أخبار رئيسيةتقدير موقففلسطينيو 48

التوتر في النقب: أزمة مُتعددة الأبعاد

التوتر في النقب: أزمة مُتعددة الأبعاد يمكن أن تتطور إلى احتكاكات يهودية عربية واسعة النطاق تؤثر على الوضع في النظام الفلسطيني

ترجمة الهدهد
الدكتور ميخائيل ميلشتاين
باحث أول في معهد السياسات والاستراتيجيات

إن الاشتباكات العنيفة التي اندلعت مؤخراً في النقب بين السكان البدو وقوات الأمن ورافقتها حواجز على الطرق وإتلاف مركبات وأعمال التخريب هي أشد الاحتكاكات التي يشارك فيها الوسط العربي منذ أحداث مايو 2021 التي اندلعت في ظل عملية “حارس الأسوار”.

كانت الذريعة لاندلاع أعمال الشغب هذه هي معارضة أفراد قبيلة الأطرش من منطقة عراد لعملية غرس الأشجار التي بدأها “الصندوق القومي اليهودي” في الأراضي التي يدعي السكان البدو ملكيتها، لكن من الناحية العملية هذه الأحداث يغذيها عدد من نقاط الأزمات التي يتسبب اجتماعها في وقت واحد في انفجارات في الوضع.

نقطة البداية

إن التوتر بين السكان البدو ومؤسسات الدولة، والذي يرتكز على مزاعم مستمرة منذ فترة طويلة بشأن الظلم والتمييز ضد البدو فيما يتعلق بتقديم الخدمات المدنية والتنمية الاقتصادية، وعدم حل النزاعات المتعلقة بتنظيم البناء واستخدام الأراضي الزراعية، لا سيما في البلدات غير المعترف بها، والضعف المتنامي للدولة في بسط القانون والحكم في منطقة النقب، وهو ما يتجلى في أنشطة “العصابات الإجرامية” المكونة من مواطنين بدو ينخرطون في سرقة الأسلحة وتهريب المخدرات والأسلحة وتحصيل أموال الحماية مع إلحاق ضرر جسيم بنسيج حياة السكان اليهود وكذلك العرب.

التوتر الداخلي في القيادة العربية في “إسرائيل”

يعتبر الوسط البدوي في الجنوب معقلاً رئيسياً لـقوة حزب “راعم” (جاء حوالي 40٪ من أصوات الحزب من هذه المنطقة) وينظر إليه على أنه الساحة التي ملزم فيها الحزب إظهار إنجازاته، ويدرك خصوم منصور عباس في الوسط العربي وخاصة قادة القائمة المشتركة والجناح الشمالي للحركة الإسلامية أن هذه هي الخاصرة الضعيفة “لحزب راعم” ويحاولون منذ أسابيع توتير الأجواء وإثارة مشاعر الجمهور البدوي، لإثبات أن منصور عباس يبدو عاجزاً عن معالجة قضاياهم وحلها.

وبرز في هذا السياق الشيخ رائد صلاح رئيس الجناح الشمالي ونائبه الشيخ كمال الخطيب، اللذان يركزان منذ فترة طويلة على المنطقة الجنوبية ويحاولان تشجيع الاشتباكات بين سكانها الفلسطينيين و”الدولة”، هذا على النقيض من “حزب راعم” الذي وقف إلى جانب السكان البدو عندما بدأت الأزمة، لكن معظم أعضائه بقيادة عباس عملوا طوال الفترة الماضية على تهدئة الأجواء في الجنوب.

أزمات السكان البدو

كما في أحداث أيار، تعكس الاشتباكات الأخيرة أزمات في المجتمع العربي بشكل عام والبدوي بشكل خاص، وفي هذا السياق تبرز مرة أخرى المشاكل الأساسية لجيل الشباب المنفصل العاجز (الذي كان في طليعة الاشتباكات العنيفة في مايو والآن)، وضعف معظم القيادات العامة (رؤساء المجالس المحلية ورؤساء العشائر)، خاصة عندما يتعلق الأمر بفرض سيادتهم على الشباب وكذلك قوة التنظيمات الإجرامية التي قيل إن بعضها متورط في إثارة الرأي العام العربي، ربما من أجل التخفيف من الضغط المتزايد الذي تمارسه الشرطة مؤخراً على تلك العناصر نفسها.

جهود التحريض من قبل حماس

منذ اللحظة التي اندلعت فيها الأحداث في الجنوب، تحاول حماس إشعالها وتقديمها كجزء من نضال وطني فلسطيني واسع ضد “إسرائيل” يجري في وقت واحد في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس، إن جهود حماس التحريضية لا تؤثر فعلياً على الجمهور البدوي، لكنها تعكس المنطق الاستراتيجي للحركة في الوقت الحاضر والذي أهمه محاولة الحفاظ على الأداة التي تم تطويرها في عملية “حارس الأسوار”، وهي إلهاب مشاعر الجمهور العربي في “إسرائيل” وتحريضه، لقد كانت الحركة تأمل أن تتحول منطقة الصفة الغربية إلى ساحة صراع ومواجهة.

ومع ذلك أصيبت بخيبة أمل من هذا، لكنها فوجئت إيجابياً عندما اكتشفت أن لديها القدرة على إثارة الساحة الداخلية في “إسرائيل”، كما تواصل حماس محاولتها لإرساء معادلة جديدة يمكن بموجبها تعزيز أو تشجيع التحركات العنيفة ضد “إسرائيل” في الضفة الغربية أو القدس أو لدى فلسطينيي الداخل، وترك قطاع غزة خارج دائرة العنف والتوضيح أنه إذا تم تجاوز “الخطوط الحمراء” (على سبيل المثال بخصوص التطورات في الحرم المسجد الأقصى أو بحصوص الأسرى الأمنيين)، فإنها تحتفظ لنفسها بالحق في خرق الترتيب الناشئ في قطاع غزة والرد بعنف من هذه المنطقة.

 

أزمة النقب لم تنته بعد

من المحتمل أن تتكرر الاشتباكات التي حدثت في الفترة الماضية في المستقبل القريب وتكون أكثر حدة، وقد تؤثر مثل هذه الديناميكية على بؤر ساخنة أخرى في المجتمع العربي وخاصة المدن المختلطة، حيث يستمر التوتر فيها بعد أحداث مايو.

وقد يؤدي هذا إلى تكرار الاحتكاكات بين الجمهور والشرطة، أو حتى أعمال شغب واشتباكات عنيفة واسعة النطاق بين المواطنين العرب واليهود، ويمكن لمثل هذا السيناريو أيضاً أن ينعكس على الواقع في النظام الفلسطيني، وعلى وجه الخصوص دفع القوى في قطاع غزة بما في ذلك حماس، للرد بعنف على ما يحدث داخل “إسرائيل”، وتقديمه كما ذكرنا على أنه “خط أحمر” يمكن للتنظيم بسببه أن ينتهك الترتيب في المنطقة.

وبما أن هذه أزمة متعددة الأبعاد يجب على الدولة تقديم حل متزامن على عدة مستويات:

  • يمثل تركيز الجهود على بسط الحكم والقضاء على ظاهرة الفوضى مع الاستمرار في محاربة التنظيمات الإجرامية (تجريم واعتقال أعضائها)، وتطبيق القانون في البلدات البدوية والقضاء على آثار “رسوم الخاوة” والحماية وحيازة الأسلحة والاتجار بها بشكل غير قانوني، هذا بالإضافة إلى النشاط المركز ضد العناصر التي تورطت في الاضطرابات الأخيرة واتخاذ خطوات إنفاذ للقانون من شأنها ردع الآخرين عن المشاركة فيها.
  • تسريع إجراءات تقديم المساعدات المدنية – الاقتصادية، لا سيما تلك التي تستهدف جيل الشباب، بما في ذلك تعزيز البرامج التي نشأت من المجتمع البدوي (على سبيل المثال، AJIC – ومعهد النقب) لفترة خدمة للشباب يخدمون فيها المجتمع ويعملون ضمن المؤسسات التي ترعاها الدولة.
  • وقف تأثير المتطرفين في صفوف الجمهور البدوي، وخاصة الجناح الشمالي للحركة الإسلامية الذي جعل النقب هدفاً رئيسياً لكسب موطئ قدم فيه مع الاستفادة من الحساسية القائمة ومحاولة استغلالها ضد الدولة وضد حزب “راعم”.
  • الإسراع في التسوية المتعلقة بمسألة الأراضي والبدلات غير المعترف بها، بالاعتماد على التشريعات القانونية والهيئات والخطوات التي تم إنشاؤها بالفعل والمصادقة عليها ووضعها في الميزانية.
  • وضع “خط أحمر” أمام حماس فيما يتعلق بتحريض وإثارة المشاعر في المجتمع العربي، مع إيصال رسالة إليها مفادها أن استمرار تصرفاتها سيحد من المبادرات المدنية غير المسبوقة التي دأبت “إسرائيل” على الترويج لها تجاه قطاع غزة في الأشهر الأخيرة دون تدفيعها ثمناً مقابل ذلك بل إنه سيدفع “إسرائيل” إلى التفكير في رد عسكري (من بين أمور أخرى على خلفية جهود حماس المستمرة لتوجيه الإرهاب من قطاع غزة إلى الضفة الغربية).
  • يرتبط التوتر في النقب ارتباطاً وثيقاً بأحداث مايو وآفة العنف والجريمة، التي لا تزال تتصاعد في المجتمع العربي، كل هذا يجب أن يوضح للحكومة والجمهور في “إسرائيل”، أن ما يحدث اليوم في المجتمع العربي له انعكاسات استراتيجية على الدولة لا تقل عن التحديات الخارجية، والتي تتطلب اليقظة وخاصة رد يجمع بين جهود إنفاذ القانون والنشاط المدني، فأحداث النقب تجري في ظل اختبار مصيري للعلاقة بين المجتمع العربي والدولة والجمهور اليهودي، وسيؤثر شكل تطورها على مسألة ما إذا كان الطرفان سيكونان قادرين على تعايش أكثر استقراراً ما كان عليه في الماضي، أم إلى احتكاكات أكثر.

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي