أخبار رئيسيةمقالات إستراتيجية

عملية “حارس الأسوار” “القتال الهجين”

ترجمة الهدهد

د. ياغيل هانكين رئيس قسم الدراسات العسكرية في الكليات العسكرية ومعهد القدس الاستراتيجي والأمن

خلال عملية “حارس الاسوار” في مايو 2021، واجهت “إسرائيل” موجة من أعمال الشغب معظمها في المدن المختلطة التي يسكنها اليهود والعرب أو بالقرب من البلدات العربية، بعضها بالذات في مدينة اللد، وشملت موجة العنف هذه استخدام الأسلحة النارية، وقُتل فيها ثلاثة مدنيين يهود على أيدي عرب في أعمال شغب وتنكيل، وأصيب مواطن عربي برصاص الشرطة أثناء مظاهرة، كما قُتل فلسطيني برصاص مدنيين يهود في اللد.

وقام “مثيرو الشغب” بإغلاق طرق مختلفة بما في ذلك تلك المؤدية إلى قواعد عسكرية ولحقت أضراراً جسيمة بالبنية التحتية والممتلكات، وتضرر 23 مركزاً للشرطة وأصيب حوالي 300 شرطي معظمهم إصابات طفيفة، ولعدة أيام كان هناك غياب للقانون في المدن المختلطة وخاصة في اللد وعكا.

من بين 204 هجمات بالحجارة على رجال الإطفاء كانت معظمها في مناطق الخط الأخضر، تم تعطيل 14 سيارة إطفاء من أصل 280، وفي أحد أيام عملية “حارس الأسوار “تعاملت الشرطة مع 90 نفطة شغب.

إن الأحداث كان لها عدة عواقب مباشرة على “الجيش الإسرائيلي”، من بينها كانت هناك تقارير عن انخفاض في الدافعية لدى الجنود البدو والعرب والخوف من التجول بالزي العسكري، وحتى زعم بأن بعضهم أراد التسرح من الخدمة في “الجيش الإسرائيلي”، ورفض بعضهم التعليمات، ونتيجة لذلك تم تسريح سبعة على الأقل منهم من “الجيش الإسرائيلي”.

إن الجنود (بغض النظر عن أصلهم) الذين يسكنون في المناطق التي يسودها خوف من مواجهة عنيفة، سمح لهم بحسب المتحدث باسم “الجيش الإسرائيلي” بالتحرك بدون زي رسمي، وورد أنه في وحدات مختلفة طُلب من الجنود التحرك خارج القاعدة بدون زي عسكري، وتلقى جنود احتياط من كتيبة مشاة تم تجنيدهم حسب قرار التجنيد (أمراً روتينياً) بالمغادرة إلى بيوتهم دون سلاح وتم إلغاء الأمر لاحقاً من قبل رئيس شعبة العمليات.

إن استمر الجدل حول أسباب أعمال الشغب وحول من المسؤول عنها ونتائجها، وكذلك الجدل حول مثيري الشغب – هل هم الشباب العاطلون عن العمل أم شباب لهم صلة بمنظمات إجرامية أم لا؟

يبدو أنه لم يتم الالتفات إلى حقيقة أن أعمال الشغب هذه قد تكون أداة في أيدي أعداء “إسرائيل” لإلحاق الأذى بها وتعطيل عملياتها أثناء القتال في المستقبل.

إن أعمال الشغب العامة وتعطيل تحركات قوات الأمن وخلق ضغط داخلي سياسي لمنع تجنيد قوات الاحتياط أو للضغط على قوات الأمن، هي تكتيكات شائعة في النزاعات في السنوات الأخيرة كجزء من الظاهرة المعروفة باسم “الحرب أو القتال الهجين” وهي أساليب يمكن تشغيلها بكفاءة كبيرة نسبياً دون تحمل المسؤولية ودون الكشف عن المسؤول عنها.

القتال الهجين هل يمكن أن يحدث لدينا أم قد حدث قبل ذلك؟

ظهر مصطلح “القتال الهجين” في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ودخل الخطاب المهني مع بحث “فرانك هوفمان” في سنوات ال2000 واكتسب اهتماماً كبيراً بعد أن استولت روسيا على شبه جزيرة القرم في عام 2014 والقتال الذي حدث في شرق أوكرانيا في ذلك العام، على الرغم من عدم استخدام المصطلح على الإطلاق من قبل الروس وبالتأكيد الأساليب المعنية لا تقتصر عليهم، لا يوجد اتفاق عام حول معنى المصطلح، ولكن من المقبول عموماً أنه يتضمن استخدام أفعال “تحت عتبة” الحرب من أجل تحقيق إنجازات سياسية أو أخرى، ودون دفع الثمن الذي ينطوي عليه العمل العلني ودون الاضطرار إلى تحمل المسؤولية المباشرة، ومع منع الخصم من فرض مثل هذه المسؤولية.

إلى حد كبير فإن التعريف هو وسيلة تحليل في المقام الأول لهؤلاء – مثل دول الغرب و”إسرائيل” – التي ستستخدم ضدهم، فيجب الحرص على عدم خلق انطباع بأن هذه نظرية ما معقدة ذكية يديرها كبار المختصين.

إن البساطة النسبية في استخدام وسائل مختلفة كبديل للنشاطات العلنية هي ما يزيد من التهديد الذي يسهل فهمه، ولكن ليس من السهل مواجهته أو التعامل معه.

روسيا مثلاً استخدمت ست أنواع من العمليات لاستغلال التوترات العرقية في أوكرانيا وجورجيا لصالحها، مثل تقويض الأنظمة الغير مرغوب فيها وتعطيل دول منافسة واستخدام الدعاية، واستخدام الهوية (الوطنية العرقية) وتسليح المتمردين ودعم المقاتلين، واستغلال الوجود الروسي في أراضي الدول الأخرى (القواعد العسكرية والاتفاقيات) وتجميد النزاعات دون حل، لخلق وضع يبرر التدخل الروسي المستمر أو الدائم.

في شبه جزيرة القرم على سبيل المثال، تضمنت هذه الأعمال “الأشخاص المهذبين” وهم مسلحين بالزي الرسمي بدون شارات، الذين استولوا على المنشآت الحكومية والمرافق الرئيسية وأغلقوا معسكرات الجيش الأوكراني، وشملت هذه الإجراءات في شرق أوكرانيا مظاهرات “عفوية” واستيلاء المدنيين على منشآت حكومية، ومطالبة هؤلاء المدنيين من روسيا بالتدخل، وشملت حتى إطلاق النار من داخل المظاهرات على الجنود الأوكرانيين، ما أدى إلى الرد بالرصاص واتهام الأوكرانيين بقتل المتظاهرين عمداً.

على الرغم من أن روسيا تواصل إنكار أن قواتها تعمل في شرق أوكرانيا، إلا أن الأدلة الرسمية على نشاط روسي منظم هناك تم الكشف عنها مؤخراً بالخطأ، خلال محاكمة رشوة لتنضم إلى الأدلة السابقة على تورط روسيا في القتال، وغني عن القول أن روسيا أتهمت الولايات المتحدة في مساعدة “الثورات الملونة” في أوروبا الشرقية والتي استبدلت أنظمة موالية لروسيا بأنظمة موالية للغرب، في حالة أوكرانيا في عام 2014 كان هناك صدق في هذا الاتهام.

غالباً ما تهدف عمليات الاحتيال والخداع في هذا السياق إلى دعم التحركات الحربية سواء بشكل مباشر، كما هو معتاد في العمليات اليومية للحرب على الوعي وحرب المعلومات منذ القدم، أو من خلال خلق عدم الثقة في القيادة أو الانقسامات الداخلية في المجتمع، مما سيجعل من الصعب على الدولة الرد بشكل ناجع وقوي على التهديد الخارجي.

في السنوات الأخيرة تم استخدام الشبكات الاجتماعية و”مجموعات المواضيع” على نطاق واسع في هذه الشبكات، التي تعمل فيها جهات تابعة للدولة تحت هويات مزيفة وهمية لمستخدمين عاديين، لزرع المعلومات أو لتعزيز التوجهات التي ستخدم هذه الخطوة أيضاً على المدى القصير والبعيد، وحقيقة أن هذا الشيء يحصل إلا أنه ليس بالضرورة يكون ناجحاً.

هناك محاولات تُبذل أحياناً لتقويض مؤسسات الدولة من الداخل على نطاق واسع: في أوكرانيا، نجح الروس في اختراق واسع النطاق لأجهزة الاستخبارات، ليس فقط لغرض الحصول على معلومات من أوكرانيا، ولكن أيضاً لمنعها من جمع المعلومات والاستعداد بشكل فعال ضد أعمال الروس والميليشيات المحلية التي دعموها.

حتى أن أحد أجهزة الاستخبارات الأوكرانية كان في الواقع تحت سيطرة كاملة من الروس، فعندما تمكن الأوكرانيون من إقالة قادة الاستخبارات، كانت جميع المعلومات التي جمعتها الاستخبارات الأوكرانية قد تم تدميرها ولم يستطع الاوكرانيون استخدامها.

في أوكرانيا جرت اغتيالات أو محاولات اغتيال لمقاتلين متطوعين وقادة، مما ساعد على تقويض القتال ضد روسيا، ومن الطبيعي أن روسيا لم تتحمل مسؤولية هذه الأعمال.

إن عمليات من هذا النوع استخدمت التوترات العرقية لتبرير التدخل، بل وصعّدت التوترات لتبرير ذلك وابقت صراعات مجمدة لتكون ذريعة للتدخل الروسي، وتم استخدام دعم الانفصاليين في أوكرانيا ليس فقط لتبرير خطة التدخل الحالي، ولكن لإحداث التوترات التي من شأنها أن تؤدي إلى صعود القومية الروسية بين السكان من أصل روسي في أوكرانيا وجورجيا، وتطوير توجهات انفصالية في الجوار تشجيع التوترات العرقية والسياسية، وزيادتها يُستخدم لتعطيل رد البلد الهدف وجعل الوصول لسياسة موحدة وتطبيقها أمراً بالغ الصعبة عليها، وجعلها تنشغل في مشاكل داخلية، بينما هي تتعرض لهجمات أو عمليات من الخارج.

على المستوى التكتيكي، قطع المتظاهرون المحاور والطرق لتعطيل تحركات القوة العسكرية على الانفصاليين في قطاع دونباس” في أوكرانيا، لعلمهم أن الجيش الأوكراني سيجد صعوبة في العمل ضد المدنيين العزل بما في ذلك النساء والأطفال ولاستغلال الوضع للدعاية.

قبل عشرين عاماً من ذلك استخدم الشيشان وسائل مماثلة لإعاقة عدد من القوافل العسكرية الروسية من غزو الشيشان

من السهل ملاحظة أن أعمال الشغب العنيفة في “حارس الأسوار” وتبعاتها كان من الممكن تنفيذها كجزء من “معركة هجين” (هي معركة تستخدم فيها وسائل عسكرية وغير عسكرية) ضد “إسرائيل”: تشمل اضطرابات قومية تؤدي إلى أعمال شغب عنيفة واسعة النطاق تشل عمل قوات الشرطة وتُلقي بالرعب وتعطل الحياة وتعطل التحركات العسكرية وتسد الطرق الهامة وتزعزع ثقة الجمهور في الحكومة – كل هذه أساليب تم تنفيذها كجزء من الصراعات ويمكن تطبيقها في “إسرائيل”.

نظراً لأنه من الصعب إثبات التأثير الأجنبي أو المصداقية في الشبكات الاجتماعية، إلا أن التأثير على الأشخاص الرئيسيين ذوي الأهمية ليس من السهل دائماً إثباته، فمن المستحيل حقاً معرفة أنه لم يكن هناك مثل هذا التأثير في عملية “حارس الاسوار”، وأن حماس أو حزب الله أو غيرهما من الأعداء الاخرين لم يكن لهم علاقة بالأحداث والتحريض على وسائل التواصل الاجتماعي التي أدت إلى تأجيج أعمال شغب، صحيح أن هناك كثيرون أرجعوا سبب الأحداث إلى الإهمال والتمييز، على الرغم من أن جهات في المجتمع العربي زعمت أن أعمال الشغب كانت قومية، وأنها ستحدث مرة أخرى في وضع مماثل.

ولكن على أية حال يجب الافتراض أن أعداء “إسرائيل” قد استخلصوا الاستنتاجات من عملية “حارس الأسوار” وأنهم في المرة القادمة سيحاولون بنشاط تعزيز وتشجيع مثل هذا الموقف بأنفسهم.

الفشل النظامي: على “إسرائيل” أن تنظر

داخلياً:

لقد أوضحت عملية “حارس الأسوار” أنه بالرغم من أساليب التحليل النظامية التي تُستخدم في “الجيش الإسرائيلي” والجهات الأخرى منذ سنوات لمحاولة فهم العدو كنظام، إلا أن “إسرائيل” لم تفهم نفسها كنظام.

الحقيقة الواضحة بأن ما يحدث في الخارج وما يحدث في الداخل أثناء القتال ليسا منفصلين، وأن نقاط ضعف النظام لا تكون بالضرورة واضحة للعين، لم يتم استيعابها أو فهمها، لقد تم القيام ببعض الأشياء بالشكل الصحيح، مثل التأثير المعنوي الناتج عن وجود الدفاع الفعال على شكل نظام “القبة الحديدية”. حتى الاسم الذي تم اختياره “حارس الأسوار” شهد بأن “الجيش الإسرائيلي” فهم أن ما كان يحدث في القدس كان يؤثر على إطلاق النار من غزة، وأن الصراع ليس فقط حول ما يحدث على حدود غزة.

ومع ذلك لا يبدو أن العلاقة بين ما يحدث في الساحة الخارجية والداخلية قد تم فهمه بالكامل؛ لقد عملت “الشرطة” و”الجيش الإسرائيلي” وقوات الأمن الأخرى في عزلة تقريباً عن بعضها البعض، ولم يتم فهم أهمية السيطرة الداخلية أثناء القتال ولا التنسيق التنظيمي وأهمية العمل كنظام تجاه الداخل.

ويبدو أنه حتى على المستوى الحكومي كان التركيز بطبيعة الحال على المعركة ضد حماس، أما التعامل مع الأحداث الداخلية، جرى وكأنها أعمال شغب ثانوية وليس جزءاً من معركة.

على الرغم من حقيقة أن “الجيش الإسرائيلي” يُعلم جنوده أنه في الحروب غالباً لا توجد خطوط جبهة منتظمة، وعلى الرغم من فهم بعض مبادئ الحرب الهجين، نظر “الجيش الإسرائيلي” إلى عملية “حارس الأسوار” على أنها عملية تجري خارج خط مواجهة واضح، وإلى “الدفاع والهجوم” كحالات منفصلة تحدث في مناطق جغرافية مختلفة وهكذا تفاجأ بالأحداث.

ويتضح ذلك من خلال ردوده المحلية المتفرقة على سد الطرق التي تستخدم للتحركات العسكرية وتعطيل حركة المرور إلى القواعد العسكرية (مثل تعطيل طريق قاعدة نبطيم الجوية)، لا يتعلق الأمر فقط بعدم استخلاص الدروس من أحداث أكتوبر 2000 (على الرغم من أنه في السنوات العشرين الماضية، لم يتم التطرق إلى موضوع مرور القوات في وادي عارة ولا مره) بل أيضاً بالتصور أو المفهوم العملي بأن القتال سيبدأ في مناطق تجمع الجنود أو على خط الحدود وكل ما وراء ذلك ليس جزءاً من القتال نفسه.

كما كان واضحاً أن احتمال التهديد الداخلي والضغط على الجنود غير اليهود (في هذه الحالة على البدو بشكل خاص) لم ينظر إليه كمشكلة عملياتية، وعلى أي حال لم يتم القيام بأي عمل للتعامل مع مثل هذا الاحتمال الواقعي.

الشرطة نظرت أولاً الى الاضطرابات في المدن المختلطة من خلال منظور أعمال الشغب والاحتجاج السياسي، وسعت إلى خفض مستوى التوتر حتى عندما كان ذلك يعني عدم التدخل في أعمال الشغب. ليس هذا فقط، بل إن الشرطة لم تر الأثر الذي يمكن أن تحدثه أعمال الشغب أثناء القتال، بدءاً من منع تحركات القوات العسكرية على الطرق، إلى شل حركة قوى الأمن الداخلي وتقييد حريتهم في العمل وتعطيل الخطط الأمنية للدولة، انتهاءً بالتأثير السلبي على جنود الاحتياط الذين سيفكرون في الاستجابة للدعوة لحماية البلاد عندما يكون الثمن ترك أمن عائلاتهم في أيدي مثيري الشغب من الداخل.

في خضم العملية تحدث مدير عام الشرطة في اللد عن المستقبل عندما لا تكون هناك قوات شرطة منظمة، وفي جملة حظيت بأكبر قدر من الاهتمام أوضح أن الشرطة ستطبق القانون على كل من خالف الأمر وعلى كل من ارتكب أعمال تخريب، وهذا لا يهم الآن سواءً كانوا عرباً أو يهوداً فالإرهابيين من كلا الطرفين انتهكوا أمننا وطمأِنينتنا جميعاً.

كما يتضح مما سبق فإن الإطار النظري الذي عملت من خلاله الشرطة كان احلال النظام في مواجهات مدنية عنيفة، وليس منع التعطيل العملياتي والحفاظ على حرية عمل الدولة.

وبعد ما حدث أوضح المفوض أنه من اللحظة التي فهمنا فيها شدة الأحداث وعدد الأحداث التي وقعت في أقل من 24 ساعة، تم الرد في جميع أنحاء البلاد وفي غضون أربعة أيام تم القضاء على الانتفاضة، دون وقوع قتلى وبأقل الوسائل، صحيح أن هذا بالطبع اختلاف كبير عن التصريحات التي تم الإدلاء بها خلال العملية، إلا أن إطار الانتفاضة الداخلية يركز أيضاً على التهديد على “المجتمع الإسرائيلي” واقل على قضية حرية العمل العسكري “لإسرائيل”، على الرغم من أن الأمور بالطبع يرتبط بعضها ببعض.

الدروس المستفادة الجزئية

لقد اتخذ كل من “الجيش الإسرائيلي” والشرطة خطوات مهمة لتعلم الدروس من عملية “حارس الأسوار”، لكن يبدو أنه من دون الاعتراف بإمكانية أن تُستخدم الأحداث كتلك التي جرت في عملية “حارس الأسوار” كأدوات في الحرب أو القتال “الهجين” ضد “إسرائيل” سيكون الرد ناقصاً.

إن حقيقة أن غالبية السكان العرب لم يشاركوا في أعمال الشغب مُسلم بها، دائماً ما تقوم أقلية صغيرة بدور نشط في الاحتجاجات العنيفة وغير العنيفة، وفي القتال العنيف دائماً ما تشارك نسبة منخفضة جداً، وليس من قبيل المصادفة أن حركات حرب العصابات عادة ما تحتاج الى استخدام العنف ضد مؤيديها المحتملين أيضاً، من أجل الانتفاص من قوة الدولة ودفعهم للتحرك ومنعهم من الجلوس متفرجين.

ليس من فراغ عرّف الجنرال البريطاني “روبرت وميبسون” الانتفاضة بأنها ليست شعبية ولكنها وسيلة لتمكين أقلية صغيرة جداً وعازمة جداً من السيطرة على المواطنين، وإن تحسين الوضع الاقتصادي والحد من عدم المساواة غير الضروري (هدف مهم ومرغوب في حد ذاته) لن يقلل بالضرورة من هذه الأنواع من المشاكل خاصة إذا تم تجاهل أبعادها الدينية والعرقية.

يبدو أن احتمال ألا تكون الحالة المذكورة أعلاه ظاهرة معزولة، ولكن جزء من المعركة لم يتم استيعابه بشكل كافٍ، لا تزال الشرطة تنظر إلى مثل هذا التهديد على أنه مشكلة أعمال شغب، وتحدث “الجيش الإسرائيلي” عن إنشاء قوات لتأمين القوافل اللوجستية مكونة من قوات الاحتياط، وكان هناك حديث عن إنشاء حرس وطني (والذي يمكن اعتباره بمثابة إعادة إحياء الدفاع المدني) ومع ذلك، هنا أيضاً يوجد تركيز على جزء واحد من المشكلة.

على سبيل المثال تحدثت الشرطة و”الجيش الإسرائيلي” عن تجنيد احتياطي واسع النطاق، تجنيد الاحتياط لتأمين القوافل مرغوب فيه، لكن ليس من الواضح كيف ستعمل هذه القوات فعلياً في ظل غياب الصلاحيات والمهارات الشرطية التي تفتقدها، إن تجهيز القوات بوسائل تفريق المظاهرات أمر مهم، لكن التدريب والصلاحيات مطلوبان أيضاً في حالة أعمال الشغب العنيفة وخاصة في سيناريو سد الطرق من خلال المظاهرات غير العنيفة التي تمنع الحركة وتحقق هدف تعطيل العمليات العسكرية.

بالإضافة إلى ذلك يجب أن تؤخذ في الاعتبار حقيقة أن جنود الاحتياط لا سيما في المدن المختلطة وعلى طول الطرق والمحاور الإشكالية قد يجدون أنفسهم في معضلة صعبة حول الامتثال لخدمة الاحتياط أو رفض الامتثال من أجل البقاء في بيوتهم وحماية عائلاتهم وأصدقائهم من أعمال الشغب.

إن النقل الفوري لقوات حرس الحدود إلى الشرطة قد يساعد، ولكن يمكن أن يخلق مشكلة أخرى إذا تم استبدال قوات الشرطة الماهرة في الضفة الغربية بقوات احتياط أقل مهارة.

(في عملية “حارس الأسوار” كان معظم الفلسطينيين الذين قتلوا خلال أعمال الشغب حدث بعد استبدال قوات حرس الحدود بوحدات عسكرية، وكما ذكرنا فإن ارتفاع عدد القتلى حتى بين مثيري الشغب العنيفين لا يخدم دائماً أهداف إسرائيل)؛ كما أن تجنيد قوات احتياط حرس الحدود قد تتعطل نتيجة أعمال الشغب وإغلاق الطرق.

الرئيس السابق لشعبة التكنولوجيا واللوجستيات اللواء “ايتسيك ترجمان” قال إن وادي عارة ممر لا يجوز الاعتماد عليه أو مواجهته وأن هذا لا يستحق استثمار الموارد وأنه علينا الإستثمار أكثر في عدد القوات وأن لدينا طرق بديلة خططنا لها في حالة الحرب.

إذا لم يأت “الجيش الإسرائيلي” إلى وادي عارة – يمكن أن يأتي وادي عارة، كمفهوم، إلى “الجيش الإسرائيلي”: كما إن اغلاقات الطرق في العديد من الاحتجاجات في السنوات الأخيرة أثبتت انه ليس هناك حاجة إلى الكثير من المتظاهرين لإغلاق الطريق في غياب قدرة موثوقة على إخلائهم بسرعة. وفي النهاية حتى لو لم يكن “الجيش الإسرائيلي” ينوي عبور وادي عارة، فليس من الضروري تمرير هذه المعلومات إلى كل مخطط عملياتي لدى جانب العدو.

إن الأفكار مثل فرض حظر التجول على المناطق المجاورة هي أفكار عظيمة، بمعنى أنه ستكون هناك حاجة إلى العديد من القوات لفرضه في مواجهة مقاومة أو معارضة محلية له، علاوة على ذلك يمكن الافتراض أنه إلى جانب أعمال الشغب العنيفة كما رأينا في “حارس الأسوار” قد تكون هناك اضطرابات أكثر خطورة: بداية من القنص من أماكن عالية مُتحكمة أو إطلاق نار آخر، وكذلك استخدام الحوامات المتفجرة التي يصعب تحديد موقعها، ويسهل تشغيلها من بلدة على بعد أميال قليلة من الطريق، وقوات تأمين القوافل التي تتمركز على رأس الطرق لن تتمكن من المساعدة بعد سقوط القنبلة الأولى على شاحنة وقود أو ذخيرة.

ما العمل؟؟

أي نظرة إلى أحداث “حارس الأسوار” على أنها سلسلة من الأحداث المنعزلة هي نظرة خاطئة، كما أن العدو درس الأحداث التي كشفت نقاط الضعف في رد “إسرائيل” خلال العملية، وبما أن استغلال نقاط الضعف هو عنصر من عناصر “الحرب الهجين”، يجب على “إسرائيل” أن تتوقع ان تواجه السيناريو الأسوأ الذي يشمل جميع العناصر معاً.

تعتبر محاولات حزب الله لتهريب الذخيرة إلى “الأراضي الإسرائيلية” لاستخدامها مستقبلاً والتي تضاعفت منذ عملية “حارس الأسوار” مثالاً ممتازاً على كيفية فهمه للقضية (ويمكن الافتراض أنه إذا كان من الممكن تهريب الذخيرة عن طريق البر فسيكون من الممكن أيضاً تهريب حوامات تحمل أسلحة أو متفجرات والتي يمكنها في ظل ظروف معينة، عبور الحدود بمفردها).

من المهم التأكيد على أنه من وجهة نظر العدو لن يكون هجوم المواطنين اليهود على المواطنين العرب وحده إنجازاً، بل على العكس أيضاً، فإن توجيه قوات الشرطة لمهام قمع أعمال الشغب اليهودية سيعطل حرية عمل “إسرائيل”، فكلما جرت أحداث مثل محاولة الإعدام خارج نطاق القانون في مدينة “بات يام” أو محاولة مهاجمة سائقي الحافلات العرب في طبريا، ستحتار الشرطة فيما إذا كانت ستوجه القوات للسماح بفتح الطرق وحرية الحركة “للجيش الإسرائيلي” أم إلى قمع أعمال الشغب في المدن.

إن تقويض الثقة في الدولة الناتج عن التوترات الداخلية والشعور بانعدام الأمن لدى المواطنين سيكون أيضاً إنجازاً لأعداء “إسرائيل”، ومن المتوقع أن يحاول العدو تشجيع مثل هذه النتيجة ويسعى إليها. ويمكن أن يعمل نشر المعلومات الكاذبة في عدة أغراض واتجاهات، ومن أجل التعامل مع مثل هذا الاحتمال يجب على “إسرائيل” أولاً أن تعترف بوجوده، إذا اعتقد مختلف المسؤولون الأمنيون أن لديهم قضايا منفصلة تحدث بالصدفة في نفس الوقت فقد لا يكونوا مستعدين جيداً بما فيه الكفاية، يجب على “الجيش الإسرائيلي” والشرطة وقوات الأمن أن يستوعبوا أن الأحكام القديمة المتعلقة بميدان القتال غير الخطي، والمتعلقة باستخدام الوسائل غير الحربية صحيحة، وليس فقط من الخط الذي تهتم “إسرائيل” بوضعه، ولكن أيضاً وفقاً للظروف المناسبة داخله، وبناءً عليه يلزم تحسين التنسيق والإدارة.

المشكلة ليست “اضطرابات متعددة الساحات”، ولا هي “إغلاق طرق” أو حتى “مذابح”، المشكلة المحتملة هي “معركة هجين” يسعى فيها أعداء “إسرائيل” إلى حرمانها من حرية العمل أثناء القتال، ومن ثم مهاجمتها وضربها بشدة دون الحاجة إلى إطلاق وابل من القذائف صاروخية عليها، وبناء عليه يجب أن يبدأ الاستعداد قبل وقت طويل من اندلاع “الجولة التالية” ويجب أن يتم التعامل معها بطرق مختلفة، ولكن من نفس المنطق الذي يوجه التقدم في منطقة مأهولة بالسكان حيث قد تنشط فيها العناصر الإرهابية مع ضرورة تأمين التقدم والقواعد.

يجب أن يكون دور الحكومة في وقت الروتين هو وضع إستراتيجية طويلة المدى لتقليل فرصة اندلاع الاضطرابات الداخلية والصراعات العرقية بين المواطنين والإضرار بأمن “المواطنين الإسرائيليين” أثناء المواجهات والقتال مع الجهات الخارجية، ومع ذلك يجب عليها أن تستعد لحالة حدوث مثل هذا الاشتعال.

يجب على الحكومة نفسها أن تدير مثل هذه المعركة بطريقة موحدة، بموجبها يتم النظر إلى سير المعركة خارجياً وداخلياً على أنه عمل واحد بأجزاء مختلفة، وليس كعمليات منفصلة، في هذا الصدد يمكن لنا أن أن نتعلم مثالاً من عمل الملك الأردن عبد الله عندما كان هناك خطر اندلاع أحداث عام 2000 إلى الأردن، فإلى جانب إجراءات تخفيف الضغط، ظهر الملك عبد الله على شاشة التلفزيون مع قادة الأمن وحذر المتظاهرين من عواقب أعمال الشغب العنيفة، وأرسل قوات عسكرية في عربات مصفحة لإستعراض قوته حتى يمكنه إيصال الرسالة.

طريقة الاستخدام هذه تشبه في أساسها الطريقة الأمريكية لتشغيل الحرس الوطني داخلياً عند وجود تهديد للنظام والأمن

في حال جرى مثل هذه الأحداث فإنه يتعين على رئيس الوزراء والوزراء ورؤساء الأجهزة الامنية ذات الصلة، العمل معا ونقل رسائل علنية وصريحة حتى يتضح “لمواطني إسرائيل” ولأعدائها أن “إسرائيل” لا يمكن شلها “بمعركة هجين” وأنها لن تنحني أمامها.

وبالمثل أيضاً مكافحة الأسلحة غير المشروعة ليست مشكلة إجرامية فحسب بل هي مشكلة أمن قومي تهدف إلى منع الجريمة ومنع التخريب العنيف والانتفاضة الشعبية والإرهاب، ومنع تعطيل قدرة “إسرائيل” على العمل في المواجهات المستقبلية.

لا يمكن الفصل بين الأسلحة الإجرامية والأسلحة القومية، وبالتالي فإن العثور على الأسلحة والكشف المبكر للاستعدادات والتجمعات للقيام بالعنف يتطلب مشاركة مستمرة من جهاز الأمن العام “الشاباك ” والاستخبارات وهو من مجال الأمن القومي.

وبالطبع فإن الحذر والإشراف مطلوبان في ممارسة هذه الإجراءات حتى لا يتم التعدى على الحقوق المدنية” للإسرائيليين”، بالإضافة إلى ذلك هناك حاجة إلى التركيز الاستخباراتي لتحديد تأثير الجهات الخارجية المعادية على الاحتجاجات والاضطرابات المدنية من أجل تقليل المفاجأة ومنع تأثيرها قدر الإمكان.

ومن الواجب التركيز على منع سرقة الأسلحة من “الجيش الإسرائيلي”، سواءً من خلال زيادة الحراسة أو استخدام الوسائل التكنولوجية لمنع السرقة أو من خلال ملائمة تعليمات أطلاق النار (كما بدأ العمل في ذلك بالفعل) وإنزال العقوبة الشديدة على الجنود المتورطين في سرقة أو بيع الأسلحة – وينبغي التركيز بشكل خاص سواء على المستوى الوقائي أو مستوى العقوبة على حماية الجنود الغير يهود وأسرهم.

إن منع الضغط عليهم وقت السلم سيمنع هروبهم من الخدمة والاغتيالات أو الهجمات عليهم لاحقاً؛ يمكن أن يكون لموقف التسامح تجاه التهديدات الموجهة للجنود عواقب وخيمة، ويجب على الجيش والشرطة والقضاء بذل جهد خاص لحمايتهم وحمايتهم وأسرهم، وبنفس القدر التفكير لمنع الضغوطات وتوفير حماية خاصة لأبناء الأقليات (القصد غير اليهود) الذين يشغلون وظائف مدنية عليا.

على المستوى الوطني، من الضروري إعادة الدفاع المدني للحياة، وينبغي أن تكون مهمته هي الرد الأولي على الهجمات الإرهابية ومنع الهجمات العرقية، ومن الممكن تدريب مجموعات دفاع مدني من المقاتلين المتقاعدين لشغل وظائف متطوعي شرطة، وأن يكونوا قادرين على منع حالات التصعيد التي يحتمل أن تكون مميتة، أو منع المظاهرات من أن تصبح مذبحة.

إن وجود دفاع مدني أو “حرس وطني” قوي هو ضمان أن جنود الاحتياط في المناطق المعرضة للاضطرابات وأعمال الشغب سيأتون لأداء مهامهم عند الحاجة، ولن يضطروا إلى التفكير فيما إذا كانوا سيدافعون عن منازلهم أو يأتون، ومن الممكن الاعتماد على نموذج كتائب الدفاع المناطقي في الضفة الغربية وعلى الحدود لإنشاء قوات دفاع مناطقي داخل الخط الأخضر – باستثمار قليل نسبياً ومن جنود الاحتياط الذين تجاوزوا عمر وحدات رأس الحربة، لكنهم ما زالوا يصلحون لوظائف أمنية ثابتة نسبياً دون وزن مرتفع.

بقدر ما أن زيادة تجنيد حرس الحدود فكرة مرحب بها إلا إن تجنيدهم على مراحل، وتوزيعهم سيستغرق وقتاً، وهذه المراحل ستكون عرضة للاضطرابات؛ إن وجود قوة مدنية متاحة بسرعة يمكن أن يمنع الصعوبات في هذه المراحل، وتحت قيادة الشرطة – السماح للشرطة بالتعامل مع الاضطرابات قبل أن تتحول إلى أعمال شغب عنيفة على نطاق لا يمكن السيطرة عليه.

كما أنه يجب دراسة تخزين الأسلحة الشخصية لجنود الاحتياط بانتظام في نقاط الشرطة في أماكن سكناهم، بحيث يمكنهم الدفاع عن أنفسهم في طريقهم إلى خدمة الاحتياط وعودتهم منها، وليكونوا قادرين على الدفاع عن أنفسهم ويكون من الممكن استخدامهم للمساعدة في وقت أقصر عند استدعائهم، ولكنهم أيضاً سيكونون أقل عرضة لسرقة الأسلحة مقارنة بتخزينها في المنزل.

هناك حاجة إلى مركز قيادة مشترك “للجيش الإسرائيلي” والشرطة (من ضمنها حرس الحدود) وحتى الجهات المدنية ذات الصلة في المناطق المطلوبة من أجل إدارة جميع الشؤون الداخلية، وليس فقط فتح الطرق ولكن نهج كامل للأمن في “الأراضي الإسرائيلية” في حالة الطوارئ، بدءا بفرض النظام وانتهاءً بحرية الحركة والعمل.

يجب حشد وحدات الشرطة وشرطة الحدود الاحتياط بشكل آلي بمجرد الإعلان عن عملية كبرى، حتى قبل حدوث الدخول البري، وبناءً عليه، يجب أن تكون القرارات بشأن استخدام القوات والأولويات مطروحة حسب الأولويات الوطنية وليس بقرارات منعزلة من أي جهة أمنية.

وفقاً لذلك سيكون الدعم القانوني مطلوباً حتى لا يؤدي إلى سياسة “الباب الدوار” أو وضع عقبات غير ضرورية أمام عمليات الطوارئ، إذا كان النظام القانوني خلال فترة فك الارتباط تمكن من وقف وسجن المتظاهرين الذين هددوا بعرقلة عملية فك الارتباط في إجراء عاجل لا تحت النيران ولا عندما تعلق الامر بعمل عسكري بحت، فالأحرى القيام بذلك في حالة الحرب، على الرغم من أن القضية تقع حالياً في مركز الوعي العام إلا أن المشاكل الأخيرة تُنسى الأولى والروتين يطغى على الكل، وفقاً لذلك إذا تم تأجيل بدء الاستعدادات ولم يكن مفهوماً أن الأنظمة المعاصرة لها خط جبهة غير واضح حتى داخل الدولة وأن المشكلة هي مشكلة أمن قومي، قد تكلف الجولة القادمة “إسرائيل” ثمناً باهظاً أكثر بكثير.

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي