أخبار رئيسيةدراسات

الموقف بين (ادعاءات) كوخافي و(حقائق) بريك!!

شبكة الهدهد
✍️⁩ عبد الله أمين الخبير الأمني والإستراتيجي

إن المتابع للشأن العسكري الصهيوني يلاحظ أن جيش الكيان كثير المناورات كثير التدريبات؛ في الداخل، وفي الخارج مع كثير من الدول، فلا يكاد يمر شهر من الأشهر دون قراءة أو سماع خبر حول مناورة هنا أو تدريب هناك، الأمر الذي يحمل البعض على تصور أن هذا الجيش من المهنية والحرفية والكفاءة القتالية ما لا يضاهيه جيش من جيوش المنطقة.

فضلاً عن التنظيمات غير الدولتية من مثل حركتي حماس وحزب الله، وسائر حركات المقاومة الفلسطينية التي تناصب هذا الكيان العداء وتعد العدة وتراكم القوة لخوض المعارك تلو المعارك معه.

لكن اللافت في الأمر أيضاً أن أكثر هذه المناورات أو التدريبات على كثرتها وتكررها تقوم وتخوض وترتب إجراءاتها بناء على نمط معين من التهديدات؛ فهي إما لمواجهة رشقات صواريخ قد تسقط على الداخل الفلسطيني المحتل من جبهات القتال الشمالية أو الغربية، أو من جبهات القتال في دائرة التهديد الثالثة التي رسمها الكيان حول نفسه والتي تشمل دولاً مثل العراق واليمن وإيران، وأحياناً أخرى تكون فرضية المناورة أو التدريب قائمةً على أساس مواجهة عمليات نفوذ عسكري تفصل أجزاءً من جغرافيا فلسطين الشمالية أو الغربية مع حدود غزة عن مناطق سيطرة العدو وجيشه.

وهنا تجدر الإشارة إلى معنى مهم يعلمه كل صاحب اختصاص عسكري خلاصته أن كثرة المناورات والتدريبات وتكرارها لنفس الأسلحة والصنوف وبنفس فرضيات المخاطر والتهديدات وإن حملت في طياتها فوائد ودروس وعبر؛ لكنها في  الوقت نفسه تنطوي على مخاطر وتهديدات للتشكيلات المناورة وقادة الصنوف العاملة؛ ليس أقلها عدم الثقة بالخطط الموضوعة والإجراءات المتبعة، كون كل مناورة وكل تدريب يخاض بناءً على خطة عمل وإجراءات تعبوية قد تتفق وقد تختلف عن سابقاتها، الأمر الذي يترك الجنود في المستوى الأدنى من التشكيلات والصنوف القتالية والذين يلقى على عواتقهم مهمة خوض الحرب وتحقيق أهدافها؛ يتركهم في حيرة من أمرهم وحالة من عدم الاستقرار، ناتجة عن كثرة الخطط والتمارين والمناورات.

وهنا مربط الفرس ومعقد الراية، وربطاً لما سنأتي عليه من معطيات وتحليل بعنوان هذه الورقة؛ فرئيس هيئة أركان جيش العدو الجنرال “أفيف كوخافي” وقادته وضباطه يكثرون من الحديث والادعاء أن تشكيلاتهم القتالية وصنوف أسلحتهم المختلفة تتمتع بكفاءة وجاهزية قتالية عالية، وأنها مستعدة للخروج لأي عملية قتالية في دائرة الدفاع الداخلية ــ الضفة الغربية وغزة ــ أو في الدائرة الثانية حيث دول الطوق الفلسطيني، أو في الدائرة الثالثة في جغرافيات بعيدة مثل اليمن أو إيران حال صدور القرار السياسي، الأمر الذي نعتقد أنه يحمل شيئاً من الحقيقة إن تعلق الأمر بالجبهتين القريبتين حيث الضفة الغربية وغزة؛ وكثيراً من الادعاء إن تعلق الأمر بجبهات بعيدة حيث اليمن والعراق وإيران.

وهنا نفتح قوسين لنقول إننا نعني بالعمليات العسكرية ذاك النوع الذي لا يقتصر فقط على الطلعات الجوية أو الاشتباك مع الأهداف الأرضية عبر وسائط القتال الجوالة والذكية؛ الجو أرضية أو الأرض أرضية، فهذا النوع من العمل وإن عُدّ عسكريَ الطابع؛ إلا أنه ظرفي الزمان، مجهول الصاحب ــ ضمناً ـــ من حيث التنفيذ، معلوم العنوان ــ فعلاً ــ من حيث مركز الانطلاق؛ لذلك يعامل معاملة خاصة لا تستدعي الخروج لعمل كلاسيكي، ما لم (يَجبِ) هذا العمل دماءً كثيرة وخسائر غير قابلة للجبران.

لذلك تأتي هذه الورقة لتبحث وبشكل سريع فيما يزعم الكاتب أنه لا يعدو (ادعاءً) من -الضابط كوخافي- معني بأن يقدم صورة مشرقة لما يأتمر بأمره من قوات أمام من يراقب عمله من مرجعيات، تضحدها ما يقدمه -الضابط بريك- كان بالأمس القريب ولما يقارب من عشرين سنة مسؤولاً عن تلقي شكاوى الجنود والضباط لما يعترض سبل عملهم من مشكلات وعقبات وتحديات.

فإذا جئنا للحديث عن العنوان الرئيسي وخلاصة ما يدعيه “الجنرال كوخافي” فخلاصته أن قواته لديها الجاهزية الكاملة لخوض الحروب وإدارة الصراعات الخشنة؛ بشرط أن يتوفر لها الغطاء السياسي الذي تخوض بناءً عليه معاركها وتدير صراعاتها، وحتى لا نذهب بعيداً و(نغمس) في أصل صحننا دعونا نتفق على تعريف الجاهزية على أنها: امتلاك التشكيل القتالي القدرة والرغبة في خوض المعارك والانتصار فيها.

وحيث أن القدرة تعني: العلوم والتجارب والخبرات، العلوم التي يكتسبها ويراكمها الجنود والقادة أثناء تنقلهم من مكان إلى مكان ومن منصب إلى آخر، والتجارب الدائمة التي يحولون من خلالها تلك العلوم المجردة إلى خبرات متراكمة.

 وحيث أن الرغبة تعني: الثقة والدافع والإدامة:

الثقة التي تبنى بين القائد وجنوده، وبين الجندي ورفاقه، وبين التشكيلات البشرية وما تملكه من قدرات مادية.

الدافع الذي يتولد عن هذه الثقة ويجعل القائد قبل الجندي يُقبل على تنفيذ ما يلقى على عاتقه من مهام بنفس طيبة وعزيمة لا تلين.

الإدامة لتلك الثقة وذاك الدافع والحرص على عدم زوالهما، بل العمل على زيادة منسوبهما في هذا التركيب المعقد الذي يجمع مختلف السلائق البشرية مع مختلف الأدوات المادية في نشاط ــ الحرب ــ من أعقد النشاطات الإنسانية، وحيث أن الموقف كذلك، فإننا نزعم بأن (الحقائق) في ما قاله ويقوله وما نشره وينشره “الجنرال بريك” حول جيش العدو تضحد ما ينشره ويتحدث به “الجنرال كوخافي” من (ادعاءات) حول جيشه وجاهزيته،

فقد تحدث الأول عن (الحقائق المرة) حول الجيش التي تجعله على (شفا كارثة) فذكر من الملاحظات ما لو اجتمعت في أي جيش لأحالته إلى فرقة من الكشافة التي تتقن فن التخييم وإشعال النار وربط العقد، ولا يمكن أن يراهَن عليه في خوض معارك حقيقية تلتقي فيها الحدق بالحدق والسلاح بالسلاح  فيرجى له فيها النصر.

وحتى لا نطيل ولا نسترسل في تفسير ما قاله “بريك” وما عناه في ملاحظاته التي جاءت في مقاله تحت عنوان “الحقيقة المرة هل الجيش الإسرائيلي على شفا كارثة؟” فإننا سنختصر تلك الملاحظات الواحدة والعشرين التي مثلت خلاصات اتصالات جنود وضباط في حالة الخدمة أو في الاحتياط.

نختصرها في أربعة عناوين تشكل الركائز الأربعة التي يقوم عليها البناء الهيكلي لأي جيش أو مؤسسة أمنية لا يرجى بدونها له نصر، ولا تثبت له في الحرب قدم؛ هذه الأركان الأربعة التي (ينخر) فيها سوس العطب والخراب، هي:

  1. منظومة القيادة والسيطرة:
    فكيف لجيش أن ينتصر في معركة وضباطه منفصلون عن واقع وحداتهم العسكرية، ولا يشاركون في تدريباتهم اليومية، ولا يشاطرونهم متطلبات الحياة الميدانية، وأنّى لجيش أن ينتصر ولديه من المشاكل في استيعاب التقنيات فهناك كما قال الجنرال بريك (مشاكل في استيعاب المعدات وقدرات تشغيلها بسبب نقص التدريبات التي تُعد مكلفة للغاية)، كيف لهذا المنظومة أن تنتصر في حرب حقيقية وهي كما يقول “بريك” تقوم بعرض التقارير الكاذبة تمهيداً واستعداداً لعمليات التفتيش والرقابة!! وهذا غيض من فيض ما يمكن أن يقال في هذه المسألة.
  2. الروح المعنوية والجاهزية:
    وهنا حدث ولا حرج؛ فقبل أن يقول هذا الجنرال ما قال؛ فإن كل من احتك مع هذا العدو وخاض معه المعارك وتابع عمله الميداني يدرك أنه أمام جيش مهزوز الروح المعنوية، خائر العزم، لا يقوى على الصمود في وجه من تساوى الموت عنده بالحياة؛ بل من يفضل الموت على الحياة، طلباً لما عند الله، ولكن دعونا ننقل بعض ما قاله هذا الجنرال من دلائل على ضعف الروح المعنوية وانخفاض الجاهزية، فأول ما يبث الروح المعنوية بين الجنود والمقاتلين هو رؤية قادتهم بينهم، يعيشون كما يعيشون ويشاطرونهم الحياة اليومية ويتحملون معهم أعباء المسؤولية.
    الأمر الذي تجد خلافه فيما قال “بريك”، ومما يرتقي بالروح المعنوية لدى الجنود ويزيد من جاهزيتهم للقتال؛ شعورهم أن ظهورهم محمية وأن هناك من يدافع عنهم ويتحمل مسؤولية خطأهم أثناء الأعمال التعبوية والمناورات القتالية؛ الأمر الذي ترى عكسه في ثنايا ما قال “بريك” فالعديد من قادة الكتائب والسرايا (يهربون من المسؤولية عن الحوادث الخطيرة أو اخفاقات الجنود وصغار القادة في مسار الإرشاد والتدريب والمناورات)!!
  3. الانضباط:
    ماذا عن الانضباط والذي يميز الجندي عن المدني؟
    والذي يعد من أهم المتطلبات لإنجاز المهمات والحد من الإخفاقات؛ كيف لوحدة أن ينضبط جنودها وهم لا يرون قادتهم بينهم يتجولون يراقبون ويشرفون ويرشدون؟
    كيف لتشكيل أن يقال عنه أنه منضبط وجنوده يخلفون أسلحتهم خلفهم في ساحات التدريب؟
    كيف لوحدة أن تنضبط بالمقررات والإجراءات وأوامر قادتها لا تنفذ ولا يشرف على التحقق من التنفيذ؟
    كيف لقادة لا يعرفون (الكيفية التي سيقودون بها ويديرون السرية في الحرب) كيف لهم أن ينضبطوا ابتداءً ليضبطوا انتهاءً؟
  4. المهنية والاحتراف:
    هذه أمور تبنى وتراكم من خلال التسلسل المنطقي والتدرج الطبيعي بين المناصب المواقع، فلا يرتقي الجندي أو القائد من منصب إلى آخر أو يحمل مسؤولية مهمة بعد أخرى، ما لم يثبت نجاحه في منصبه وكفاءته في تنفيذ مهمته، وهنا يشير الجنرال “بريك” إلى أنه (في بعض الوحدات يتم إرسال الجنود الذين أكملوا الدورة التدريبية إلى دورة لقادة مجموعات دون أي معايير وكبار القادة قائد السرية وقائد الكتيبة يحددون من يذهب إلى الدورة دون أن يكون لديهم الحد الأدنى من المعرفة بقدرات الجنود)!! وهناك (إخفاقات كثيرة في نقل المواد أو إيصالها في التدريبات، ومشاكل صعبة للغاية في الانضباط والقيادة والمثال الشخصي، إن العديد من صغار القادة ليسوا مناسبين للقيادة على الإطلاق، وهذا ينطبق على القادة الكبار أيضاً)!!

هذه ملاحظات واستخلاصات سريعة مما جاء في ثنايا مقالة “الجنرال بريك” من أمور وملاحظات يجب على قادة المقاومة التدقيق فيها والبحث فيما بين سطورها فإن كانت (حقائق) استخلص منها مقتضاها، وإن كانت (ادعاءات)؛ فهي تخفي خلفها خداعاً يراد له أن ينطلي علينا.

ولكن كاتب هذه السطور ومن مراقبته وتتبعه لعمل جيش العدو في مختلف حروبه الأخيرة ومناوراته المتكررة؛ يعتقد أن ما قاله “بريك” هو للحقيقة أقرب منه للادعاء.

وحتى يكتمل الموقف، تعلم المقاومة أن عدوها يملك قدرات نارية هائلة، وقدرة على الاستطلاع لا يستهان بها، وأنه قادر على ارتكاب أفظع المجازر بحق المدنيين وممتلكاتهم الشخصية، لذلك -فالمقاومة- تراكم قدراتها وتحصي على العدو أنفاسه، وأنشأت معه معادلة رعب تجعله يعد إلى المئة قبل أن يرتكب أي حماقة، وهي -المقاومة- لا تنام لعدوها حتى لو كان نملة، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

أضف تعليقك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى