مقالات

“الكيان” في ميزان “واردن”

الهدهد/ عبد الله أمين
في مقدمته ، يقول بن خلدون أن الدول في نموها تشبه الانسان، فهي كما هو، تمر بمراحل طفولة فمراهقة فشباب فسن رشد إلى أن تصل إلى الشيخوخه ، وفي كل مرحلة من هذه المراحل يحكم سلوك هذا الانسان أو تلك الدولة ما يحكم ذاك السن وتلك الفترة ، ففي طفولته يركن لوالديه ومن يكبرونه سناً في تدبير شؤون حياته ، وفي مراهقته يبدأ بالتعرف على مجموعة القواعد التي سيسير عليها في شبابه ، فيثبت ما ناسبه منها ويحذف ما لا طائل منه ، وفي رشده يتحمل مسؤولية نفسه وقراراته ، واعالة من هم دونه ومن هو مسؤول عنهم ، من زوجة وأبناء وأرحام ، ويبدأ في هذا السن وزن الامور بميزان المصلحة والضرر ، ليس له وحده وإنما ما يمكن أن يتعدى إلى من هم تحت جناحيه ، ولا يكون في هذا السن مطلق الإرادة حر التصرف ، أما في شيخوخته ، فإنه يبدأ في اجترار ما راكمه من قدرات وصرف ما ادخره من مدخرات ، إلى أن يأذن الله بأمره فيسلم صاحبنا الراية لمن خلفه . وعلى نفس هذه الخطى تسير الدول والكيانات .
أما أصل البحث في هذه العجالة فهو ، بحث عناصر قوة وضعف الكيان الغاصب بناء على مجموعة قواعد ومعايير ، تكفي الباحث والمدقق مؤنة الجدال والنزاع ، فإذا توفر المعيار قل ( النقار ) . ومعيار بحثنا و ( ميزانه ) ما تعارف عليه أهل الفن والاختصاص على أنه نظرية ( واردن ) ، فمن هو ( واردن ) وما هي نظريته ؟
جون واردن هو جنرال أمريكي كان قائداً لسلاح الجو الامريكي في حرب الخليج 1991 ومدير الأكاديمية الجوية العسكرية ، مذهبه العسكري الجوي يعتمد على دوائر الأهمية وهي من الداخل للخارج على الترتيب التالي ” القيادة ، الاتصالات ، القوة العسكرية ، البنية التحتية ، الشعب . اسس واردن معادلة تكتيكية أثناء عملية توجيه الضربات للخصم ، وهي ، اكتشف ثم صوب ثم دمر ، ويرى واردن أنه كلما اسرع القائد في تطبيق هذه المعادلة عند استهداف الحلقات كلما كان النصر حليفه .وفي مقولة أخرى له يشبه هذا القائد الدولة بالكائن البشري ، فهي مكونة من :

  1. العقل والاعصاب : والتي تشبه في الدول القيادة الوطنية ، مراكز اتخاذ القرار ، القيادة السياسية والعسكرية ، مقرات القيادة والسيطرة.
  2. الجهاز الهضمي والدورة الدموية : وهي عبارة عن تلك المحاصيل الاستراتيجية ومصادر الدخل القومي ومحطات توليد الطاقة .
  3. أدوات الحركة واعضائها : والتي تشبه في الدول ؛ البنى التحتية من مطارات وسكك الحديد والموانئ وشبكات الطرق الدولية والمحلية.
  4. الروح والنفس : وهو المجتمع الذي يحمل هذا الجسم ويمده بالحياة .
  5. خلايا الدفاع : وهنا يأتي دور قوات الدفاع النظامية والشعبية التي تحمي هذا الجسم ، بكل تفاصيلها وتلاوينها ، صغيرة كانت أم كبيرة ، فهي تشمل على سبيل المثال لا الحصر ، قوات الدفاع النظامية ، أنظمة اعلان الخطر ، مواقع المدفعية ، القوات الصاروخيه ، الدفاع الجوي… .
    فإذا كان ذاك ( واردن ) وما قاله هو ( الميزان ) ، فما هو وزن الكيان في هذا الميزان ؟ إن تجرأ وقام بأي عدوان على قوى المقاومة ومحورها في المنطقة ، وهل ستسعفه خطة رئيس الأركان أفوف كوخافي متعددة السنين والتي اطلق عليها تسمية ” تنوفا / الزخم ” ؟ والتي تقف على ساقين أحدهما الجاهزية والآخرى التغير في مبنى القوة التي سيكون الهدف من بنائها توجيه ضربة قوية تجبي من ( الاعداء ) كم كبير من الخسائر في البنى التحتية والأرواح وتقلص قدرات النار الصاروخية لديه ، وهي الخطة التي لحظت إقامة هيئة أركان خاصة لمعالجة التهديد الإيراني بقيادة لواء وظيفتها : متابعة وبلورة رد لتوسع المحور الشيعي ؛ إيران وحزب الله وحماس .
    ولكي نخرج من ترف التنظير ونلج واقع المعايير ، دعونا ننزل هذا الكيان على ذاك الميزان ، لنرى أيثقل فيه أم أن نصبه الطيش والخسران ، وهنا سنبدأ من الاسفل إلى الاعلى وزناً وقياساً ، على أهمية كل المعايير وفضلها ، فنقول :
    ما هو وضع خلايا الدفاع ( البنية العسكرية ) عن هذا لجسم ، هل هي في أحسن أحوالها ؟ وهل يمكن أن ينجو الجسم بدون جهاز مناعة يقيه شر الأمراض والاوبئة ؟ ومن يضمن أن لا يتحول أي عارض صحي بسيط إلى وباء قاتل لا يرجى شفاؤه في غياب هذه الخلايا أو ضعفها ؟ وأسألة يطول سردها ، نكتفي بما ذكرناه منها . وللاجابة على هذه الأسئلة وشبيهاتها ، فما علينا إلى الرجوع إلى تقرير مفتش شكاوى الجنود الجنرال المتقاعد اسحق بريك ، فقد فصل في تقريره الذي رفعه لرؤسائه قبل سنة تفصيلاً دقيقاً لوضع هذه الخلايا ، خلنا ونحن نقرأ ما تسرب منه ، أن الرجل يتحدث عن جيش من دول الموز وممالك الرمال ، ففي كل عنوان من عناوين تقريره تجد نقصاً وخللاً ونقاط ضعف ومقاتل ، لا ينجو معها أي تشكل قتالي مهما ملك من أدوات القتل واسباب الدمار ، ونجمل بأهم تلك المقاتل التي ذكرها الصحفي عاموس هرئيل في معرضه نقاشه لخطة ” تنوفا ” من أن للجيش مشكلة طويلة المدى ، آخذة في التفاقم تتعلق سواء بالدافعية أو بالرغبة في التوقيع على الخدمة الدائمة ، إنه ــ عموس ــ يتحدث عن الانوية الرئيسية التي تتكون منها الخلايا ، فهل رأيتم خلية بلا نواة ؟!!! ،هذا فيض من غيض مشاكل خلايا الدفاع ومعضلاتها.
    ماذا عن الروح والنفس ( المجتع )؛ حاضنة هذا الجسم وواهبته الحياة ؟ هل هي في أحسن أحوالها ؟ ألا يعتريها ما يعتري خلايا دفاعه ؟ أوليست خلايا الدفاع تلك تأخذ زخمها وقواتها من هذه النفس وتلك الروح ؟ فإن ضعف الجسم ضعفت الخلايا والعكس صحيح ؟ وهنا نجيب ببعض الاشارات السريعة لندلل على أن هذه الروح ليست في أحسن احوالها ، فاشكنازييهم مختلفون مع سفاردييهم ، وأبيضهم مختلف مع أثيوبيهم الأسود ، إلى درجة القاء ما تبرعوا به من دماء في مجاري الصرف الصحي ، أما عن خلاف متدينيهم مع علمانييهم ، فحدث ولا حرج ، وقد رأينا أكبر تجليات هذا الوضع المزري فيما يشهده هذا الكيان ، تلك الأزمة السياسية التي دفعته إلى إجراء انتخابات مرتين متتاليتين ــــ مرشحة للأجراء مرة ثالثة ــــ في غضون عدة أشهر ، تاركة هذا الكيان في وضع غير مستقر سياسياً ، انعكس على قرار تمويل خطة رئيس هيئة الأركان الأخيرة ، فلا تمويل ما لم تكون هناك حكومة منتخبة ، وليست حكومة تصريف أعمال .
    وبالحديث عن أدوات الحركة وأعضائها من مطارات وبنى تحتية ومرافئ وسكك حديد ، فهي أكثر هشاشة مما يتصور الكثيرون ؛ فمن جهة هذه أصول ثابتة ( للدولة ) معروفة المكان سهلة الاستهداف بصاروخ ذكي فرد ، أو بمجموعة صواريخ ( غبية ) تحيلها أثرا بعد عين . كيف سيقوم هذا الكيان بنقل وتحريك قواته إن تم استهداف عقد المواصلات على الطرق الرئيسية ومحاور النقل على الطريق 899 و 89 و 85 شمال الكيان أو الطريق 77 وسط الكيان أو 31 و 35 جنوب الكيان وهي التي تربط الكيان بالطريق 90 المتد من شمال الكيان حتى جنوبه ؟ من يضمن أن لا تقطع هذه الشرايين ويسيح دمها ؟ وعلى شاكلة هذه الأوردة الكبيرة ، هناك كم هائل من العروق والشرايين الصغيرة التي تسهل وصول اسباب الحياة لأعضاء هذا الجسم ؛ حياتها ـ العروق ـ مرهونة بحياة تلك الأوردة ، وقطعها تعبوياً أسهل بكثيير مما يتخيل البعض ، هذا فضلا عن أن كثير من هذه الأصول مرتبطة بعالم الحواسيب وفيروساتها التي لا نراها تسير عياناً ، وإنما نرى أثرها عطباً وخراباً .
    فإذا كان هذا هو حال الخلايا الدفاعية والروح والنفس وشريان الحياة وأوردتها ، فهل ينفع مع ذلك جهاز هضمي ودورة دموية ؟ فماذا سيهضم هذا الجهاز ؟ وهل من غذاء سيصل له ليهضمه أصلاً ؟ فإذا كان مستودع هذا الجهاز الهضمي ومقر فائدته في مربع جغرافي لا يتعدى 20 كلم مربع في منطقة ( عوش دان ) وهي المنطقة التي تقع تحت مرمى صواريخ المقاومة من الجنوب أو الشمال ، هل سيصمد هذا الجهاز أمام تلك اللكمات ؟ التي قدرتها هيئة اركان جيش العدو على صورة 1500 ـــ 4000 صاورخ يومي تستهدف المصانع ومصافي تكرير النفط ومحطات الكهرباء ، وكل أصابة في هذه الأصول ستؤدي إلى شلل في هذا الكيان المصطنع ، أليست تلك الخلايا في ذاك الجسم بحاجة لمرور غذائها من جهازها الهضمي عبر دورته الدموية الجارية في تلك الشريان والأوردة ، ليقوى على الحياة ؟ فكيف إن كانت تلك كلها تحت الضغط والقصف ، فأي حياة ترتجى وأي فعل يؤمل .
    ثم إن كان هذا الموقف ؟ فكيف سيعمل العقل والاعصاب ؟ أوليست مراكز القيادة والسيطرة تلك قائمة على فعل ما قبلها من الأجزاء ؟ فضررها يسنعكس عليها حكماً . هل رأيتم عقل يعمل بلا دورة دموية توصل له الاكسجين والغذاء ؟ هل رأيتم شبكة عصبية تعمل دون أن تمدها شبكة الشرايين والأوردة بدماء الحياة ، فتحيلها ــ شبكة الاعصاب ــ إلى شبكة فاعلة قادرة على تلقي الاشارات وتفسير كنهها وتحديد مساراتها وترتيب أولوياتها ، ومن ثم تحديد المطلوب من ردود الفعل والاجراءات . أوليس عقل عدونا وأعصابه ، فضلاً عن أنها مرهونة لفعل وكفاءة باقي الاجزاء ، مأتمتة بشكل كبير جداً وتعتمد على مسارات العمل في المجال السيبراني الذي يحمل في ثناياه مخلوقات ضارة دقيقة غير مرئية ، يمكن من خلالها أن يعطب هذا العقل وتلك الاعصاب ؟ إن توفر متخصص أو متخصصين في هذا المجال ؛ وقد توفر ، فعن أي عقل أو اعصاب يتحدثون ؟
    إننا نعتقد أن هذا الجسم وهذا الكيان ،وبعد عرضه على هذا الميزان ، لهو أكثر وهناً من بيت العنكبوت ، وأكثر هشاشة من لوح زجاج ، إن قام في مواجهته جسم يحمل أعضاء فاعلة ويتصرف بشكل جماعي وليس بشكل فردي ، فجسم حركات المقاومة ومحورها ، فيه من الضعف والنقص ، ما لو عمل كله معاً ، لعوض بعضه نقص بعض ولجبر بعضه عجز الآخر ، الأمر الذي سنعود له لاحقاً إن شاء الله . ومع أن هذا التوصيف للموقف يدعونا للتفاؤل والانتشاء ؛ إلا أنه يرتب علينا شد الهمة والتشمير عن السواعد ، فالتقديرات والسيناريوهات ، تبنى على أسوأ الفرضيات ، فلو كان عدوك نملة فلا تنم له

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي