أخباردراسات

استهداف القُدرات النووية الإيرانية “العقبات السياسية والتعبوية” الجزء الأول

✍️⁩ عبد الله أمين الخبير الأمني والإستراتيجي

لا ينفك المتابع للشأن الصهيوني في شقيه السياسي والعسكري من قراءة أخبار أو تقارير أو دراسات تصدر بشكل يومي أو أسبوعي تتحدث عما يدور من نقاشات في هذا الكيان حول ما يعترض كيانهم من تهديدات وجودية؛ أمنية أو عسكرية، ويأتي على رأس هذه التهديدات ما تشكله إيران منفردة، أو بما تملكه من علاقات وتحالفات منتشرة في طول وعرض منطقة غرب آسيا (الشرق الأوسط)، توفر لها ــ لإيران ـــ قدرات عسكرية قادرة على الحاق الأذى بـــ (مستعمرتهم) التي أقاموها على أنقاض مدننا وقرانا المحتلة في فلسطين.

وعند الخوض في تفاصيل هذه التهديدات من حيث النوع؛ يبرز أمامنا المشروع النووي الإيراني الذي يعتقد الكيان وحاميه الأصلي ممثلاً بأمريكا وحلفائها في المنطقة أنه عسكري الطابع، ويشكل تهديداً وجودياً على هذه المجموعة ـــ الكيان وأمريكا وحلفائهم في المنطقةــ، أو على الأقل فإن بقاء هذا المشروع بشقيه المادي الأدواتي والبشري المعرفي، يشكل باعثاً على الدخول في حالة سباق تسلح في المنطقة، يستنزف قدرات دولها ويجعلها دائمة التوتر منشغلة بهذا السباق عما تتطلبه مجتمعاتها من برامج تنمية وتطوير ذاتي. كما لا تخلو صحافة أو اعلام الكيان في أي يوم من تقريرٍ أو خبرٍ أو تصريحٍ حول استعداد هذا الكيان للعمل منفرداً ضد مشروع إيران النووي في حال أخفق العالم في كبح جماح الجمهورية الإسلامية الإيرانية عن المضي في مسار تطوير برنامجها هذا، كما أن أي لقاء بين سياسيي الكيان والأمريكان غالباً ما يكون طبقه الرئيسي إيران ومشروعها النووي وحضورها الإقليمي، وتحريضه ــ الكيان ــ على أن تقوم أمريكا بعمل ضد هذا البرنامج؛ أو على الأقل أخذ مصالحهم فيما يُسطَّر من بنود أو ما يؤمل من تعديل في بنود الاتفاق النووي الإيراني مع دول 5+1 ـــ أمريكا، بريطانيا، فرنسا، الصين، روسيا + المانيا ـــ. لن تخوض هذه المقالة في أصل المشروع النووي الإيراني من حيث سلميته أو عسكريته، كما لن تخوض في مكونات هذا البرنامج من حيث شكله كمنظومة عسكرية تشمل: منصات الإطلاق كمنطلقات أو الصواريخ كنواقل أو الرؤوس كمنقولات ومحمولات، حيث تشكل هذه العناصر الثلاثة أهم مرتكزات يرتكز عليها أي مشروع نووي يراد منه أن يشكل عامل ردع للآخرين.

فالهدف من هذه المقالة هو عرض مجموعة العقبات السياسية والتعبوية التي تعترض “الكيان الإسرائيلي” وتحول دونه والقيام بأي عمل عسكري منفرد ضد مشروع إيران النووي، كما أن هذه العقبات هي نفسها التي تمنع أمريكا من التعرض لهذا البرنامج بجهد تخريبي ذو طابع عسكري خشن، لكن دعونا في البداية نذكر بأن البرنامج النووي الإيراني لم يبدأ مع انتصار الثورة الإيرانية عام 1979 ؛ وإنما بدأت به إيران عندما كانت مملكة تحت سلطة العائلة البهلوية حيث وضع  أساسه شاه إيران محمد رضى بهلوي في شهر آذار من عام 1957 حين تم الإعلان عن الاتفاق المقترح للتعاون في مجال البحث العلمي والاستخدام السلمي للطاقة الذرية ضمن ما كان يعرف ببرنامج أيزنهاور ” الذرة من أجل السلام “، كما أن إيران وقعت في عام 1968 على معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية (NPT) وصادقت عليها في عام 1970، الأمر الذي جعل البرنامج النووي الإيراني خاضع للتحقق من قبل الوكالة الدولية للطاقة النووية، وهنا تجدر الإشارة إلى أن مندوب إيران عندما وقّع على هذه المعاهدة في ذلك الوقت؛ ذيّل توقيعه بالمضمون الآتي ” إيران تعتزم الالتزام بمضمون هذه المعاهدة على شرط أن تكون منطقة الشرق الأوسط خالية من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل، وتأمل بذلك “. بعد هذه المقدمة التي كان لابد منها كأرضية لتكوين صورة سريعة حول أصل (المشكلة) ومبدأها؛ نأتي الآن على ذكر العقبات السياسية والتعبوية التي تحول ـــ فيما نعتقد ـــ بين الكيان كمعني رئيسي، وحليفته أمريكا كمعني ثاني، وأي عمل عسكري خشن ضد المشروع النووي الإيراني.

أولاً: العقبات السياسية:

  1. عضوية إيران في معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية: إن أول العقبات السياسية التي تحول دون استهداف القدرات النووية الإيرانية بعمل عسكري خشن؛ هو عضويتها في معاهدة (NPT) التي تفرض على المجتمع الدولي حماية مشاريع الموقعين على هذه المعاهدة من الاستهداف أو التدمير، ما داموا ملتزمين بمقتضيات هذه المعاهدة وبنودها، الأمر الذي لم تقل وكالة الطاقة الذرية الدولية خلافه أو عكسه عن إيران وبرنامجها النووي.
  2. اتفاق إيران مع الدول 5+1: إن اتفاق إيران مع هذه الدول، يشكل عامل حصانة ومنع من أي تفكير في عمل عسكري خشن ضد إيران، فهذه الدول ـــ قبل انسحاب أمريكا من المعاهدة عام 2018 ـــ هي (مرتكزات) المجتمع الدولي وهم الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن الدولي ــ ما عدا ألمانيا ـــ وأي عمل عسكري بحجم التعرض لإيران وما يستتبعه من آثار مدمرة على المنظومة الدولية والأمن والسلم العالميين؛ لا يمكن تصوره دون التوافق عليه من قبل هؤلاء الأعضاء أو غض طرف أحدهم عنه، الأمر الذي لا يمكن تصوره فيما يخص إيران وملفاتها السياسية والعسكرية في المنطقة.
  3. الملف النووي الإيراني ملف أمريكا بامتياز: إن (التحرش) أو التعرض الخشن لإيران ؛ يعد ملف أمريكا بامتياز، ولا يمكن أن تسمح أمريكا لأي مكون سياسي في منطقة غرب آسيا ( الشرق الأوسط ) بأن ينفرد بهذا العمل دون أخذ إذنها أو التنسيق معها، على اعتبار أن الإدارة الإيرانية ترى في أي تعرض عسكري لها في حدودها الجغرافية؛ إنما يأتي في سياق الخدمة لأمريكا والكيان، وعليه فإن رد الفعل الأولي سوف يكون على مصدر التهديد الرئيسي، ثم يلحقه استهداف مرتكزات القوة الأمريكية في المنطقة كونها ـــ حسب الفهم الإيراني ــ هي من سهلت ودعمت مثل هذا الاعتداء، لذلك ستكون أكلاف مثل هذا التعرض أكبر بكثير من جدواه.
  4. علاقات إيران السياسية الدولية والاقليمية: تجمع إيران علاقات سياسية مع جميع الدول المحيطة بها تتصف بأنها علاقات صداقة وتعاون قائمة على التبادل التجاري والاقتصاد بمختلف أنواعه خاصة الطاقة، ممثلة بالنفط والغاز الإيراني الذي لا تكاد أي دولة من الدول المحيطة بها تستغني عنها ـــ ما استثنينا دول الخليج التي لديها فائض من مصادر الطاقة ــ لذلك، فإن هذه الدول مهما توترت علاقاتها مع إيران؛ لن تسمح أن تكون منطلقاً لأي عدوان خشن على إيران، لما سيلحقه هذا العدوان بهذه العلاقات من تدمير وتوتير، وما سيخلفه من رد فعل إيراني على مصادر التهديد، أما بخصوص دول الخليج والتي يخيل للبعض أنها قد تكون منطلقاً لمثل هذا الاعتداء على إيران؛ فهي أضعف عسكرياً وأهش بنيوياً من أن تتحمل أكلاف مثل هذا العمل في حال أقدمت عليه.
  5. اختلاف وجهات النظر الداخلية في الكيان أو بين الكيان والأمريكان: إن المتابع لما يدور في أروقة السياسة الصهيونية أو الأمريكية فيما يخص ملف إيران النووي وطبيعة التعامل معه ؛ يرى أن هناك اختلاف في وجهات النظر الداخلية في كيفية التصدي لهذا الملف والتعامل معه، فلا يوجد إجماع أو أغلبية سياسية أو عسكرية لدى الكيان أو أمريكا ترجح التعامل الخشن مع ملف إيران النووي، بل أكثر من ذلك ؛ فقد علت أصوات كثير تنتقد “رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نتنياهو” لتشجيعه الرئيسي الأمريكي ترامب على الانسحاب من اتفاقية 5+1 لما مثله هذا الانسحاب من ضياع فرصة التزام إيران بتعهداتها بناء على اتفاقية الـــ 5 +1 القاضية بالتزامها بسقف تخصيب محدد، حيث رفعت  إيران نسبه تخصيب اليورانوم إلى نسبة 60% بعد أن كانت النسبة المسموح بها زمن الاتفاق هي 3.67 %، كما زادت من حجم الكمية المخزنة لديها إلى ما يقارب 2400 كغم بعد أن كان المسموح به 300 كغم.
  6. توفير مبرر لإيران للخروج من معاهدة ال (NPT): إن أي هجوم عسكري خشن على منشآت إيران النووية يعني توفير مبرر سياسي وقانوني للجمهورية الإسلامية الإيرانية للخروج من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، الأمر الذي يعني مضي إيران في برنامجها النووي بعيداً عن أعين الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وحرمانها ـــ الوكالة ـــ من القدرة على المراقبة الآنية عبر كاميراتها ووسائلها الإلكترونية المزروعة بشكل رسمي في كافة منشآت إيران النووية، كما سيحد من قدرة هذه الوكالة على القيام بعمليات التفتيش الدوري لهذه المنشآت للتحقق من التزام إيران بتعهداتها.

هذه بعض العقبات السياسية التي نعتقد أنها تمنع الكيان والأمريكان وحلفاءهم في منطقة غرب آسيا من التعرض أو المشاركة في أي تعرض خشن للقدرات النووية الإيرانية، على أن نستكمل في الجزء الثاني من هذا المقال العقبات التعبوية التي تشكل عائقاً حقيقياً أمام خروج التهديد المعادي إلى حيز التنفيذ.

أضف تعليقك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى