أخبارأخبار رئيسيةدراساتشؤون عسكرية

المعركة البرية والتدريب عليها

ترجمة الهدهد
مجلة معرخوت
اللواء احتياط عضو كنيست العدو يائير غولان نائب رئيس أركان جيش العدو السابق
غال بيرل فينكل باحث في الجيش والاستراتيجية في معهد دراسات الأمن القومي

ملاحظة: الورقة تعبر عن رأي وموقف كاتبيها فقط

انتهى عصر المعارك المحدودة الذي اتسم بفجوات هائلة في القوة بين “إسرائيل” وأعدائها، والجيش “الإسرائيلي” مطالب بالعمل في عصر جديد – عصر الحسم.
ويجب عليه العودة الى المبدأ الذي وضعه دافيد بن غوريون وهو نقل الحرب إلى أرض العدو. ولهذا الهدف يجب على “الجيش الإسرائيلي” في الحرب القادمة أن يناور برياً وبسرعة.

خلال الحرب العالمية الأولى، فقد الملايين أرواحهم في حرب الخنادق، وحُكم عليهم بالعذاب على شكل حفريات وأنفاق مفخخة متفجرة وأسلحة كيميائية وأسلاك معدنية ونيران رشاشات ومدفعية وقتلوا أعداد كبيرة.

في كثير من الأحيان، يُطرح سؤال في ذلك الوقت، حول جنرالات ورجال موهوبين أذكياء مثل دوغلاس هيج، وفرديناند بوش، وبول فون هيندنبورغ وغيرهم الكثير، كيف أصيبوا بحالة عمى شديدة لدرجة أنهم أرسلوا أفضل رجالهم إلى موتهم المحتوم وبأعداد تقشعر لها الأبدان.. هذا إلى جانب تورطهم في حرب طويلة وفتاكة لم يتوقع أحد اتجاه تطورها ومدتها في يوم اندلاعها. الإجابة تكمن، حسب فهمنا، في ميل الإنسان العصري إلى التفكير بمصطلحات صناعية خطية، بينما يتجاهل عاملًا مهمًا في المعادلة – وهو العدو.

إن التفكير الخطي الصناعي بسيط للغاية: العدو موجود في العالم المادي وهناك إحداثيات حول مكان تواجده. إذا حصلنا على معلومات استخباراتية دقيقة بما فيه الكفاية، وتعلمنا كيف نضم لهذه المعلومات الذخيرة الدقيقة بما فيه الكفاية أيضاً – فسيتم تدمير العدو. إذا قمنا بما ورد أعلاه على نطاقات واسعة – سيتم تدمير الكثير من افراد العدو وسننتصر.

هذا الادعاء إشكالي، لأن العدو هو الذي يفسد الإجراء “المنطقي جدا “. فهو لا يتطوع للموت، إنه يتعلم أثناء الحرب وأمام التطور والدقة سيكون قادرًا على صياغة أنماط عمل من شأنها أن تحيد ميزتنا الأولي، هذا إذا كانت موجودة. بمعنى، في مواجهة الميزة التقنية المستقرة أو الثابتة، سيكون للعدو رد تقني يحيد هذه القدرة، وستدخل الحرب فورًا مرحلة إحباط عميق إذا استمرت في الاعتماد على النار فقط.

وكان هذا هو الحال أثناء حرب لبنان الثانية، وفي العمليات الثلاث في غزة (“الرصاص المصبوب” في عام 2008، و “عمود السحاب” في عام 2012، و “الجرف الصامد ” في عام 2014)، على الرغم من تزود “الجيش الإسرائيلي” من عملية إلى عملية بقدرات استخباراتية ونيران دقيقة، في المقابل أصبح العدو أيضًا أكثر تطوراً وقدرة على تحييد الميزة الواضحة “للجيش الإسرائيلي” في القوة العسكرية، حتى بدا أن هذه القوات كانت متساوية في القدرة على مواجهة بعضها البعض في ساحة المعركة.

نظرًا لأننا نتبع هذا النمط من العمل منذ أوائل التسعينيات من القرن العشرين (على سبيل المثال، عملية يوم الحساب في عام 1993)، فقد درسنا العدو وكل بناء قوته صممه للتعامل مع القدرات الاستخباراتية “للجيش الإسرائيلي” ونيرانه.
عن المعركة البرية.

نحن لا ندعي أن الاستخبارات الدقيقة والنيران لن تؤدي إلى إنجازات على الإطلاق. في بعض الأحيان يمكن إزالة التهديد بواسطة استخدام النيران من الجانب الآخر فقط. ومع ذلك، عندما يشكل العدو تهديدًا خطيرًا على الجبهة الداخلية ويختبئ بين السكان المدنيين – لن يكون هناك بديلاً عن المناورة البرية .

عملية المناورة البرية بطبيعتها ينتج عنها وجود على الأرض، وهو الشيء الذي يحقق قاعدة الجنرال الأمريكي ويليام شرمان بأن الغرض من المناورة هو: “وضع العدو على قرون المعضلة”. لأنه في الوقت الذي يكون فيه العدو قد اعتاد على الجهد الناري المبذول ضده ويستمر في القتال، فإنه لن يكون في مقدوره توقع تحركات وأفعال القوات الموجودة داخل أراضيه، التي تعمل على تعطيل أنشطته والتقليل من النيران التي يطلقها باتجاه الجبهة الداخلية.

المعلومات الاستخبارية ستجعل من المناورة البرية أكثر فتكًا من خلال مفهومين: أولاً، هي ستجعل من الممكن تنفيذ خدعة على المستويات الأدنى في مواجهة عدو ثابت في معظمه، المستعد في البنية التحتية التي أعدها مسبقًا. ثانيًا، هي ستساعد في جهد ناري مساند دقيق وفعال مؤثر.

لا ينبغي “للجيش الإسرائيلي” أن يخشى الاحتكاك مع العدو، بل يجب أن يسعى إليه ويرى فيه فرصة لتدميره، ومن الضروري تحقيق فكرة عملياتية على أساس كلمة رئيسية واحدة: وهي المباغتة، هذه الحيلة المنهجية الاستراتيجية ضد العدو، بأكبر قدر من القوة، مع السعي لتحقيق أقصى قدر من الدمار في أقصر وقت ممكن، ستفاجئ العدو وتؤدي إلى انهياره في وقت أقرب مما كان متوقعًا.

تمتلك “إسرائيل” الان بالفعل قدرات نارية استخباراتية مثيرة للإعجاب وكفاءة في العمل المشترك, لقد أصبح سلاح الجو، بقيادة، اللواء أمير إيشيل، هيئة تعرف كيف تهاجم آلاف الأهداف في اليوم الواحد، ومع ذلك، هذه القدرات كانت وستكون مثيرة للإعجاب فيما يتعلق بالتهديد الذي شكلته حماس وحزب الله في عامي 2006 و2014. ولان النيران الدقيقة التي ارتبطت بمعلومات استخبارية دقيقة وحديثة لم تكن كافية. اعتاد العدو على ذلك، وتكيف واستمر في إطلاق النار إلى حد كبير باتجاه الجبهة الداخلية.

للمناورة البرية – المعركة البرية- درجة أخرى ترفع من قيمتها لأنها، كما كتب العقيد روعي ليفي، القائد السابق لوحدة إيجوز، تقدم حلاً لظاهرة تراجع أو تناقص عدد الأهداف المتاحة للقوات الجوية بعد أيام قليلة من القتال، نتيجة استنفاذ تلك المعلومات الاستخبارية الموجودة، وذلك من خلال إنتاج أهداف من داخل الميدان.

تم تحقيق هذا المفهوم بنجاح خلال حرب لبنان الثانية في عملية “فتية الساحل”، التي تم خلالها إنزال قوة ماغلان، بقيادة المقدم اليعازر توليدانو، بالقرب من صور. حيث تماهت هذه القوة في المنطقة ودمرت بواسطة توجيه النيران ما يقارب الــ 150 هدف من بينها ما يقارب 40 منصة إطلاق صواريخ.

مثال آخر من الحرب، على نطاق أوسع، كان في المعركة القصيرة ولكن الناجحة لفرقة رأس الحربة في 8 أغسطس 2006. بعد أكثر من أسبوع من التنظيم والتدريب، عندما دخلت الى لبنان قوة كتائبية من اللواء بقيادة قائد اللواء العميد إيتاي فيروف وانضمت إلى قوة تم نقلها جوا في آن واحد. وأجرى اللواء مناورة مشتركة بواسطة قوات محمولة على متن المروحيات وقوات مشاه، واستولوا على أراضي في منطقة قرى يعطر- وزبيكين. ودمر المظليون قاذفات الصواريخ وصواريخ الكاتيوشا باستخدام نيران مضادة للدروع كانت بحوزتهم وبتوجيه نيران دقيقة من البر والجو؛ مما أسفر عن مقتل العديد من عناصر حزب الله والحد بشكل كبير من إطلاق الصواريخ من المنطقة تجاه “إسرائيل”، وقال أحد قادة اللواء فيما بعد: “جميع من قتلناهم كان بواسطة المضاد للدروع وسلاح الجو، لم نقتل بواسطة رصاص سلاح من عيار “5.56” سوى 8 أشخاص.

كانت المناورة واسعة النطاق في نهاية حرب لبنان الثانية ، كجزء من عملية (تغيير الاتجاه 11 ) على الرغم من تنفيذها متأخرًا وليس بأفضل طريقة) ناجحة. علاوة على ذلك، كان لهذه العملية البرية تأثير على إنهاء القتال، وبفضل وجود القوات على الأرض، تم التوصل إلى اتفاق على انتشار الجيش اللبناني، إلى جانب قوة حفظ السلام المعززة التابعة للأمم المتحدة على طول الحدود.

تكرر هذا في عملية الرصاص المصبوب. على سبيل المثال، عندما استولى لواء المظليين بقيادة العقيد هارتسي هاليفي على منطقة العطاطرة. وفي إحاطة لجنوده أثناء القتال، أشار المقدم يارون فينكلمان، قائد قوة إستطلاع المظليين، أنه تم محو سرية العطاطرة وتدميرها. “وأضاف انه نتيجة لسيطرة اللواء على المنطقة، حدث تراجع كبير في عدد عمليات إطلاق الصواريخ، والذي كان سببه فقدان الكثير من الوسائل القتالية لديهم، وخوف مجموعات الإطلاق من أن تهاجمهم القوات البرية المناورة العاملة في المنطقة وكذلك بسبب أن من كانوا يطلقون النيران كانوا يصابون.

الاحتكاك مع العدو الذي حسن من قدراته

نحن نمتلك تجربة مناورة برية عظيمة وهائلة على مدى الثلاثين عامًا الماضية. ففي تقديرنا، من الممكن المناورة والدخول البري في لبنان في غضون أيام من بدء التجنيد، وفي غزة خلال فترة زمنية أطول قليلاً من بداية التجنيد. ترجع الفجوة بين الجبهتين إلى حقيقة أن قسمًا كبيرًا من قوات القيادة الشمالية ستحرك إلى الجبهة على عربات مجنزرة، بينما في قطاع غزة معظم المركبات القتالية سيتم تجميعها ونقلها بواسطة شاحنات النقل.

من المهم الأشارة، أن أي حرب مستقبلية ستكلفنا ثمناً أعلى من أي حرب شهدناها منذ حرب لبنان الأولى (654 قتيلاً بإنتهاء القتال في بيروت الغربية). وكلما أصبح العدو أكثر تطوراً وتجهيزًا، سيؤدي الاحتكاك معه إلى المزيد من الضحايا والخسائر. لقد تجهز”أعداء إسرائيل”، مع التركيز على حزب الله، بترسانة من الصواريخ الدقيقة بعيدة المدى والفتاكة التي ستساعدهم على مهاجمة جهود تعبئة قوات الاحتياط التابعة “للجيش الإسرائيلي”، وتعطيل أنشطتها العملياتية وحتى التأثير على عمليات صنع القرار على المستوى الوطني.

دراسة لحرب لبنان الثانية، التي قاتل فيها “الجيش الإسرائيلي” حزب الله وحده لمدة 34 يومًا، أظهرت أن المنظمة أطلقت خلالها حوالي 4000 صاروخ بأنواع مختلفة على “الجبهة الداخلية الإسرائيلية” (قرب نهايتها تم إطلاق حوالي 250 صاروخًا في اليوم)، مما أدى إلى شل الحركة. ومجرى الحياة الطبيعي لدى سكان شمال البلاد: في عملية الرصاص المصبوب، أطلقت حماس مئات الصواريخ في اليوم (نتيجة للمناورة الفعالة والمؤثرة، تراجعت النيران إلى عشرات القذائف في اليوم خلال العملية، لتصل في النهاية إلى 13 صاروخ.).

في الوقت نفسه، حسن العدو من قدراته على التسلل إلى “الأراضي الإسرائيلية”، بما في ذلك عبر الأنفاق. فمنذ حرب لبنان الثانية تعاظمت قوة حزب الله بلا حدود. القتال في سوريا، على الرغم من أنه أوقع خسائر فادحة في التنظيم، إلا أنه اكسبه خبرة عملياتية كبيرة لا يمكن تحديدها وحظي بتعلم وتدريب من قبل جيش متقدم على شكل الجيش الروسي. حزب الله اليوم قوة قتالية ماهرة ومنظمة، منتشرة ومجهزة بشكل جيد في القرى في مواقع محصنة، وفوق وتحت الأرض. إلى جانب الدفاع، فإن حزب الله مستعد لبذل جهد من قبل الوحدات التي تطلق صواريخ قصيرة المدى. بالإضافة إلى ذلك، لدى التنظيم مجموعة متنوعة من الوحدات، مثل: قوات المشاة الدفاعية؛ وقوة الكوماند و”قوة رضوان” للقيام بعمليات اقتحام في “الأراضي الإسرائيلية”؛ ووحدات الاستخبارات والاستخبارات المضادة؛ ووحدات الطائرات بدون طيار ؛ وقوات الدفاع الجوي ، ووحدة الصواريخ بعيدة المدى ، ووحدة تشغيل الصواريخ البر بحر .

لن تكون الحروب المستقبلية، في تقديرنا، فتاكة بالنسبة لنا مثل حرب الأيام الستة (130 قتيلًا في اليوم من القتال) أو حرب يوم الغفران (116 قتيلًا في اليوم من القتال)، ولكن من غير المرجح أن تكون مشابهة لحرب لبنان الثانية (3.66 قتيلًا في اليوم الواحد من القتال)، أو مثل عملية الجرف الصامد (1.36 قتيلًا في اليوم من القتال). كان من الممكن أن نُقيم حرب لبنان الأولى بشكل مختلف لو كان انسحب “الجيش الإسرائيلي” إلى الحدود الدولية بعد تحقيق إنجاز طرد منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان. كما تعلم الأمريكيون ذلك بلحمهم ودمهم في أفغانستان (2001) والعراق (2003) – يمكن أن تتحول النجاحات الهائلة في أول شهرين أو ثلاثة أشهر بمثابة مراوحة في المكان في الوحل العميق عندما نستمر في البقاء في الميدان دون هدف حقيقي ونواجه عدو بدأ يستعيد عافيته.

عضو الكنيست عوفر شيلح ، وهو قائد سرية مظليين سابق ، اقترح بناء أطر المناورة في “الجيش الإسرائيلي” من مزيج من القوات النظامية والاحتياط ، ذات مهام وتدريبات متشابهة إلى متطابقة ، على غرار الطريقة التي تعمل بها “الأسراب” المقاتلة في سلاح الجو . مما سيقصر بشكل كبير من الوقت اللازم لتجميع القوات، وبسبب الحفاظ على قدرات الاحتياط كما هي، سيكونون قادرين على الدخول في القتال على الفور جنبًا إلى جنب مع القوات النظامية. ووفقاً لقوله ستكون جاهزة في غضون أيام قليلة قوة مشتركة تكون خضعت لتدريب مخصص وتسمح بالربط بين حداثة القوات النظامية وحكمة وخبرة قوات الاحتياط. وسيكون الجيش قادرًا على التمسك بالمبدأ الأول لمفهوم – الانتقال للمناورة أو الاقتحام أو الاحتلال والتقدم في غضون أيام قليلة – مع تشغيله في أقل فترة زمنية لفرقة ذات خصائص مناسبة لساحة العمليات : ثقيلة ومحصنة أمام العدو الغني بالأسلحة المضادة للدروع ؛ وخفيفة ومزودة بشتى الوسائل في وجه عدو قليل الجهوزية ومتفاجئ من قوات المناورة التي أحاطت به “.

من كل ما سبق، يُنظر إلى عملية الرصاص المصبوب (2008) على أنها النموذج الصحيح لاستخدام القوة، سواء في معركة بادرت اليها “إسرائيل” أو في معركة يتم فيها مهاجمتها وتُجبر على الرد. في المرحلة الأولى من العملية، استخدم الجيش “الإسرائيلي” جهد ناري واسع النطاق، من الجو والبحر والبر، مما ألحق أضرارًا جسيمة بأنظمة حماس وبنشطائها وبنيتها التحتية ومستودعات الذخيرة ومقرات القيادة. ومع ذلك، كما ذكر العميد مارشال في كتابه “ناس أمام النار”، “القوة الجوية ضرورية لوجود أمة. لكن القوة الجوية التي لا تستعين بالقوات في ميدان المعركة هي وسيلة عسكرية بدون هدف “. وبناءا على ذلك، استخدم “الجيش الإسرائيلي” في “الرصاص المصبوب” فرقة مناورات ضمت قوات مدرعة ومشاة ومظليين وقوات خاصة تحركت في أراضي العدو (في هذه الحالة منطقة سكنية كثيفة). ومع بداية العملية تم تجنيد قوات احتياط وأجرت تدريباً خاصاً لرفع كفاءتها وتم إدخالهم للقتال حسب الحاجة.

من ناحية أخرى، هناك مسألتان على “الجيش الإسرائيلي” واجب العمل فيهما بشكل مختلف في المعركة القادمة، على ضوء أسلوب أو مفهوم العمل لدى العدو. الأولى، الافتراض العملي بأن “إسرائيل” سيكون لديها الوقت والمكان لتعبئة قوات الاحتياط وتجديد وتحسين كفاءتها في مناطق التدريب قبل الدخول في القتال يتعارض مع خطط القتال والتهديد الذي تشكله حماس وحزب الله، والتي وفقاً لها سيطلقون مئات وآلاف الصواريخ والقذائف على “إسرائيل”، في العمليات السابقة، اصيبت القوات في مناطق التجمع ومناطق التدريب، والوقت، كما يقول رئيس الأركان السابق، غادي إيزنكوت، يعمل لمصلحة من يستغله بشكل صحيح.

المسألة الثانية تتعلق بالاستعداد والجهوزية للاشتباك مع العدو. نُفِّذت المناورة في عملية الرصاص المصبوب – وهي عملية محدودة – بطريقة أفضل وأكثر احترافًا وتصميمًا وصرامة من حرب لبنان الثانية ومن عملية الجرف الصامد، ولكن كما ذكرنا هذه كانت معارك محدودة وتجنب خلالها “الجيش الإسرائيلي” عمداً الوصول إلى احتكاك أكثر حدة في قلب المنطقة السكنية.
عن التدريب للمناورة.

تُقاس جهوزية الجيش للحرب من خلال ثلاث مكونات:

* الجهوزية المهنية – وتستند على العقيدة القتالية والتدريبات التي تحاكي الواقع ويمكن مقارنتها باستعداد العقل لتحدي الحرب.
* جهوزية السلاح والوسائل – وهذا يتناول نوعية الوسائل ومستوى كفاءتها وأحجامها وعددها والتي يجب أن يتكون كافية لجميع أيام القتال، ويمكن تشبيهها باستعداد الجسد – والهيكل العظمي والعضلات.

* الاستعداد العقلي أو الذهني – الرغبة في قتال العدو وقتله والقدرة على تحمل أهوال الحرب مع إظهار روح قوية واستقرار عقلي نفسي في مواجهة الإخفاقات. وهذا هو استعداد النفس أو جهوزية الروح – روح القتال..
تعد الجهوزية العقلية أو الذهنية والروحية أمرًا في غاية الأهمية، حيث أن الاستعداد المهني يخلق الثقة بالنفس – مما يؤدي إلى الشعور بالكفاءة والجرأة في ساحة المعركة. ولم يكن أساس تفوق “الجيش الإسرائيلي” حتى حرب يوم الغفران في أفضلية التسلح، وحتى لو انه إذا كان على مستوى مهني أعلى. بل إنتصر بقدرة القيادة والسيطرة الجيدة والروح القتالية الأقوى، التي بعضها إعتمد على الثقة المهنية بالنفس.
الثقة بالنفس تنشأ من خلال التدريبات المتكررة. المهنة العسكرية هي مهنة عملية تتطلب الممارسة من أجل تطوير المهارة. ونظرًا لأنه من غير الممكن محاكاة ساحة المعركة تمامًا في التدريبات، فقد اتضح أن التدريب الذي يحاكي الواقع يتكون من عدة طرق تدريب، يساهم كل منها في جانب إضافي في الكفاءة الكلية. على سبيل المثال، تساهم التدريبات الثنائية الطرفين على النحو الأمثل في تطوير القدرة التكتيكية؛ وتساهم التدريبات النارية في القدرة النفسية (الشعور بميدان المعركة) والقدرة التقنية (باستخدام الوسائل) ؛ وتدريبات مقار القيادات تساهم في قدرة القيادة السيطرة .

تقدم ساحة المعركة المستقبلية، والإمكانيات التي تفتحها أمامنا التكنولوجيا المتقدمة، فرص تدريب غير عادية “للجيش الإسرائيلي” للقتال في المستقبل في مختلف الجبهات:

1. النشر الواسع النطاق لـمراكز التدرب بواسطة أجهزة المحاكاة على القتال في المناطق السكنية للتدريب على مستوى الفصيل والسرية.
2. النشر الواسع للأهداف في الأنفاق – فوهات وفتحات أنفاق
3. تدريب يستند على منظومة السيطرة والمراقبة للنيران “مسوآه” بداية من مستوى السرية
4. تركيز التدريب على كفاءة المستوى التكتيكي المتدني: فصيل – كتيبة
5. نشر واسع لوسائل المساعدة في التدريب ذات الصلة – ذخيرة من عيار ثانوي ، وذخيرة منخفضة الطاقة ، وألعاب نارية ، ومنظومات أو ألعاب للتدريب الثنائي.
6. مديريات قتال يعتمد على المعلومات الاستخبارية في كل لواء وفرقة لغرض دعم التدريبات الدعم – وهو نوع حديث من “وضع الأهداف”.
7. تطوير قدرة تدريب محاكاة شبكية تعتمد على الربط بين أجهزة تدريب المحاكاة التكتيكية الحالية الموجودة في “الجيش الإسرائيلي”، إن الاتصال أو الربط بين منشآت التدريب، وبعضها عبارة عن بنية تحتية للتدريب القائم على الكمبيوتر وأنظمة القيادة والتحكم، سيمكن من أداء تدريبات اللواء والفرقة، والتي تكون منخفضة التكلفة ويمكن إجراؤها بشكل متكرر.
هذا لا ينفي أهمية التدريبات الميدانية، ولكن من الممكن والضروري إنتاج نموذج تدريبي للوحدات التي تجمع بين التدريبات الكاملة، وإطلاق النار الثنائي، وكذلك التدريب بالمحاكاة.

التحضير العقلي أو الذهني

بالإضافة إلى التدريبات البدنية، يجب على “الجيش الإسرائيلي” إجراء مناقشات مهنية حول أهوال ساحة المعركة المستقبلية. وكجزء من هذا، يجب تطوير وتنمية الصلابة والتصميم الداخليين بحيث تقوم جميع الوحدات بمهامها حتى في ظل الإصابات والأسرى وغير ذلك من الضغوطات التي تستدعيها الحرب، يستحسن أن يكون هناك تحضير أو إعداد ذهني بين القيادة العسكرية العليا والمستوى السياسي، لأن صناع القرار بحاجة إلى الاستعداد لما هو متوقع لهم وينتظرهم، والمواطنون بحاجة إلى اعدادهم لما هو متوقع لهم وينتظرهم. إن جهوزية هؤلاء هو مفتاح للحفاظ على الشرعية الداخلية – ربما هذا أهم شرط لأمة ديمقراطية تقاتل.
مثال على الاعداد الذهني الأمثل هو حرب الأيام الستة. في ديسمبر 1966، خلال مناقشة في منتدى هيئة الأركان العامة حضره رئيس الوزراء ووزير الدفاع ليفي أشكول، قدم قائد إستخبارات اللواء أهارون ياريف توقعات الاستخبارات حينها بأنه طالما أن مصر لديها حوالي 30 ألف جندي في اليمن. لن يسعى أو يرغب الزعيم مصري جمال عبد الناصر للشروع في حرب ضد “إسرائيل”، في وقت لاحق، قال العميد (احتياط) دوف تماري، ضابط المظليين الذي قاد وحدة الأركان الخاصة “سييرت متكال” وحضر الاجتماع، إن ياريب قدر أنه حتى لو قرر ناصر سحب جيشه من اليمن وجلب قوات إلى سيناء، فسيستغرق الأمر له حوالي ستة أشهر. فسأله إشكول: “وماذا إذا طلبوا منه الإسراع؟” فرد رئيس الاركان الجنرال اسحق رابين بان “الجيش الاسرائيلي” سيعرف كيف يستعد في غضون 72 ساعة، ومع ذلك، كانت رسالة إشكول أنه بينما كان هذا هو الوقت الذي يحتاجه الجيش، للإنذار والتعبئة، فإنه هو نفسه يحتاج إلى مزيد من الوقت لتهيئة وتجنيد الحكومة والجمهور والولايات المتحدة والمجتمع الدولي للمعركة. في مايو 1967، فهمت الحكومة الوضع بشكل صحيح، وعملت على إعداد ليس فقط الجيش، ولكن أيضًا الدولة للمعركة المتوقعة.

توصيات

• في المعركة القادمة، من المتوقع أن تخوض قوات “الجيش الإسرائيلي” في الجبهة قتالاً عنيفاً، بالتوازي مع دمار وسقوط العديد من الضحايا في الجبهة الداخلية. يجب أن تحافظ “إسرائيل” على جيش قادر ومستعد للحرب من ناحية، وأن تحافظ على عمليات التعلم والحوار والاعداد بين الجيش والمستويات السياسية العليا من ناحية أخرى. قبل الحرب القادمة، على ما يبدو، لن يكون لدى “إسرائيل” الوقت لبدء مثل هذه العمليات وإضفاء الطابع المؤسسي عليها. الوقت يتم شراؤه مسبقاً في التدريبات والإعداد الذهني والخطاب حول أهداف الحرب وطبيعتها.

• يجب صياغة مفهوم معاكس للوضع الحالي، حيث تكون فيه المناورة البرية – المعركة البري- جهدًا مكملًا لجهد النيران، ومن هنا فإن الاستثمار في كفاءتها يكون منخفضاً نسبيًا أيضًا، مقابل المفهوم الذي فيه أن الجهد الناري مكمل للمناورة. من أجل إلحاق الضرر بمعظم وأهم القوة العسكرية لدى لعدو، يجب السعي للاشتباك المباشر، حتى في قلب المنطقة السكنية والمحصنة التي هو جاهز أو مستعد فيها – من أجل السماح بتدميره سواءا من خلال القوات المناورة أوبجهد النيران الدقيقة. التي ستشغلها هذه القوات بالتعاون مع منظومات الجمع القتالي والعثور والكشف. يجب معرفة كيفية الدخول إلى منطقة العدو بكامل القوة، وفي نفس الوقت يجب المغادرة في الوقت المناسب، قبل أن يتحول حجم القوات لخسارة ونقص في مواجهة التهديدات الإرهابية وحرب العصابات.

• لتنفيذ مناورات برية – معارك برية- فعالة وقاتلة، يجب على الجيش تطوير قدرة برية فعالة تتكون من قوات نظامية واحتياط مشتركة ومنفردة على حد سواء. الحاجة إلى الإحتياط ضرورية، لأن حجم وتعقيد المنطقة (في لبنان)، وكثافة المناطق المبنية (غزة)، لن تسمح له بالعمل من خلال استخدام القوات النظامية فقط.

• هناك حاجة إلى قوة برية من فرق قتالية مشتركة ، والحاجة إلى التجنيد والدخول السريع للقتال قد يستلزم بنائها وتشغيلها ليس بالضرورة داخل هيكل الفرقة المرهق ولكن كطواقم قتالية لوائيه تم تدريبها بانتظام.

• هناك حاجة ماسة للحفاظ على كفاءة عالية لدى قوات الاحتياط، سواء كانت تهدف إلى استكمال القوة النظامية أو المشاركة في القتال كأطر مناورة مستقلة، بحيث في أوقات الحرب، وبالتأكيد التي لم تبدأ من قبل “إسرائيل” (لأنه حينها لن يكون لديها وقت لتستعد) لكي يكون هناك حجم قوات متاحة على كفاءة وعلى نطاق أوسع من الجيش النظامي وحده. هذه القوات ستعرف كيفية التحرك والانتقال بسرعة من جبهة إلى أخرى، وتنفيذ غارات سريعة ومرنة وفي مجموعات متعددة الأسلحة مع عناصر النار والاستخبارات، بالإضافة إلى ضرب عناصر العدو بشكل فعال من خلال اشتباك مباشر. ويجب التأكيد أن وحدات الاحتياط لا يمكنها الاستمرار في الخدمة بأقل من أسبوعين من التدريب كل عام.

• المناورة السريعة تجاه مراكز إطلاق النار ستكون خطوة أصح وأفضل بالنسبة “للجبهة الداخلية الإسرائيلية”، من أيام طويلة دون مناورة، يكون فيها أمل كامن ولكن نبيل في أن يتوقف العدو عن القتال. وللقيام بذلك، يحتاج الجيش إلى قدرة مناورة برية فتاكة وسريعة وعدوانية، تشمل القوات النظامية وقوات الاحتياط، والتي يمكن تعبئتها بسرعة وتفعيلها منذ بداية المعركة، سواءً على نطاق محدود أو على نطاق واسع.

• الجنرال جورج باتون من الجيش الأمريكي ، وهو ضابط في سلاح الفرسان والمدرعات كان أحد أبرز القادة المقاتلين في التاريخ ، قال في ذلك الوقت: “أن هناك مبدأ تكتيكي واحد فقط لا يمكن تغييره – وهو استخدام كافة الوسائل المتاحة لك ، من أجل إلحاق أقصى الضرر والقتل والدمار لدى العدو وفي أقصر وقت ممكن.”، تبقى هذه القاعدة صحيحة ، ولكن في ضوء التهديد الخطير على الجبهة الداخلية ، يجب إعادة المبدأ الذي أرساه دافيد بن غوريون وهو ، يجب نقل الحرب إلى أراضي العدو. للقيام بذلك ، في الحرب القادمة يجب على “جيش الإسرائيلي” المناورة وبسرعة.

أضف تعليقك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى