أخبار رئيسيةتقدير موقف

هذا وقت التفكير بشكل مُختلف

ترجمة الهدهد
تقرير كتبه موظفو معهد السياسات والاستراتيجيات (IPS)
بقيادة اللواء (احتياط) عاموس جلعاد

إن الواقع الاستراتيجي آخذ في التغير ويتطلب مبادرة سياسية – أمنية تعالج التهديدات والفرص التي تنطوي عليها، تتمتع “إسرائيل” باستقرار أمني واقتصادي، وهي في تحالف استراتيجي مع الولايات المتحدة وتحافظ على تعاون استراتيجي مع الدول السنية في إطار “اتفاقيات أبراهام” وتتمتع بتفوق عسكري واضح على منافسيها الإقليميين.

ومع ذلك فإن الاستراتيجية الإيرانية الشاملة التي تسعى باستمرار وبوتيرة أسرع خلال العامين الماضيين إلى تعزيز نفوذها الإقليمي، من خلال استخدام القوة وقمع الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين، إلى جانب تطوير قدراتها النووية التكنولوجية، تنجح في إرساء قوة ردع فعالة ضد المعسكر السني، وتشكيل تحدٍ أمني متعدد الأبعاد وطويل المدى ضد “إسرائيل”.

“إسرائيل” مطالبة بصياغة استراتيجية شاملة لكبح إيران في المنطقة ومنعها من الوصول إلى قدرة نووية مع تعزيز التعاون الاستراتيجي مع الولايات المتحدة ودول المنطقة.

تقترب الجولة الحالية من المحادثات في فيينا، والتي بدأت في 27 ديسمبر من مرحلة الحسم، على الرغم من بقاء الفجوات الكبيرة بين الطرفين كما هي، وأشار وزير الخارجية الأمريكي أنطوني بلينكن الأسبوع الماضي إلى اعتقاده بأنه لم يتبق سوى القليل من الوقت عدة أسابيع على الأكثر، لاتخاذ قرار بشأن العودة إلى الاتفاق النووي.

مع اقتراب إيران من نقطة يمكنها فيها إنتاج ما يكفي من المواد المخصبة للتقدم لصنع السلاح النووي، وحذر بلينكين من أن الولايات المتحدة ستكون على استعداد للنظر في خيارات أخرى في حالة فشل المفاوضات.

من ناحية أخرى تنتهج إيران استراتيجية تأخير المفاوضات في فيينا والمطالبة بإلغاء نظام العقوبات بما يتجاوز ما تم تحديده في الاتفاقية الأصلية، ومنع إعادة سن عقوبات مستقبلية ضدها، وتخزين أجهزة الطرد المركزي المتقدمة وليس تفكيكها.

هدف إيران هو العودة إلى الاتفاقية النووية الأصلية بشروطها، مع الاستفادة من رغبة الولايات المتحدة في العودة إلى الاتفاقية وتأسيس تغييرات اقتصادية والحفاظ على التقدم التكنولوجي الذي تحقق حتى الآن في المجال النووي.

في الوقت نفسه تستخدم إيران وسائل ضغط على الولايات المتحدة من خلال الصواريخ والطائرات بدون طيار الانتحارية، التي يطلقها وكلاؤها والمليشيات الشيعية ضد أهداف أمريكية في سوريا والعراق، وفي أخطر حادث حتى الآن في سلسلة الهجمات المتعلقة بذكرى اغتيال قاسم سليماني (3 كانون الثاني) أطلقت أربعة صواريخ على السفارة الأمريكية في بغداد “في المنطقة الخضراء” على الرغم من أنها لم تحدث إصابات في الأرواح، لكنها أوضحت مدى الجرأة الإيرانية في استخدام القوة ضد الولايات المتحدة، وأدى الهجوم إلى تحذير شديد من لإيران من قبل البنتاغون بأنه إذا استمرت الهجمات فإن الولايات المتحدة سترد.

ومع ذلك فإن تراجع الردع الأمريكي في الشرق الأوسط وعدم الرد حتى الآن، على الرغم من رغبة الولايات المتحدة في دفع المحادثات النووية وتجنب الانجرار إلى معركة مباشرة ضد إيران يشجع على المزيد من استخدام القوة من قبل وكلاء إيران وميلشياتها ضد الولايات المتحدة وحلفائها، وكجزء من ذلك تصاعدت المعركة في اليمن في الأسابيع الأخيرة بعد إطلاق الحوثيين الصواريخ الباليستية على الأراضي السعودية (25 ديسمبر)، واختطاف سفينة إماراتية في البحر الأحمر (3 يناير)، وهجوم بطائرات بدون طيار على المطار الدولي والمنطقة الصناعية في أبوظبي (17 يناير) ما أسفر عن مقتل ثلاثة عمال أجانب وستة جرحى.

وأدان مجلس الأمن بشدة عملية اختطاف السفينة، داعياً إلى حرية الملاحة في مسارات الإبحار الدولية في خليج عدن والبحر الأحمر، لكن عدم الرد العسكري من قبل الولايات المتحدة وحلفائها على تحركات إيران في سوريا والعراق واليمن، يقود المعسكر السني وخاصة الإمارات والسعودية إلى تعزيز العلاقات الثنائية مع طهران، وتعزيز الحوار المباشر معها.

إن السياسة الأمريكية تفرض على دول المعسكر السني إجراء تغييرات في سياساتها الإقليمية تجاه إيران في ظل التقدير بأن الدعم الأمريكي غير موثوق به.

في الوقت نفسه، يتركز الاهتمام العالمي على تطور الأزمة في أوكرانيا، وتطالب روسيا من الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي بضمانات بأن الناتو لن يتوسع شرقًا إلى أوكرانيا، أو يقبل المزيد من دول الاتحاد السوفيتي السابق في عضويته، وتدعو إلى سحب الأسلحة والقوات العسكرية من وسط وشرق أوروبا، وشدد وزير الخارجية الروسي لافروف على أن “روسيا لن تنتظر إلى الأبد” رد الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي على مطالبها، وأن لدى موسكو عددًا من الخيارات التي يمكن أن تمارسها في حالة رفض مطالبها، وقد قوبلت معظم مطالب روسيا حتى الآن برفض صريح من قبل الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، اللذين شددا على أن روسيا ستدفع ثمناً باهظاً إذا لجأت إلى الخيار العسكري.

إن التوتر المتزايد يختبر تصميم وقدرة الولايات المتحدة على منع التحركات الروسية التي نشرت حتى الآن أكثر من 100000 جندي على الحدود مع أوكرانيا، فيما لم تنته الجهود الدبلوماسية بعد، لكن الفشل الأمريكي في هذه الساحة قد يكون له عواقب أمام الصين وإيران والشرق الأوسط.

وفي سياق ذلك يعتبر التفاهم الأمريكي الروسي في المسألة النووية الإيرانية أمرًا بالغ الأهمية في القدرة على صياغة اتفاقيات دولية في المحادثات النووية في فيينا وحتى على التقدم لاحقًا نحو اتفاقية.

كما أن إظهار الضعف الأمريكي في الأزمة في أوكرانيا سيؤثر على مكانة الولايات المتحدة واستقرارها في الشرق الأوسط وقوتها الرادعة، وقد يكون لذلك تداعيات من حيث إعادة انتشار المعسكر السني الموالي لأمريكا في المنطقة وفي زيادة البصمة والنفوذ الروسي والصيني في الشرق الأوسط، وفي استعداد إيران ومحورها الراديكالي لتحمل المخاطر في بناء القوة و الاحتكاك مع “إسرائيل”.

في السياق المحلي، فإن القضية الفلسطينية هي عنصر قد يقوض “الإستراتيجية الإسرائيلية” في المنطقة ومع الولايات المتحدة، إن عدم وجود استراتيجية شاملة و”الرغبة الإسرائيلية” في “تقليص” الصراع وإدارته بدون أفق سياسي يخلق شعوراً بالاستقرار الوهمي في ظل تعزيز وزيادة النشاطات والأعمال الاقتصادية – المدنية من جهة، ونشاطات “جز العشب” العسكرية من جهة أخرى.

إن هشاشة السلطة الفلسطينية في ظل الخطاب المتزايد حول “اليوم الذي سيلي” أبو مازن وجهود حماس المستمرة لإشعال الأوضاع في الضفة الغربية والقدس والمجتمع الفلسطيني في “إسرائيل” يزيد من حدة الاحتكاكات العنيفة في المنظومة الفلسطينية، ما قد يصرف الانتباه عن القضية الايرانية ويركز على القضية الفلسطينية.

على وجه التحديد، تحاول حماس إنشاء معادلة جديدة للعمل ضد إسرائيل بعد عملية “حارس الأسوار”. فمن ناحية هي تهدد “بالخطوط الحمراء” التي من أجلها انتهكت حماس التهدئة وهي: (القدس، والأسرى، والآن أعمال الشغب في النقب)، بل إنها تعمل على صياغة رواية لنضال وطني فلسطيني شامل ضد “إسرائيل” (يخدم زعامتها في اليوم التالي).

ومن ناحية أخرى تدفع تجاه ترتيب في غزة يؤسس لحكمها.

إن الافتقار إلى “استراتيجية إسرائيلية” شاملة في كل من قطاع غزة والضفة الغربية وفي قلبها أفق سياسي يعزز مكانة السلطة الفلسطينية ومفهوم الفصل مع استمرار “دينامية الجولات” يخدم حماس التي تحاول ترسيخ مكانتها كزعيم وطني للساحة الفلسطينية.

توصيات

  1. إن إعادة توقيع الاتفاق النووي بين القوى وإيران قد يترك بين يدي طهران القدرات والعلوم التكنولوجية المتطورة، إلى جانب تعزيز الاقتصاد المحلي بعد رفع العقوبات وزيادة التجارة مع دول المنطقة والنظام الدولي.
    في هذا السيناريو ستكون “قدرة إسرائيل” على التحرك محدودة في مواجهة ضغوط القوى ولا سيما الولايات المتحدة من أجل حفاظ على الاتفاقية التي تم توقيعها ومنع تقويض الاستقرار الإقليمي، يجب على “إسرائيل” صياغة سياسة مدمجة تعمل ضمنها على تعزيز الحلف الإستراتيجي مع الولايات المتحدة إلى جانب تعزيز وتقوية التعاون المشترك والتنسيق العسكري الاستخباري، وبناء قوة مخصصة تسمح لها بالعمل بشكل مستقل في حال تجاوزت إيران الخطوط الحمراء في المجال النووي.
  2. علاوة على ذلك فإن تجديد الاتفاق النووي سيؤدي على الأرجح إلى سباق تسلح تقليدي لجميع دول المنطقة بأسلحة غربية وروسية وصينية متطورة، ويجب على “إسرائيل” صياغة سياسة إقليمية متوازنة تعمق من خلالها التعاون الأمني ​​العسكري مع دول الخليج ومصر والأردن من أجل صد النفوذ والتخريب الإيراني في المنطقة مع الحفاظ على التفوق النوعي “للجيش الإسرائيلي”.
  3. يجب أن تستكشف “السياسة الإسرائيلية” بين المصالح المتضاربة، وأن تخلق مساحة للمرونة تتيح التقدم في التعاون الإقليمي مع الحفاظ على القوة التكنولوجية والقوة البشرية، والتآكل في التفوق النوعي “للجيش الإسرائيلي”، من خلال تسرب التقنيات المتقدمة ورأس المال البشري وأساليب التشغيل الفريدة سيعرض “أمن إسرائيل” على المدى الطويل للخطر، على الرغم من الفوائد التي يجسدها هذا الشيء على المدى القصير في المواجهة مع إيران.
  4. يجب أن تستغل “إسرائيل” الفرص في الديناميكيات الإقليمية لتعزيز أهدافها الاستراتيجية، وعلى رأس ذلك طرد إيران من سوريا ولبنان والحد من خطر إطلاق النيران الدقيقة على” إسرائيل” ومنع إيران من الوصول إلى قدرة العتبة النووية.
    في هذا السياق يمكن لتوسيع المعركة التي بين الحروب في سوريا ضد أهداف إيرانية “العصا” جنبًا إلى جنب مع الاستعداد للاعتراف بنظام الأسد، والترويج لإعادة إعمار البلاد بالتنسيق السياسي والأمني ​​مع الدول العربية وروسيا “الجزر” أن يشكل استراتيجية فعالة للحد من النفوذ الإيراني في الدولة.
  5. يجب على “إسرائيل” أن تواصل تعزيز التنسيق الأمني ​​والمساعدات المدنية – الاقتصادية، مع تعزيز السلطة الفلسطينية في بسط حكمها وسيطرتها وكبح حماس على الأرض وتعزيز الردع ضدها.
    أما في سياق التوترات في النقب يجب على “إسرائيل” أن تشير بوضوح إلى حماس بأن جهودها المستمرة لتوفير الأجواء بين المواطنين الفلسطينيين في “إسرائيل” -فلسطينيي 48- والهاب مشاعرهم أمر غير مقبول وستتحمّله الحركة وسيكلفها ثمنا، بشكل رئيسي على شكل الحد من الخطوات و”التسهيلات الإسرائيلية” واسعة النطاق التي تدفع بها “إسرائيل” تجاه قطاع غزة، على المدى الطويل تحتاج “إسرائيل” إلى صياغة استراتيجية شاملة تشير إلى أفق سياسي لتحقيق مفهوم الفصل، من أجل وقف العملية الزاحفة لتحقيق “الدولة الواحدة” ومنع حدوث أزمة في العلاقات مع واشنطن.
  6. تؤثر الأزمة في أوكرانيا على هيكلية الأمن العالمي والإقليمي، يمكن تفسير الأزمة الحالية أيضًا على أنها نتيجة التوق الغربي للاستقرار وتجنب المعارك العسكرية في عصر الأزمة الصحية والاقتصادية العالمية، يجب على “إسرائيل” الامتناع قدر الإمكان عن التدخل في الأزمة في أوكرانيا نظرًا لضرورة الحفاظ على التنسيق الاستراتيجي مع روسيا في سياق “المعركة التي بين الحروب” في سوريا، وفي الوقت نفسه تعزيز التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة بقدر ما المستطاع.

أضف تعليقك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى