أخبار رئيسيةمقالات إستراتيجية

و "عربة فارغة" أمام الجمهور الفلسطيني

اجتماع المجلس المركزي: “خرطوشة فارغة” أمام “إسرائيل”

ترجمة الهدهد
بقلم الدكتور مايكل ميلستين زميل أبحاث أول في معهد السياسات والإستراتيجيات

اجتماع المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية الذي تم اختتامه الأسبوع الماضي، ورافقه عدد من الإعلانات الدراماتيكية التي يتردد صداها في كل من”إسرائيل” والنظام الفلسطيني، على ما يبدو لديه قرارات مثيرة بالفعل، ومن المفترض أن تؤثر على العلاقة مع “إسرائيل” وصورة القيادة الفلسطينية في المستقبل.

من ناحية، هدد المجلس بسحب الاعتراف “بإسرائيل” بعد استمرار الجمود السياسي (تم إصدار إنذار نهائي حتى سبتمبر للمضي قدمًا في المفاوضات، وإلا فإن التهديد سيتحقق ويعلن الفلسطينيون دولة مستقلة ضمن حدود عام 1967)، ومن جهة أخرى تم ضم بعض معاوني أبو مازن، وتعيين وزير الشؤون المدنية حسين الشيخ عضوا في اللجنة التنفيذية للمنظمة، وقد يتولى حقيبة المفاوضات السياسية التي كانت من اختصاص صائب عريقات حتى وفاته.

عملياً، كل القرارات والإعلانات تم الاستهزاء بها من الجانب “الإسرائيلي” وتعرضت للسخرية من الجانب الفلسطيني.

“السوط” الذي لوح أبو مازن به وصفه العديد من الفلسطينيين بأنه تهديد فارغ، ينضم إلى العديد من التهديدات التي قدمتها إدارة رام الله في السنوات الأخيرة، لكن من الواضح لأي شخص أنه لا يملك القدرة أو الرغبة في تنفيذه من الخوف من فقدان المصالح والأصول الشخصية والسياسية.

في هذا السياق، أشير إلى أنه منذ بداية عام 2015، قرر المجلس المركزي إنهاء التنسيق مع “إسرائيل”، الأمر الذي لم يتحقق بالطبع، ما يفضح الفجوة بين تصريحات القيادة وتحركاتها الفعلية، وافتقار منظمة التحرير الفلسطينية إلى التأثير على عملية صنع القرار الفلسطيني.

تعيين الشخصيات «الجديدة» كان من المفترض أن تبث «دماء جديدة» على رأس منظمة التحرير الفلسطينية، وتقوي مكانة رفاق أبو مازن، خاصة في الفترة التي تسبق «اليوم التالي» لأبو مازن.

من الناحية العملية، عمّقت سلسلة التعيينات (التي تضمنت استبدال رئيس المجلس الوطني العجوز سليم الزعنون بممثل آخر عجوز ومخضرم روحي مفتوح) هوة اغتراب القيادة عن الفلسطينيين.

لقد عززت التعيينات صورة القيادة الفلسطينية على أنها منفصلة ومنحطة، وزادت من حدة الإحساس الجماعي لدى الفلسطينيين بأن منظمة التحرير الفلسطينية ليست واعدة لقيادة المستقبل في النظام الفلسطيني.

وفي هذا السياق، نشأ خطاب إعلامي وعام يركز على حسين الشيخ الذي وُصف ظاهريًا بأنه حسّن مكانته في السباق المستقبلي على الرئاسة، وهكذا أثير “تذكير” بسنوات عديدة من تورط آل الشيخ في الفساد والمحسوبية، إلى جانب حقيقة أنه يستمد قوته من قربه من أبو مازن و”إسرائيل”، ويفتقر إلى دعم كبير من الجمهور أو فتح، وأدى الخطاب المؤثر إلى إعلان الشيخ في سلسلة من المقابلات “الدفاعية” التي أجراها في الأيام الأخيرة أنه لا يستعد ليكون خليفة لأبو مازن، وأن اختيار الشعب وحده هو الذي سيحدد هوية الزعيم الفلسطيني المستقبلي.

إن الموقف اللاذع تجاه انعقاد منظمة التحرير الفلسطينية بشكل خاص وسلوك القيادة في رام الله بشكل عام، دفع لانتقادات مستمرة من قبل حماس، خاصة مع تقديم الحركة المؤتمر نفسه والقرارات المتخذة فيه على أنها غير شرعية وانعكاس لمحاولة رام الله فرض إستراتيجية وطنية وتكوين قيادة مستقبلية وفرضها على الفلسطينيين، هذا من دون إشراك الجمهور في اتخاذ القرارات، وخاصة من خلال الذهاب إلى الانتخابات العامة (وهي خطوة تراجع عنها أبو مازن في ضوء فهمه لضعفه أمام الجمهور وداخل فتح).

الآثار الاستراتيجية للمؤتمر، والقرارات المتخذة فيه والتي يجب على “إسرائيل” دراستها

أولاً: يميل العديد من المقيّمين في “إسرائيل” إلى إيلاء أهمية كبيرة “للإجراءات الرسمية” في النظام الفلسطيني، بما في ذلك التعيينات، وقرارات المؤسسات والقوانين المختلفة الصادرة، ووصفها بأنها تحدد ديناميكيات السيناريوهات المستقبلية، وأبرزها “اليوم التالي”لـ”أبو مازن.
يجب أن يثير الوضع السيئ لمنظمة التحرير الفلسطينية والاغتراب العميق بين الجمهور الفلسطيني والقيادة في رام الله التفكير في أن الجمهور العام، وخاصة جيل الشباب، قد يرفض اتخاذ القرارات من خلال قنوات منظمة ومؤسسية، وأن المستقبل سيتم تحديده عن طريق شوق الشارع للتغيير.

ثانيًا: تقوم إستراتيجية “إسرائيل” الحالية على الحفاظ على الهدوء الأمني من خلال تحسين الواقع الاقتصادي، وهي سياسة يتم الترويج لها في كل من قطاع غزة والضفة الغربية.

في السلطة الفلسطينية، هناك شريك يلتزم أيضًا بتحسين الواقع المدني كوسيلة للحفاظ على سيطرته على الأراضي، ويتغاضى عن الأزمات الدراماتيكية مع “إسرائيل” على الرغم من الجمود السياسي المستمر بين الطرفين.

حسين الشيخ وماجد فرج القائد العام لجهاز المخابرات العامة هما من قادة السياسة على الجانب الفلسطيني، ويُنظر إليهما على أنهما “شريك مناسب” “لإسرائيل” التي قد توجد معها شراكة مصالح استراتيجية متأخرة، بعد فوات الوقت، ومع ذلك، يجب أن يكون المرء مدركًا أيضًا لـ “الظلال” التي تصاحب هذه القيادة، وعلى رأسها صورتها السلبية في نظر الجمهور وحقيقة أنها غير منتخبة.

قد يطرح ذلك على القيادة نفسها تحديات داخلية صعبة لدرجة تقويض موقفها (خاصة في “اليوم التالي” لأبو مازن)، ولا يشير إلى أنها ستواجه صعوبة في دفع تحركات سياسية استراتيجية ستكسب التأييد الشعبي، عندما تنضج الظروف.

إن الحفاظ على الواقع الاقتصادي في النظام الفلسطيني يعني تعزيز مكانة أبو مازن والاستراتيجية التي يمثلها، ومن ناحية أخرى، تقليل الدعم لحركة حماس.

هذه مقاربة مشتقة من طريقة تفكير “غربية” فشلت بالفعل في الشرق الأوسط في العقود الأخيرة، كما تجسدت في التجارب الأمريكية لخلق “نظام جديد” في مراكز مختلفة في المنطقة.

الجمهور الفلسطيني، وخاصة في الضفة الغربية، راضٍ بالطبع عن الاستقرار المستمر، وامتنع عن الترويج لصراعات واسعة النطاق مع “إسرائيل” من شأنها أن تعرض نسيج حياته للخطر (وهو هدف تهتم به حماس وتفشل في تحقيقه)، ومع ذلك، في الوقت نفسه، فإن موقفه تجاه أصحاب المناصب العليا في رام الله سلبي، ونقاط الجدارة التي تكسبها ظاهريًا لا تحظى بالإعجاب لديه تجاه مسؤولي رام الله (كما يتضح من استطلاعات الرأي على مدى عقد من الزمن والتي تشهد 80٪ -70٪. تطلعات الفلسطينيين في استقالة أبو مازن وضعف صورته).

والأهم من ذلك أن “الخرطوشة الفارغة” في أيدي السلطة الفلسطينية يجب ألا تكون مصدر ارتياح في “إسرائيل”، إن قدرة السلطة الفلسطينية على القيام بخطوات تشكل تهديدًا “لإسرائيل” ضعيفة بالفعل، وما زال الجمهور الفلسطيني في الضفة الغربية يفضل نسيج حياته على التحشيد لمواجهة أخرى واسعة النطاق ضد “إسرائيل”، وهو ما أظهرته التجربة السابقة التي أسفرت عن إنجازات استراتيجية.

وبالتالي، فإن ما قد يقف في طريق “إسرائيل” ليس سيناريوهات “تفكك السلطة الفلسطينية” أو “عودة المفاتيح” أو اندلاع “انتفاضة ثالثة”، بل بالأحرى صمت يعني اندماجًا متزايدًا بين المجتمعين و تكريس فلسطيني لفكرة الدولة الواحدة، كل هذا بالطبع بدون نية أو وعي أو تخطيط “لإسرائيل” التي قد تجد نفسها في واقع مستقبلي يهدد قدرتها على الوجود كدولة يهودية وديمقراطية.

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي