أصداء الشارع "الإسرائيلي"ترجمات

ثقب أسود ينهش في “الاقتصاد الإسرائيلي”

ترجمة الهدهد
هآرتس/ ناتي تاكر

لا يحب “بنك إسرائيل” الانخراط في الاقتصاد الأسود، على الرغم من أن البنك المركزي مسؤول عن شؤون العملة في الدولة، إلا أنه لم يجر بحثاً لاكتشاف مقدار الأموال المتداولة في الأسواق غير المرئية لأعين السلطات، يقدم كبار مسؤولي البنوك تفسيراً بسيطاً: لا توجد طريقة لمعرفة الحجم الحقيقي للاقتصاد الأسود، ومن العار إضاعة الوقت في دراسات لا أساس لها، قيل لنا في البنك “كل رقم صحيح”.

في عام 2006، صنف البنك الدولي “إسرائيل” في المرتبة 35 في العالم، حيث قيل إن 21 % من الناتج المحلي الإجمالي لم يتم الإبلاغ عنه، ومع ذلك في عام 2014، توصلت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى رقم مختلف تماماً، وهو أن الاقتصاد الأسود في البلاد يبلغ 6.6 % من إجمالي الناتج المحلي، على الرغم من أن هذا التقييم لم يتضمن تقديراً للدخل من الجرائم الجنائية.

إن آخر دراسة معروفة أجريت في “إسرائيل” حول هذا الموضوع أجراها “لبيب شامي” باحث أول في مركز تاوب لدراسات السياسة الاجتماعية، بناءً على استخدام النقد، كنسبة من إجمالي عدد المعاملات التجارية، وبحسب “الشامي” فإن نطاق النشاط الاقتصادي غير المبلغ عنه آخذ في التراجع، وفي عام 1996، بلغ “الاقتصاد غير الخاضع للمراقبة” كما يسميه التقرير 14% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما كان هذا الرقم في عام 2018، 10 %.

ويشير التقرير إلى أن هناك أربعة جوانب للاقتصاد الأسود:

  • نشاط قانوني، ولكن غير مُبلغ عنه، مثل المدفوعات تحت الطاولة للعمال المهرة.
  • النشاط الإجرامي مثل الاتجار بالمخدرات.
  • نشاط إنتاجي صغير الحجم وغير رسمي، مثل المبادرات المحلية التي تقوم بها الأسر الفردية.
  • العيوب الإحصائية الناجمة عن أوجه القصور في جمع البيانات من قبل الحكومة.

قال الدكتور الشامي لموقع TheMarker: “يشير الاقتصاد الأسود إلى كل الدخل أو كل الأعمال التي حصل عليها شخص ما أو أي نوع آخر من التعويضات، دون الإبلاغ عن ذلك، لكن هذا لا يعني الدخل النقدي فقط، إذا كنت سأجري دراسة وسيعوضني أحدهم بالإعلانات، حتى لو لم يتم تمرير الأموال بيننا، فسيتعين علينا الإبلاغ عن ذلك، لأننا دفعنا لبعضنا البعض بطرق أخرى، إذا لم نقم بالإبلاغ فإن ذلك يندرج تحت فئة الاقتصاد الأسود، التعريف الصحيح هو أي دخل يأتي من نشاط غير مُبلغ عنه، بما في ذلك الجريمة بالطبع”.

خلافًا لتأكيد ليبرمان أن “إسرائيل” في وضع خطير دولياً فيما يتعلق بحجم الاقتصاد الأسود، يؤكد شامي أن وضعنا جيد جداً في المقارنة العالمية، ولا تعتبر “إسرائيل” دولة ذات مستوى عالٍ من الاقتصاد الأسود، لا أعرف من أين حصل وزير المالية على الرقم الذي يقارب 20%، في الواقع يظهر هذا التقدير في نشرة رسمية، في إطار الاستنتاجات التي تم التوصل إليها في عام 2014 من قبل اللجنة التي كلفت بدراسة طرق الحد من استخدام النقد في القطاع الاقتصادي.

ويستشهد في تقريرها بتقدير من قبل مصلحة الضرائب يفيد بأن خُمس النشاط الاقتصادي هنا لم يتم الإبلاغ عنه، وخلصت اللجنة إلى أن خسارة الإيرادات الضريبية من الاقتصاد الأسود تتراوح بين 40 مليار شيكل و50 مليار شيكل سنوياً (حالياً حوالي 12.4 مليار دولار إلى 15.5 مليار دولار).

في “كيان العدو” بلغ النطاق العام لخطط المساعدة للتعامل مع جائحة فيروس كورونا حوالي 180 مليار شيكل (حوالي 56 مليار دولار)، ومع ذلك تم تضمين 130 مليارا فقط من ذلك في خطط الميزانية – أموال حقيقية أنفقتها الحكومة – بينما اتخذ الباقي شكل ضمانات، من استثمارات الميزانية تم تحويل جزء كبير من المبلغ مباشرة من الخزانة إلى المواطنين عبر هيئات مثل مؤسسة التأمين الوطني ومصلحة الضرائب.

وفقاً لبيانات أداء الميزانية لعام 2021، تم نقل حوالي 66 مليار شيكل مباشرة من الحكومة إلى مواطني الدولة في 2020-2021، ويشمل هذا المبلغ مدفوعات البطالة والإجازة من التأمين الوطني، ومساعدة الرعاية الاجتماعية للعاملين لحسابهم الخاص وعمل منحة لكل مواطن، في موازاة ذلك انتهج “بنك إسرائيل” سياسة توسعية بشكل خاص، ما خفض سعر الفائدة إلى 0.25 % في وقت مبكر من أبريل 2020، واشترت سندات حكومية بقيمة 85 مليار شيكل، وأتاحت القروض للبنوك بسعر فائدة سلبي من أجل تشجيعها على إقراض الأموال للشركات الصغيرة.

شهد العامان الماضيان زيادة حادة في حجم الأموال في الأسواق المختلفة، وكذلك في أيدي الجمهور من العملات المعدنية والأوراق النقدية، منذ بداية أزمة فيروس كورونا ارتفع المبلغ النقدي الذي يحتفظ به الجمهور بنسبة 30% ليبلغ 104 مليارات شيكل (حوالي 32 مليار دولار) في نهاية عام 2021.

ما الذي أدى إلى هذه الزيادة النقدية؟

كان السبب الرئيسي وراء ذلك هو حركة الكماشة التي دفعت فيها الحكومة، المزيد من الأموال “السائلة” إلى الجمهور من جهة، وتحول جزء منها إلى نقود، ومن جهة أخرى وبسبب أزمة فيروس كورونا وانخفاض الاستهلاك، ظل المزيد من السيولة في أيدي الأفراد، ولم يصبح جزءاً من معدل دوران الأعمال من خلال عمليات الشراء أو الودائع.

إذا قسمنا هذا المبلغ الهائل على عدد الأسر في “إسرائيل”، فستكون النتيجة مبلغاً غير معقول لكل أسرة، حوالي 40 ألف شيكل، ولا يبدو أن الارتفاع الحاد في كمية النقد في أيدي الجمهور ناتج عن عمليات السحب من أجهزة الصراف الآلي، وفقاً لـ ABS (الخدمات المصرفية المؤتمتة)، الشركة التي تدير النظام الوطني لمدفوعات بطاقات الائتمان، فقد انخفض حجم النقد المسحب من أجهزة الصراف الآلي للبنوك فعلياً من عام 2019 إلى عام 2020، من 57 مليار شيكل إلى 54 مليار شيكل، بينما في عام 2021 إلى 62 مليار شيكل.

أين هو المال إذن؟

الجواب بالطبع هو أن الأمر في أيدي الشركات، خاصة تلك التي لديها معدل دوران نقدي كبير، وعلى الأرجح، في أيدي هيئات غير رسمية تعمل على أساس نقدي من أجل البقاء تحت أنظار السلطات.

الانتقال إلى العملة الرقمية

حاولت “الدولة” في السنوات الأخيرة تنفيذ سلسلة من التحركات الهادفة إلى الحد من ظاهرة الاقتصاد الأسود، وبالتالي في يناير 2019، دخل قانون يقيد المعاملات النقدية بسقف معين حيز التنفيذ، واعتباراً من أغسطس 2022، سينخفض ​​هذا المبلغ إلى 6000 شيكل فقط، بالإضافة إلى ذلك تحاول مصلحة الضرائب منذ سنوات تقديم تقارير شاملة عن الدخل، بمعنى آخر سيكون كل مواطن ملزماً بالإبلاغ عن كل دخله، بينما تتلقى السلطات حالياً تقريراً عن الدخل من الموظفين الذين يتقاضون رواتب فقط، من صاحب العمل، الافتراض هو أن الإبلاغ الشامل سيؤدي إلى انكماش الاقتصاد الأسود.

من الطبيعي أن تؤدي التطورات الرقمية وإمكانات الدفع عبر الهواتف المحمولة إلى تقليل استخدام النقد، ومع ذلك تشك السلطات في أن الاقتصاد الأسود لا يزال واسع الانتشار نسبياً بين المجموعات الكبيرة التي لم تتبن التقنيات الجديدة، ولا سيما السكان العرب والحريديون في البلاد.

محاولة القضاء على الظاهرة في المجتمع العربي

تدرس الفرق الوزارية أساليب مختلفة لتقليص حجم المعاملات النقدية، تتمثل إحدى طرق القيام بذلك، والتي تم تجربتها بالفعل في بلدان أخرى، في التخلص التدريجي من بعض الأوراق النقدية الحالية واستبدالها بأخرى جديدة، خاصة فئة 200 شيكل، هذا من شأنه أن يجبر الأشخاص الذين يخزنون كميات هائلة من النقود على الإبلاغ عنها من أجل استلام الأوراق النقدية الجديدة، ومع ذلك فإن “بنك إسرائيل” متشكك في هذا الإجراء، لأسباب ليس أقلها أن العملية ستستغرق سنوات.

على أي حال يتحرك العالم بخطوات عملاقة نحو واقع لن تكون فيه العملة المادية موجودة، بالإضافة إلى الخيارات الحالية للدفع عبر الهاتف المحمول، فإن التحول إلى العملات الرقمية يلوح في الأفق، ويعمل بنك “إسرائيل” بالفعل على إنشاء شيكل رقمي، هل سيتم القضاء على الاقتصاد الأسود في عالم رقمي؟ من السابق لأوانه الحديث، لكن التاريخ يظهر أن كل محاولة من قبل الدولة لتشديد قبضتها على السوق وكبح المتهربين من الضرائب، تولد أساليب جديدة لخداع السلطات وإجراء المعاملات خلف الكواليس، دون أن ترصدها أعين الدولة.

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي