أخبارأخبار رئيسيةترجمات

ما هي الأوراق الرابحة التي تمتلكها “إسرائيل”؟

ترجمة الهدهد
معهد السياسات والإستراتيجيات (IPS)
بقيادة اللواء احتياط عاموس جلعاد

المقال يعبر عن رأي كاتبه

تقف “إسرائيل” عند مفترق طرق إستراتيجي على  ضوء المفاوضات المتعثرة بين إيران والقوى العظمى، وضرورة وقف تقدم إيران في المشروع النووي.

في هذا السياق يعد التنسيق الإستراتيجي مع الولايات المتحدة مكونًا حاسمًا في التأثير على صياغة أو بلورة  الاتفاقية المستقبلية.
ويتطلب تركيز الجهود الفعالة على التهديد الإيراني من “إسرائيل” إدارة تحركاتها بحذر في الساحتين الفلسطينية والشمالية، وخاصة الحفاظ فيهما على الهدوء النسبي من أجل منع الإضرار بالعمل والاهتمام بالقضية النووية.

المحادثات النووية.. خطوة إلى الأمام وخطوتان إلى الوراء

قوبلت جولة المحادثات التي انتهت في فيينا عقب قرار الفريق الإيراني بالعودة إلى المشاورات في طهران بانتقادات صريحة من قبل الممثلين الأوروبيين، وكبار المسؤولين الأمريكيين الذين شددوا على أن الوقت لصياغة اتفاق آخذ في النفاد، بالنظر إلى التقدم السريع الذي حققته إيران في المشروع النووي.

أظهرت المفاوضات بعض التقدم في اتفاق الأطراف على جدول الأعمال والقضايا التي يجب فحصها في المفاوضات، وكذلك استعداد إيران من حيث المبدأ لاستبدال كاميرات المراقبة التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية في مدينة كراج، حيث يتم تصنيع مكونات أجهزة الطرد المركزي لتخصيب اليورانيوم، وقد أزالت إيران الكاميرات من الموقع في يونيو الماضي إثر عملية تخريب لها  نُسبت “لإسرائيل”.

ومع ذلك اختفت منشأة التخزين الخاصة بإحدى الكاميرات، ولا تسمح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بالتحقق مما إذا كان المصنع قد استأنف عمله منذ يونيو.

وبقيت الفجوات بين الطرفين عميقة وكبيرة، وتستمر القيادة الإيرانية في المطالبة برفع جميع العقوبات والعودة إلى اتفاق خطة العمل الشاملة المشتركة الأصلية من عام 2015، مع تلقي ضمانات من واشنطن بأنها لن تنسحب من الاتفاقية مرة أخرى.

وتترجم الولايات المتحدة وأوروبا النهج الإيراني على أنه تعبير عن عدم الجدية والتسويف في ظل رفض الاعتراف بالتقدم الفعلي في الجولة السابقة من المحادثات.

وتشير التقديرات حالياً إلى أن المحادثات ستستأنف قرب نهاية العام (27 كانون الأول) لكن الفهم هو أن قدرة الأطراف على تقريب وجهات النظر ضعيفة في ضوء الثغرات الكبيرة الجوهرية والأساسية.

تمارس الولايات المتحدة ضغوطا على إيران للعودة إلى الاتفاق النووي، وتلمح إلى أن هناك خيارات أخرى إلى جانب المسار الدبلوماسي.
في هذا السياق سرب مسؤولون كبار في وزارة الخارجية الأمريكية أنه قبل حوالي شهرين، طلب الرئيس بايدن من مستشار الأمن القومي جاك سوليفان مراجعة خطط البنتاغون للعمل العسكري في حالة فشل الجهد الدبلوماسي.

إضافة إلى ذلك أُُعلن خلال زيارة وزير الجيش “الإسرائيلي” إلى واشنطن ولقائه مع نظيره الأمريكي (كانون الأول/ديسمبر 2021) أنه جرى مناقشة خطط هجوم مشترك على المواقع النووية الإيرانية في حال فشل الجهد الدبلوماسي.

وأضاف مسؤولون كبار أن واشنطن تدرس كيفية تشديد العقوبات على إيران بشكل ملموس، إذ وصل وفد أمريكي بقيادة كبار المسؤولين من وزارة الخزانة الأمريكية إلى الإمارات لفحص ما إذا كانت البنوك المحلية تنتهك العقوبات المفروضة على إيران.

وأوضحت وزارة الخزانة الأمريكية أنها لن تتردد في فرض عقوبات على البنوك في الإمارات؛ إذا تبين أنها تنتهك العقوبات.

وتهدف هذه التحركات إلى إيصال رسالة حازمة إلى إيران مفادها: إن الوقت ينفد، وأنه يجب عليها إظهار استعداد حقيقي للمضي قدمًا في المفاوضات في مواجهة الأثمان المحتملة – الاقتصادية والعسكرية.

“تل أبيب” تعارض القناة الدبلوماسية وتعتبرها “ابتزازا نوويا” إيرانيا، وتدعو واشنطن إلى تشديد العقوبات والاستعداد لاستخدام الخيار العسكري، وتخشى أيضا التوصل إلى اتفاق مؤقت في فيينا يتم بموجبه تجميد أجزاء من البرنامج النووي مقابل تجميد بعض العقوبات.

صرحت الولايات المتحدة مرارًا وتكرارًا بالتزامها بأمن “دولة إسرائيل” لكن نهجها تجاه المشروع النووي الإيراني يختلف اختلافًا جوهريًا عن نهج “إسرائيل”، وأشار مستشار الأمن القومي جاك سوليفان إلى أن واشنطن قلقة بشأن التقدم السريع لإيران في المشروع النووي؛ حتى أن مسؤولًا أمريكيًا كبيرًا نقل قلق الإدارة بشأن التقدم الإيراني السريع نسبيًا للأسلحة النووية.

التصريحات  الأمريكية حول “خيارات إضافية” تهدف إلى إرضاء “إسرائيل” والدفع  بإيران وتحفيزها على تنازلات في المفاوضات، ولا تعبر بالضرورة عن رغبة أمريكية في استخدام القوة العسكرية خوفا من الانجرار إلى معركة أخرى في الشرق الأوسط؟

الإستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط:

يتركز الاهتمام العالمي على الأزمة في أوكرانيا التي تختبر تصميم وقدرة الردع الأمريكية وحلف شمال الأطلسي في مواجهة تحركات روسيا العدوانية.

للأزمة في أوكرانيا تداعيات على النظام العالمي وعلى قوة للولايات المتحدة العظمى المتوقعة في الشرق الأوسط، وسيؤثر نجاح إستراتيجية روسيا في أوكرانيا على سلوك اللاعبين في الشرق الأوسط بما في ذلك إيران.

سياسة الإدارة الأمريكية في الشرق الأوسط هي: تحديد أهداف متواضعة وقابلة للتحقيق؛ باستخدام الأدوات الدبلوماسية، وتجنب الأدوات العسكرية التي قد تجر واشنطن إلى معركة أخرى في الشرق الأوسط.

تضعف هذه السياسة الردع والنفوذ الأمريكي، وتثير تساؤلات في العالم العربي حول قوة الركيزة الاستراتيجية “أمريكا” في مواجهة التحدي الإيراني؛ ما يدفع بعض اللاعبين السنة إلى تعزيز العلاقات الثنائية مع طهران.

بالإضافة إلى ذلك، فإن عدم وجود استراتيجية إقليمية أمريكية شاملة مع سياسة ضبط النفس تجاه الأفعال الإيرانية ضد المصالح والأهداف الأمريكية بشكل مباشر – يضعف موقف الولايات المتحدة، ويُلزم دول المنطقة بإعادة تشكيل سياستها الإقليمية أمام إيران.

وفي هذا السياق فإن هجوم الميليشيات الإيرانية على القاعدة الأمريكية في التنف (أكتوبر 2021) إلى جانب محاولة اغتيال رئيس الوزراء العراقي (نوفمبر 2021) يوضح استعداد إيران للمجازفة على أساس أن الولايات المتحدة لا تفعل فهي لا تريد الانجرار إلى تصعيد إقليمي.

القضية الفلسطينية: تصاعد الخلاف مع واشنطن؟
كانت القضية الفلسطينية على رأس جدول الأعمال “الإسرائيلي” في الأسابيع الأخيرة؛ بسبب زيادة “العمليات الفردية “والكشف عن  البنية التحتية “الإرهابية” لحركة حماس في الضفة الغربية إلى جانب التقدم في التسوية مع قطاع غزة.

في هذا السياق هناك تخوف من تصعيد واسع في أعقاب الاتجاه المتنامي للهجمات “المنفردة” في الآونة الأخيرة في القدس والضفة الغربية، وضعف السلطة الفلسطينية في إرساء النظام والحكم.

محاولات حماس المتكررة لإشعال الوضع في الضفة الغربية “باءت بالفشل” حتى الآن على الرغم من التأييد الواسع الذي تحظى به الحركة من قبل الجمهور الفلسطيني، لكن عمليات بناء قوة التنظيم في الساحة مستمرة كما يتضح من الكشف عن البنية التحتية “الإرهابية” الكبيرة التي يمولها ويديرها صالح العاروري في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي.

وللمفارقة، فإن جهود التسوية بين حماس و”إسرائيل” في قطاع غزة تتقدم في ضوء سياسة التسهيلات “الإسرائيلية” الموسعة التي تنعكس في استيراد البضائع إلى قطاع غزة من معبر كرم أبو سالم، وزيادة حصة العمال إلى عشرة آلاف، وتحويل المنح من قطر، بما في ذلك ترتيب مخصصات الموظفين في قطاع غزة بصفقة التفافية مع مصر والمزيد.

وهكذا – وعلى الرغم من سياسة تعزيز السلطة الفلسطينية التي أعلن عنها وزير جيش العدو – من الناحية العملية تعزز تحركات “إسرائيل” موقف حماس في قطاع غزة، ما يمنحها فرصة لإعادة تأهيل قوتها العسكرية بل وتقويتها استعداداً للمعركة القادمة.

أظهرت زيارة نائبة وزيرة الخارجية فيكتوريا نولاند “لإسرائيل” والسلطة الفلسطينية الفجوات الموجودة بين الإدارة الأمريكية والحكومة “الإسرائيلية” فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية.

وشددت نولاند على أن الولايات المتحدة عازمة على فتح القنصلية الأمريكية للفلسطينيين في القدس، وأن هذا يمثل أولوية قصوى للإدارة في ظل الرغبة في العودة إلى سياسة الوضع الراهن التقليدية.

وفي لقائها مع أبو مازن وفي سلسلة من المقابلات التي أجرتها شددت على رغبة الإدارة في تجديد العلاقات مع السلطة الفلسطينية والثقل الذي توليه واشنطن لموضوع المستوطنات ودعم حل الدولتين.

قد يؤدي الخلاف بين “الدولتين: حول القضية الفلسطينية إلى أزمة في العلاقات في ظل التزام الإدارة الأمريكية القوي، وسياسة الحكومة “الإسرائيلية” التي لا تتماشى مع سياسة واشنطن.

بالإضافة إلى ذلك، قد يشير وصول نولاند إلى المنطقة وتصريحاتها إلى أن واشنطن أكملت مرحلة التحذير والانتظار التي رافقتها بها حتى تمرير الميزانية إلى “إسرائيل” وأنه من المتوقع الآن أن تظهر نهجًا أكثر صرامة تجاهها في الموضوع  الفلسطيني، خاصة فيما يتعلق بمواصلة البناء الإستيطاني في الضفة الغربية، وقضية القنصلية الأمريكية التي أوضحت نولاند بخصوصها أن الإدارة ملتزمة بإعادة فتحها قد تتطور أيضًا لتكون حجر عثرة بين تل أبيب وواشنطن و ربما في المستقبل القريب.

توصيات
– يجب تعزيز التنسيق الاستراتيجي مع الولايات المتحدة لتأسيس التأثير  “الإسرائيلي” على المفاوضات في فيينا وترسيخ التزام واشنطن ببناء القوة “الإسرائيلية” وتطوير استجابة منهجية (عسكرية واقتصادية) لزيادة الضغط على إيران في سيناريو تفشل فيه الجهود الدبلوماسية.

– يجب على “إسرائيل” الامتناع عن نشر الخلافات التي تنشأ في الخطاب الاستراتيجي المستمر مع كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية، والتقليل قدر الإمكان من الخطاب العام حول موضوع الحملة ضد القضية النووية الإيرانية من قبل كبار المسؤولين في تل أبيب.

– التسريبات تقوض الثقة الأمريكية، وتقوض موقف “إسرائيل” وقدرتها على التأثير في عملية صنع القرار في واشنطن.

– يجب على “إسرائيل” أن تسعى جاهدة للتوقيع على اتفاقية نووية جديدة وفعالة تتناول جميع الجوانب المتعلقة بوقف التقدم النووي، وإطالة أمد التقدم نحو القنبلة، وأن يتناول هذا الاتفاق الاحتياجات الأمنية “لإسرائيل” و الساحة الإقليمية والدولية بالنظر إلى التداعيات الخطيرة وطويلة المدى لإيران نووية على المنطقة والعالم.

– في الوقت نفسه يجب على “إسرائيل” أن تستثمر في بناء قوة متسارعة لتطوير رد عسكري موثوق به على تحدي المشروع النووي الإيراني، فتعزيز الكفاءة والجاهزية العملياتية سيعزز الردع “الإسرائيلي” ويؤسس قدرة مستقلة طويلة الأمد ليوم اتخاذ القرار.

القضية الفلسطينية: تتطلب استراتيجية شاملة تراعي الموقف الأمريكي وتجنب الاحتكاكات غير الضرورية في ضوء الحاجة إلى تركيز الجهود على إيران.

أزمة العلاقات التي قد تتطور بسبب القضية الفلسطينية قد تضر بالتنسيق الاستراتيجي والثقة بين “البلدين” وسيكون لذلك انعكاسات على المفاوضات مع إيران.

أضف تعليقك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى