أخبار رئيسيةمقالات إستراتيجية

إعمال النصال في (فتيان) التلال

شبكة الهدهد
⁩⁩✍️ عبد الله أمين الخبير الأمني والإستراتيجي

أولاً: تعريف بالظاهرة:

إن المتابع للشأن الفلسطينيّ – معايشةً أو قراءةً – منذ الاحتلال عام 1948، يصطدم بظواهر مختلفة مصاحبة لأي احتلال ولا تنفكّ عنه، ومنها على سبيل المثال لا الحصر ظاهرة العمالة، أو التعايش السلميّ بين المحتلة أرضه وقوى الاحتلال، والذي يبرَّر بشتى التبريرات التي لا تصمد أمام النقاش الجديّ والحقيقيّ القائم على استحالة الجمع بين النقيضين، فوجود أحدهما يتطلب غياب الآخر.

ومن تلك الظواهر أيضاً وجود قوى مساندة للمحتل، تخضع له ضمناً، وتنفصل عنه شكلاً؛ فترى السلطات المحتلة تستنكر فعلَ هذه القوى في العلن، وتقدم لها الدعمَ في السر، بل حتى إن السلطة بمختلف مستوياتها ومسمياتها قد توجه تلك القوى الرديفة المساندة لها لعمل أعمالٍ تصب في صالح أهدافها بشكل مباشر، دون أن تتحمل تبعات عملها أمام الهيئات والشخصيات الحقيقية أو الحقوقية.

وهنا دعونا نفتح قوسيين لنقول إن هذا الأمر نشهد له مثيلاً واضحاً في استعانة قوى عظمى مثل أمريكا أو روسيا على سبيل المثال بمثل هذه القوات، حيث لا تخرج شركات الأمن الخاص من قبيل Black Water الأمريكية أو مجموعة الفاغنر الروسية عن طبيعة عمل هذه المجموعات التي تجبي تلك الدول (خير) فعلها ولا تتحمل وزر إثمها.

وبعد إغلاق هذا القوس نلج إلى أصل موضوع عنوان هذه المقالة والمخصصة للحديث حول ظاهرة (فتيان) التلال التي تنتشر في الضفة الغربية بشكل خاص، ولا تتوانى عن العمل في باقي فلسطين المحتلة، تحت مسمى مجموعات “تدفيع الثمن”، فمن هي هذه المجموعات؟ وما هي أهدافها وطرق عملها؟ وكيف يمكن أن تتم مواجهة أفعالها وإبطالها والتصدي لها؟

هذه المقالة معنية بالحديث حول هذه العناوين مجتمعة، وبما تسمح به المساحة المعطاة لهذه المقالة، ولكن قبل الخوض بالحديث التفصيلي، دعونا نذكّر بأن فرقاً حصل بين طبيعة الصهاينة الذين قدموا إلى فلسطين، (فتمسكنوا) حتى تمكنوا ثم احتلوا، وبين من نواجههم هذه الأيام من محتلين مغتصبين.

حيث يكمن الفرق هنا في أن من جاؤوا في البدايات إنما تركوا بلاداً ودولاً ولدوا فيها، ودياراً نشؤوا في مرابعها، وذكرياتٍ لهم فيها ما زالت حديثة طازجة، لذلك فمدى تمسكهم بالأرض التي احتلوا في ذلك الوقت مهما قوي وعلا شأنه، إلا أنه يبقى أقل شأناً من علاقة جيل ولد في فلسطين المحتلة، لا يعرف غيرها، وإن سمع عن ماضٍ لجدود له في ديار أخرى.

لذلك عند التطرق إلى ظاهرة (فتيان) التلال أو ظاهرة المغتصبين الجدد من الجيل الذي ولد في فلسطين المحتلة، يجب التنبه لهذا الفرق وأخذه بعين الاعتبار كونه يشكل مفتاحاً لفهم شخصية هؤلاء المحتلين وسلوكهم.

أما عن (فتيان) التلال، فنحن نتحدث عن شريحة من الشباب الصهيونيّ المتدين الذي يرى في فلسطين أرضاً وُعدوا بها -ـ فضلاً عن أنهم ولدوا فيها – كثيري التنقل، خفيفي المؤونة، فيكفيهم لنومهم خيمة وكيس نوم، ومن الأكل ما خفّ وزنُه وعلت سعرات حرارته، قليلي الاحتكاك بتكنولوجيا العصر ومظاهره وحداثته، منغلقين على أنفسهم، يستمدون العون والمدد والإرشاد من حاخامات ومدرسي مدارس دينية، يرون في فعلهم هذا تحقيقاً لنبوءاتٍ قرؤوا عنها في ثنايا التوراة والتلمود والتاناخ والمشناه وغيرها من أسفارهم وكتبهم، وعليه هم يرون أنفسهم رعاة رؤية ورسالة دينية يمكن أن يُضحى بالغالي والرخيص في سبيل تحقيقها وما حَوت من أهداف.

هذا في التعريف السريع بهذه الظاهرة البشرية التي واجهها ويواجهها أبناء شعبنا في مدن فلسطين المحتلةوقراها.

لذلك فلا حلول وسط معهم، ولا تنازلات تقدم لهم، فإن كانت معادلة صراعنا مع هذا المحتل، بشتى تلاوينه ومسمياته معادلة صفرية، فإن معادلتنا مع هذه الشريحة من هؤلاء المحتلين هي معادلة ما قبل صفرية، إنها معادلة وجودية، نفنى أو يفنون! فإن كان شعارُهم “إما الطرد وإما القتل“؛ فإن شعارنا معهم يجب أن يكون “إما الرحيل وإما الصليل“، حتى يُطرد هذا المجرم الدخيل.

ثانياً: الهدف الرئيسي لأعمالهم وعدوانهم:

إن الهدف الرئيسي لهؤلاء المحتلين الغاصبين هو التضييق على أبناء شعبنا وإحالة حياتهم إلى ضنك، وعيشهم إلى تعب ونصب، فلا يهدأ لهم – أهلنا – بال ولا يطيب لهم حال، يرون أبناءهم يقتلون أمام أعينهم – ولنا في عائلة دوابشة والطفل محمد أبو خضير خير دليل.

بلا ذنب ولا سبب، وتسرق وتحرق كروم زيتونهم وتينهم، بعد ما بذلوا الجهد، وصبّوا العرق في سبيل الحفاظ عليها وعلى نتاجها، يرى أهلنا في هذه الأعمال قرائن ماثلة لأصل الهدف الذي يروم ذاك المحتلُ تحقيقه، إنه التضييق ومن ثم التضييق حتى ييأس الناس ويخرجوا من بيوتهم وأراضيهم بحثاً عن أماكن هادئة لا تصلها أيدي هؤلاء الأعداء، فهم – المحتلين – كما يعلنون في شعارهم لا يقبلون عن الرحيل إلا القتل بديلا!

ثالثاً: طرق تحقيق هذا الهدف:

وحتى تتحقق لهم هذه الأهداف فإنهم ينهجون السبلَ الآتية من طرقِ وأنماط عمل، مستفيدين مما تقدمه لهم المؤسسات الحكومة -الأمنية منها والسياسية والدينية- من دعم وغض للطرف، على قاعدة أن في فعلهم فائدة، وفي تحقيق أهدافهم مصلحة استراتيجية لهذا الكيان، تتمثل بإفراغ الأرض من أهلها وطردهم منها، ليتمددوا فيها طولاً وعرضاً، لذلك يمكن ذكر التالي من الطرق والوسائل المستخدمة في تحقيق أهدافهم تلك:

  1. التموضع على التلال والمناطق الحاكمة:
    إن هؤلاء الغزاة البغاة الصائلين يرومون إلى السيطرة على البلاد والعباد، وهم قلة في عددهم – تذكر بعض التقارير أنهم لا يتجاوزون ثلاثمئة شخص – وإن كانوا مدعومين من (دولتهم) وهيئاتها ومؤسساتها، وهم ينشطون في خدمة هدف الاستيطان والاحتلال، وانتشارهم في البلاد يأتي في سياق خطط دفاعية وهجومية، حالية أو مستقبلية، لذلك فإنهم عندما يختارون أرضاً أو ومزرعة أو تبة أو تلة، إنما يختارون ما يساعد في سيطرتهم -الحالية أو المستقبلية- على المحيط الجغرافي والديموغرافي لتلك المواقع، لذلك تراهم يعتلون من الجغرافيات ما يحقق لهم تلك الغايات، وعليه، وجب الانتباه والحذر عند التصدي لهم، فما كل هدف يصلون له يمثل هدفاً نهائياً لحركتهم، فقد يكون هدفٌ ما واسطةً إلى هدف أفضل وأهم منه.
  2. مهاجمة القرى والخرب النائية:
    ومن طرق عملهم أيضاً مهاجمة النائي من القرى والخرب والعزب، في حركة الأصل فيها إحالة هذه المناطق إلى مناطق يستحيل العيش فيها أو المكوث بين طياتها، والناظر المدقق يرى أن هذه المناطق المُهاجمة والمعتدى عليها تشكل أهمية في أصل الهدف الذي ينشد هذا المحتل تحقيقه، فقد تكون هذه القرى في طريق وصولهم إلى منطقة استراتيجية مهمة يجب أن تؤمَّن طرقها، أو قد يرون في تلك الخرب عاملَ إزعاجٍ مستقبلي قد يحيل بقاءهم في بقعة جغرافية إلى جرح مفتوح يستنزف قدراتهم ويهدر طاقاتهم؛ فيعمدون إلى التنغيص على أهلها لدفعهم إلى الخروج منها وإخلائها، ليخلو لهم الجو ويطيب لهم المقام.
  3. التعرض بالاعتداء للمزارعين والفلاحين أثناء رعايتهم حقولهم وجني محاصيلهم:
    وهذه من أشهر طرق عمل هؤلاء المحتلين، فأبناء فلسطين المحتلة يعتاشون على ما يجنون من حقولهم ومزارعهم، فمن عائد زيتهم وزيتونهم وتينهم يربون أبناءهم، ومن قمحهم وشعيرهم ينفقون على متطلبات استصلاح أراضيهم، ومن بقول أرضهم وخضرها يقتاتون، فترى العائلة تَجِدّ وتكدّ وتتعب طوال العام لتجني محصولها من زيتون أو تين أو قمح أو شعير، فإذا ما بلغت اللقمة الفم سابقتهم قطعان المحتلين إلى إفسادها، بالحرق أو القطع أو التدمير، فيذهب جنى العمر أدراج الرياح، وتتطاول الديون وتزداد على ملاك الأراضي والمزارعين، وهنا إما أن يتركوا الفلاحة والزراعة باحثين عما يقيم أودهم، وإما يبيعون لمن يحيل هذه الأراضي إلى غابات من الطين والحجر، فتخلو الأرض ممن يعرفون قيمتها وينشدون خيرها.
  4. التعرض بالاعتداء على المواطنين في أثناء تنقلهم بين مدنهم وقراهم:
    كما يعمد هؤلاء المغتصبون وكجهد مكمل لما يقومون به من تموضع واحتلال للمرتفعات المشرفة والحاكمة لما يحيط بها من جغرافيات، والتعرض للقرى والخرب والعزب الفلسطينية، يقومون بالتعرض للمواطنين أثناء ترددهم وتحركهم على الطرق والشوارع الرابطة بين تلك البقع الجغرافية في إجراء الهدف منه منع وصول النجدات (الفزعات) للأماكن التي تتعرض لاعتدائهم وصولهم وتخريبهم.
  5. عمليات التعرض أشبه ما تكون بالمظاهرات العنيفة والتخريبية التي تجوب الأحياء والمدن الفلسطينية في مناطق 48:
    ومن الأعمال التي يقوم بها قطعان المستوطنين هؤلاء، التجول في مسيرات راجلة أو آلية في مدننا وضواحينا الفلسطينية في مناطق 48 التي أغلب سكانها من الفلسطينيين، فيعيثون فيها فساداً وتخريباً، للتأثير على نفسيات ساكنيها، أو حملهم على تركها والرحيل عنها، تهيئةً لعمليات استيطانٍ وإحلالٍ مستقبلية.

 رابعاً: طرق المواجهة:

أما عن طرق المواجهة التي يجب أن يكون شعارها “إما الرحيل وإما الصّليل” فإنها طرق عمل تتوخى في هدفها النهائيّ رحيل المحتل الذي لا حيدة عنه، حتى لو تمت مرحلته على مراحل، ووضعت في سبيل تحقيقه الخطط، وخصصت له المقدرات البشرية والمادية، آخذين بعين الاعتبار أننا نواجه شريحةً بشرية ولدت في فلسطين المحتلة ترى أن لها (حق) فيها كما لنا حق، فإن كنا لا نعرف غير فلسطين المحتلة وطناً وموطناً في المبتدأ والمنتهى، فهم كذلك يزعمون أنهم لا يعرفون غيرها مهوىً وموئلاً. أما عن طرق المواجهة فيمكن ذكر الآتي:

  1. جمع المعلومات والتعرف على هذه المجموعات كمجموعات وأطر هيكلية وليست كأفراد:
    إن أول ما يجب العمل عليه للتصدي الفاعل المؤثر لهذه الظاهرة الاحتلالية هو جمع المعلومات عنهم والتعرف عليها، ليس بطبيعتها كأفراد منبَتّين لا تربط بينهم صلات ولا علاقات؛ إنما كمجموعات عملٍ تتحرك ضمن هيكلياتٍ وتشكيلاتٍ، لها من يديرها ومن يوزع عليها المهام والوظائف، لأن مثل هذه النظرة لهذه الظاهرة يساعد أكثر على فهم وتوقع فعلها المستقبليّ، ومن ثم رسم الخطط ووضع الإجراءات للتصدي لها واحباط فعلها وإجراءاتها.
  2. معرفة مراكز ثقلهم الجغرافية:
    كما يجب معرفة مراكز ثقل هذه المجموعات التي يتحركون منها، وفيها يجتمعون ويخططون، فمثل هذه المعرفة تساعد على التصدي للخطر قبل وصوله إلى مرحلة التفعيل، ويمكّن أهلنا في الأرض المحتلة من حرمان هؤلاء المغتصبين من الوصول إلى مقاصدهم، بل أكثر من ذلك، فإن هذه المعرفة تساعد على وضع الإجراءات التي من شأنها إيقاع الخسائر البشرية والمادية في هذا العدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا.
  3. معرفة الجهات الرسمية أو الشخصيات الاعتبارية -دينية أو سياسية أو أمنية- التي تقف خلفهم وتؤمّن لهم الغطاء الفعليّ أو الضمنيّ:
    كنا قد ذكرنا أن هؤلاء الأعداء لهم في المؤسسات الصهيونية -الدينية والسياسية والأمنية، ـ من يقدم لهم الدعم ومن يبرر لهم الفعل ومن يدافع عنهم، لذلك يجب التعرف على هذه المؤسسات وأولئك الأشخاص – الحاخام حاييم دروكمان المرجع الديني لحزب البيت اليهودي، الحاخام شموئيل الياهو حاخام صفد، بتسائيل سموتريتش، إيتمار بن غفير، إيتمار بن غال، عمرام بن أولتيل، جمعية “حنانو “، مدرسة بيري هاريتس، وغيرهم من أشخاص ومؤسسات، فهم من يشكّل (خيط) المسبحة التي تنظمُ عملهم، و(المنجل) الذي يحصدُ زرعهم، لذلك فالتعرض لتلك المؤسسات ولأولئك الأشخاص وإيقاع الخسائر فيهم، يساعد على الأقل في فضح نواياهم والتشهير بهم وردعهم، هذا فضلا عن نثر عملهم في الهواء، هذا إن تم قطع خيط تلك (المسبحة) أو ثلم حد ذاك (المنجل) بقتل أو جرح أو عطب.
  4. استهداف أماكن تجمعهم والطرق التي يتحركون عليها بأعمال استباقية:
    إن جمع المعلومات التفصيلية حول هذه الظاهرة الاحتلالية، تساعد في وضع الخطط والإجراءات للأعمال الاستباقية المبادرة ضدهم، فضربهم في أماكن تجمعهم أو في أثناء حركتهم، أفضل بكثير وأعظم جدوى من التعرض لهم على مشارف قرانا وبساتيننا، فهم عند وصولهم إلى هذه الأماكن يكونون في أتمِّ الجاهزية للتحرك والفعل وللدفاع عن أنفسهم، ولكن ضربَهم في أثناء الحركة أو الاستعداد لها يحقق عنصر المفاجأة المطلوب لنجاح عمليات استهدافنا لهم.
  5. الكُمون لهم في الأماكن المستهدفة من قبلهم:
    قلنا إن هؤلاء المحتلين مدعومون من جهات رسمية وشخصيات عسكرية، يخططون لهم ويحددون الأهداف الجغرافية محل الاهتمام التي يجب التعرض لها في سياق خدمة هدف أكبر، لذلك فعندما يتحركون، فإنهم يتحركون في ثلاثة جهود، جهد رئيسي لتحقيق أصل الهدف، وجهد ثانوي للتخفيف عن مجموعة الجهد الرئيسي، وجهد خداعي لشدّ الأنظار وصرفها عن المكان المستهدف الرئيسيّ، ولتشتيت قوى المقاومة عن مواجهة إجراءاتهم في الجهدين الرئيسي والثانوي وإيقاع خسائر بشرية ومادية فيهم، لذلك فإن معرفة أصل الهدف الذي يتحركون للاستيلاء عليه يساعد الجهات التي تنوي التصدي لهم على تركيز الجهود وعدم تشتيت القدرات والكمون لهم وانتظارهم في المكان الذي يقصدونه، فتوقع فيهم خسائر وتلحق بهم أضرار.

هذه بعض العناوين التي نعتقد أنها تفيد في التفكير المنهجي والعلمي لفهم هذه الظاهرة، ومن ثم وضع إجراءات المواجهة والتصدي لها.

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

أضف تعليقك

زر الذهاب إلى الأعلى