلح الذي كان من الممكن أن يتسبب لها في أضرار جسيمة، مما يسمح لها بـ “الانتصار” الذي يمكن للرأي العام والعدو أيضاً قبوله.

وفيما يتعلق بميدان المعركة، فقد وجد أن السايبر يسمح بوجود المتطلبات الثلاثة لمدرسة ما بعد الحداثة: الهجمات تصبح أكثر تركيزاً ودقة، الضرر العرضي لدى العدو يقل، وأمن قواتنا يزداد.

يقتبس “دوشن” من البروفيسور “كريستوفر دانديكر” قوله إننا نعيش في عصر “السلام الهش”، وهو عصر انتهت فيه الحروب بين الدول من العالم، حيث فقدت الحدود المادية الإقليمية أهميتها ومركزيتها على خلفية ظاهرة العولمة الآخذة في التوسع في العالم، أعتقد أنه حتى لو استمرينا في المعايشة على فترات متباعدة مع الحروب بين الدول، فإن أحد مظاهر عصر “السلام الهش” هو أن ساحة المعركة القديمة والمألوفة تحولت إلى ساحة معركة رقمية، الأسلحة فيها لم تعد الوسائل القتالية التقليدية فقط ولكن أيضاً اسطر كلمات السر.

لقد أثرت قيم ما بعد الحداثة بشكل كبير على توقع الشكل الذي يجب أن تبدو عليه ساحة المعركة المستقبلية، ويعد فضاء السايبر جزءاً أساسياً من هذه المجموعة.

الملخص والاستنتاجات

كان الغرض من هذه المقالة محاولة شرح أسباب عدم وجود معاهدة دولية يمكن أن تحدد “قوانين الحرب” في السايبر، وفهم ما هو الشيء أو الحدث الذي يمكن أن يسرع في صياغتها، فيما يتعلق بالسؤال حول أسباب عدم وجود معاهدة دولية تنظم تطبيق قواعد القانون الدولي حول النشاط الهجومي في الفضاء السيبراني تظهر الاستنتاجات التالية.

نظراً لأن الكل السيبراني أكبر من مجموع أجزائه، فإنه ينتج عنه تعقيدات تكنولوجيا هائلة، ولكن أيضاً تحد قانوني كبير جداً، أن أي معاهدة تتم صياغتها لن تكون قادرة على الإحاطة بجميع القضايا التي تتطلب الاهتمام، وحقيقة أن التكنولوجيا تتغير باستمرار فقط يزيد من تفاقم هذا التعقيد.

للتغلب على هذا التحدي وقعت العديد من الدول في السنوات الأخيرة بشكل مستقل وكجزء من التحالفات التي تنتمي إليها العديد من الاتفاقيات السيبرانية، مدركين أنه في مجال سريع التطور بهذا الشكل من الأفضل جني الأرباح المضمونة بدلاً من مغادرة الساحة أو الملعب أملاً في التوقيع على معاهدة أكثر شمولاً.

للفضاء السيبراني فوائد عديدة من بينها القدرة على الإنكار وإمكانية التغيير من قوة تشغيله بداية من إيصال الرسائل وصولا إلى مهاجمة البنية التحتية الوطنية، وبسبب هذا ترى العديد من البلدان في السايبر أداة رئيسية في صندوق أدوات الدولة وبالتالي تحرص على الحفاظ على قدراتها في أقصى درجات السرية خوفاً من أن يُلحق توقيعها على معاهدة دولية الضرر بهذه القدرة متعددة الأبعاد.

بسبب تطور التكنولوجيا، أثناء النزاعات المسلحة ما يقف أمام الاختبار هو القدرات التكنولوجية التي لا تقل عن قدرات القائد الذي يقف وراءها وأحياناً تكون أكثر من قدراته، نظراً لإمكانية ان تتطرق المعاهدة التي سيتم توقيعها بشأن شرعية الأدوات الإلكترونية الهجومية، أيضاً إلى المستوى الأعلى لهذه التكنولوجيا، فإن الدول الرائدة في هذا المجال ليس لديها مصلحة في صياغة معاهدة من شأنها أن تحد من هذه القدرات التي عملت على تطويرها وتمنحها تفوقاً نسبياً في ميدان المعركة.

أن الدول الرائدة في مجال السايبر هي التي تصيغ القانون الدولي، وهذا يسمح لها بإحباط أي محاولة للحد من القدرات التي تطورها.

في عصر ما بعد الحداثة، حيث يصعب تحديد المفاهيم “الحسم ” أو “النصر” يمكن أن يحدث الهجوم الإلكتروني ضرراً أكبر من الذي يحدثه سرب طائرات مقاتلة، السايبر هو الأداة المثلى لمهاجمة العدو. في ضوء ذلك وبما أن حدوث حروب مستقبلية ليس موضع شك، فإن الدول الغربية ليس لديها مصلحة في صياغة معاهدة قد تحد أو تقلص من وجود الأداة التي تخدمها بأمانة.

فيما يتعلق بالسؤال في ظل أي ظروف ستصوغ دول العالم مثل هذه المعاهدة، يظهر التاريخ أنه بعد وقوع الكوارث الكبيرة فقط مثل الحروب العالمية أو في مواجهة أزمات مثل أزمة الصواريخ الكوبية يدفع زعماء العالم بتحركات لتجنب الوصول في المستقبل إلى مثل هذا الوضع.

من الواضح أن الدول التي تستخدم المجال السايبري كسلاح هجومي ليس لديها مصلحة في صياغة معاهدة دولية يمكن أن تحد من قدراتها، ولن يكون سوى هجوم إلكتروني من شأنه إلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية المدنية أو فقدان أرواح المدنيين الأبرياء بشكل كبير هو من سيدفع إلى صياغة وتوقيع والتصديق على معاهدة دولية تقيد استخدام سلاح السايبر.

من المهم أن يُسأل صناع القرار الإسرائيليون داخل المنظومة وخارجها عما يعنيه أن توقع “إسرائيل” على معاهدة دولية تقيد استخدام السايبر كأداة هجومية، سواء طوعاً أو كرها نتيجة للضغط الدولي، وما هي “المصالح الإسرائيلية” التي يجب الحفاظ عليها وتعزيزها في إطارها.

إذا كانت كما ذكرنا قوة الأحداث الكبيرة في الساحة الدولية هي من ستدفع بمستوى صناع القرار لصياغة المعاهدات الدولية والتصديق عليها من الأفضل أن تكون “إسرائيل” مستعدة لذلك.

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي